هناك مشكلة يقع فيها كثيرون فيما يتعلق بالكتب؛ وهي أنهم يرغبون في القراءة لكنهم لا يستطيعون اختيار الكتب المناسبة لهم، خاصة مع وجود أكثر من 100 مليون كتاب بمختلف اللغات في العالم. فكيف يصنع هؤلاء؟
بداية يجب أن نعلم أن طبيعة الكتب تشبه طبيعة الطعام؛ من حيث توزع أذواق الناس عليها بين محب وعاشق لبعضها ونافر من بعضها الآخر. لذا فإنه حين يجد بعضنا نفوراً من القراءة فليس لأنه لا يحبها، بل لأنه لم يجد الكتاب المناسب له.
هنا يجب علينا عدم ترك الأمر للمصادفة، وأن نبحث عن تلك التي تناسبنا منها عبر بعض الأفكار التي تساعد في ذلك. وقبلها علينا أن نعي أن هذه المسألة رحلة في حياتنا كلها وليست وجهة؛ أي أن المشوار القرائي والتوجهات القرائية لا بد أن تتبدل وتتغير بتغير مراحل الحياة. فكيف يمكننا التعرف على ما نحب قراءته؟
على القارئ المتحير فيما يقرأ أن يحاول في البداية تذكر ما استمتع به من كتب قرأها واتجاهاتها؛ أهي فكرية أو دينية أم فلسفية أم سير ذاتية أم روايات أو قصص أم تاريخ أم شعر وأدب أم علمية. وفي حال عدم تذكر ذلك بدقة يمكن زيارة مكتبة عامة أو مكتبة لبيع الكتب ومطالعة عناوينها وتصفح بعض صفحاتها، حيث يمكن أن يقود ذلك إلى اكتشاف الميول، وحين شراء كتاب فلا بد من قراءة مقدمته وفهرسه وبعض صفحاته من أجل اكتشاف إن كان يتناغم مع الميول القرائية لذلك الشخص.
كما يمكن خلال هذه الفترة أن يستأنس القارئ المتحير بآراء أصدقائه أو من يشبهونه فكريًّا دون أن يأخذ بآرائهم بالضرورة، هذا جنبًا إلى جنب مع آخرين مثل رفاق بعض أندية القراءة، أو الاستفادة من بعض المواقع المخصصة للقراءة مثل موقع Goodreads، أو بعض تطبيقات القراءة وبرامج البودكاست المرتبطة بها وبعالم الكتب. كل ذلك مع معرفة أهداف القراءة لكل منا؛ أهي لمجرد المعرفة، أم لتنمية قدرات شخصية، أم للاسترخاء، أم للغوص في قراءات معمقة فكرية أو فلسفية؛ لأن ذلك قد يحدد المسار القرائي في أي مرحلة حياتية.
وحين يكتشف القارئ رغبته القرائية فيحسن به في البداية اختيار كتب خفيفة وقصيرة قبل أن ينتقل إلى كتب أكثر عمقًا وأكثر صفحات حتى لا يصاب بردة قرائية غير مقصودة. ولسنا بحاجة هنا إلى تكرار القول بضرورة ترك أي كتاب لا يعجب القارئ في صفحاته العشرين أو الثلاثين الأولى؛ لأن القراءة يجب أن تكون دائمًا مصدرًا للمتعة لا اختبارًا للقدرة على الصبر والاستمرارية، فحتى التوقف عن متابعة قراءة أي كتاب لا يعد فشلًا أبدًا، بل خطوة في طريقها.
فابحث عن الكتب التي تجد فيها أكبر التأثير عليك شخصيًّا، مهما قل عددها ومهما عدّها البعض تافهة أو غير مهمة، فلا يوجد كتاب سيئ بالمطلق؛ فحتى السيئ منها تستفيد منه في أنه يزيدك نضجًا ويقربك من كتاب جيد يناسبك.
وينبغي أن نعلم أيضًا أن المجالات التي تعجبك متحركة ومتقاطعة، وقد يجر بعضها بعضًا، أو قد يجعلك بعضها تنعطف باتجاه آخر، لكنها متكاملة في النهاية ما دامت القراءة مستمرة.
ويمكن أن نستفيد من كل موقف نمر به لكي نكتشف ميولنا القرائية؛ فحينما تقرأ وتنسى أنك تفعل ذلك، فإن هذا المجال الذي تقرؤه هو بالضرورة مناسب لك؛ سوف تلحظ بأن الكتاب قد سرقك من عالمك المحيط، وربما نسيت موعدًا مهمًّا أو حتى نسيت تفقد هاتفك المحمول. أما حين ترى نفسك تتشتت بسرعة، أو ترغب في تأجيل قراءة كتاب اخترته، أو تجد أنك في كل سطر أو عدة سطور تتفقد عدد الصفحات المتبقية، فإن ذلك قد يكون دليلًا على أن ما تقرؤه ليس مناسبًا لك.
وختامًا، فإنه ينبغي أن نعلم أن حكمنا على كتاب ما أو مجال قرائي ما ينبغي ألا يكون نهائيًّا؛ فقد يتغير ذلك الحكم مع الوقت، كما تتغير نظرتنا لسائر الأمور في الحياة.
** **
- يوسف الحسن
X: @yousefalhasan