وأنا أتلو سورة الحجرات، استوقفتني هذه الآية العظيمة، فأبحرت في التفكير: كم من خبر انتشر بين الناس لم نتبيّن صحته؟ كم من علاقة خسرناها لأننا لم نتحقق من صدق ما نُقل إلينا؟ كم من مظلوم وقع عليه الجور لكلمة لم تُمحَّص، أو رواية لم تُختبر؟
«فتبينوا...»
هذا الأمر الرباني منهج حياة وقاعدة أخلاقية تحفظ المجتمعات من الفوضى، والفرد من الظلم وسوء الظن. تناول الأدباء والمفكرون المسلمون خطورة الكذب في الأخبار، وطبيعة النفس البشرية وميلها إلى تصديق الغريب، وقبول الأخبار المثيرة، وتأثير الشائعات في المجتمع، وفي ذلك يقول مصطفى المنفلوطي: «والناس أسرع إلى تصديق الغريب، وأميلُ إلى قبول العجيب». ويؤكد الجاحظ في كتابه الحيوان هذا الميل بقوله: «وأكثر لا تجدهم إلا في حالتين: إما في حال إعراض عن التبيّن وإهمال للنفس، وإما في حال تكذيب وإنكار وتسرّع إلى أصحاب الاعتبار وتتبع الغرائب» وهو وصف دقيق لطبيعة التفاعل مع المحتوى الرقمي اليوم، فالناس مولعة بالأعاجيب، وإذا سمعوا الخبر العجيب تلقوه بالقبول.
فآلية تدوير الكذب تقوم على أن الناس يُحدث بعضهم بعضا، حتى يُخرجوا الباطل في صورة الحق. وهذه هي الآلية ذاتها التي تعمل بها الأخبار الكاذبة اليوم، إذ يُعاد نشر الخبر مئات المرات عبر الفيديوهات المفبركة، ومجموعات المحادثة، ومنصات التواصل حتى يبدو -بكثرة تداوله- حقيقيًا وإن كان في جوهره زيفا خالصا.
يبدأ الخبر بفكرة بسيطة من الممكن أن تكون مبنية على حدث حقيقي جرى تحريفه، أو واقعة مختلفة بالكامل، تصاغ بطريقة تلامس مشاعر الجمهور، وبغض النظر عن صحة الخبر، فقد تُسهم المنصات الرقمية في تضخيم أثر هذه الفيديوهات، إذ تُعطي الخوارزميات الأولوية للمحتوى المثير، فالأثر الاجتماعي للشائعة لا يرتبط بصدقها، بل بقدرتها على إثارة الخوف أو الغضب أو الارتباك، فالأخبار الزائفة لا تبنى على المنطق بقدر ما تبنى على التأثير العاطفي؛ لسرعته في الانتشار من التحليل العقلاني.
بعد اختيار الفكرة تأتي مرحلة التقنيات البلاغية والإعلامية لصياغة الخبر حتى يبدو حقيقيًا؛ باختيار العناوين المثيرة للاهتمام، واللغة الجازمة التي لا تترك أي مجال للشك، مثل: تسريب خطير، حقيقة صادمة، مصدر مؤكد. مع الاستشهاد بمصادر وهمية أو غير موثوقة لإضفاء مصداقية زائفة، وبهذا يصبح الخبر المزيف متماسكًا ظاهريًا، وقادرًا على خداع المتلقي.
فالفرد يميل إلى تصديق ما يوافق توقعاته أو يثير دهشته، ويظهر هذا الميل في حياتنا اليومية في سرعة انتشار الشائعات المتعلقة مثلا بالأمراض، أو الكوارث، أو المشاهير إذ يكفي أن يكون الخبر «غريبًا» لينتشر ويحظى بقبول واسع، فشائعة بسيطة عن ارتفاع الأسعار قد تتحول إلى أزمة اقتصادية، صورة قديمة قد تُنسب إلى حدث جديد، فيديو مقتطع قد يُنشر لإثارة الذعر.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي دخلت الأخبار الزائفة مرحلة معقدة، إذ يلعب دورًا محوريًا في نشر الأخبار الزائفة، فالفيديوهات المفبركة لم تعد مجرد صورة معدّلة، بل أصبحت قادرة على محاكاة الصوت والحركة وتعبيرات الوجه بدقة عالية، حيث يمكن إنتاج فيديو يُظهر شخصيات سياسية أو اجتماعية وهي تقول ما لم تقله، قد تولد مشاهد كاملة لم تقع لأحداث أو اعتداءات لا صحة لها في الواقع، لكنها تنتشر لتستثير عاطفة المجتمع، قد تنسب تصريحات لمشاهير أو مسؤولين دون دليل، أو مقاطع تُستخدم في الاحتيال المالي عبر انتحال الهوية، وقد تعيد توظيف لقطات حقيقية بدمجها مع عناصر اصطناعية لتغيّر معناها وتحرف الخبر في سياق مضلل.
ولابد من مواجهة هذه الأخبار الزائفة ببناء مجتمع واع لا ينخدع بالمظاهر، من خلال تعزيز مهارات التحقق، كالبحث عن المصدر الأصلي، ومقارنة الخبر بمصادر متعددة، تعليم ونشر التفكير النقدي في المدارس والجامعات، تشجيع المنصات الرقمية على تطوير أدوات كشف التدليس والتضليل، دعم الإعلام المهني الذي يلتزم بالمعايير الأخلاقية، وديننا الإسلامي يقطع هذه السلسلة من جذورها، لأنه يحمّل كل فرد مسؤولية التحقق قبل مشاركة الخبر وتناقله، إذ جعل للكلمة وزنًا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع» وهو يختصر فلسفة كاملة في التعامل مع المعلومات، فديننا ليس مجرد منظومة عبادات، بل منظومة قيم تحمي المجتمع من الانزلاق خلف الزيف، وفي زمن أصبحت التقنية قادرة على صناعة الخداع، يصبح الالتزام بالمبادئ الدينية بالتثبت، والصدق، والمسؤولية، أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، يصبح التبيّن واجبًا مضاعفًا؛ فالزيف اليوم أكثر إتقانًا، والخداع أكثر سهولة، والناس أكثر عرضة للتأثر بما يُصنع من صور وفيديوهات ومقاطع تبدو حقيقية وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة. ومهما بلغت التقنية من تطوّر، يبقى الوعي الإنساني هو خطّ الدفاع الأول ضد التضليل والتدليس؛ فالعقل الواعي، والقلب المتثبت، والنفس التي لا تتعجل الحكم هي وحدها القادرة على أن تميّز بين الحق والباطل، وبين الخبر الصادق والافتراء المصنوع.
** **
د. نورة بنت عبد الله العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055