الثقافية - كمال الداية:
ألقى الناقد د.محمد القسومي محاضرة في جمعية العناية بالمكتبات الخاصة بالرياض يوم الأربعاء الموافق 11 فبراير 2026م، أدارها د.أحمد المخيدش، بحضور عدد من المثقفين والأدباء، وبعد افتتاح الأمسية، قدم د.القسومي المحاضرة التي قال فيها: «الشعر الحر، تسمية تفتقر إلى الدقة؛ فهي تلتبس بالمصطلح الإنجليزي الذي يعني الشعر المتحرر من أي ترتيب إيقاعي مطرد.
و(شعر التفعيلة) هو المصطلح الأنسب، ابتكره الأستاذ عزالدين الأمين في كتابه (نظرية الفن المتجدد وتطبيقاتها على الشعر)، فشاع بين الباحثين وفي أوساط الأدباء والمثقفين.
والشاعر الأمريكي (وولت ويتمان) في ديوانه (أوراق العشب) أول من أوجد مصطلح (الشعر الحر) في التاريخ الأدبي بصورة رسمية.
وأمين الريحاني أول من أشار إلى هذا المصطلح -عام 1920م- بمفهومه الغربي، وسماه أحمد زكي أبوشادي (الشعر الحر)، كما استعمل مصطلحات أخرى، مرادفة لهذا المصطلح، وهي: النظم الحر، أو الشعر المرسل الحر، حين أراد أن يؤكد أنه غير مقفى، وخليل شيبوب استعمل مصطلح الشعر المنطلق، مرادفاً للشعر الحر، كما أن نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، لم يطلقا على محاولاتهما الأولى اسم (الشعر الحر)؛ ففي البداية، وصفته نازك بأنه لون جديد، ووصفه السياب بأنه شعر مختلف الأوزان والقوافي، ثم أطلق عليه كل من نازك والسياب (الشعر الحر)، بعد أن شاعت التسمية في الوسط الأدبي.
ونشرت جريدة (العراق) ببغداد نصّاً بُني على التفعيلة، في عام 1921م، سمّته النظم الطليق، للشاعر (ب.ن.)، هكذا رمز لاسمه، وسمّى قصيدته (بعد موتي)، يقول:
اتركوه .. لجناحيه حفيفٌ مُطْرِبُ
لغرامي
وهو دائي ودوائي
وهو إكسيرُ شقائي
فالشاعر تحرر من نظام الشطرين، وأقام قصيدته على التفعيلة، وهو ما استقر عليه الشعر الحر (شعر التفعيلة) بعد ذلك بأعوام.
وفي العام نفسه (1921م)، نشر محمد حسن عواد نصين من الشعر الحر في عددين من أعداد صحيفة (القبلة) التي كانت تصدر في العهد الهاشمي، أولهما عنوانه (تحت أفياء اللواء)، يقول في بدايته:
نهضتي
أنت فخري
أنت ذخري
بكِ قدري
يعتلي فوق السِّماكِ الأعزلِ
والآخر عنوانه (نطلب العزة أو يهراق دم)، يقول منه:
نهضتي
بي فسيري
... ثم يقول بعد ذلك:
نهضتي
كم خضعنا
وارتضعنا
ثديَ موتٍ لا يطاقُ
فشربناها لباناً من هوانِ
وسكتنا
فأمتنا
ماضيَ العزم وأخرسنا اللسانا
... ثم يقول:
أيها الطير المغني
مبدعاً في كل فنِّ
غرِّد اليومَ على غصن الأراكِ
وهكذا يبني نصه على تفعيلة (فاعلاتن) التي يقوم عليها بحر صاف هو بحر (الرمل)، على نظام الشعر الحر (شعر التفعيلة).
هذه الريادة التاريخية، تغافل عنها مؤرخو الأدب ونقادُه، حتى إن ناقداً عراقيّاً، وأستاذاً جليلاً، عايش الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية، وعرف منزلة العواد الأدبية، وسبْقَهُ إلى كتابة هذا الشكلِ الجديد، ومع ذلك حاول أن ينفي هذه الريادة، بأسلوب لا يتواكب مع المنهج العلمي؛ فالمؤرخون العراقيون يثبتون أوّليةَ نصٍّ قاله مجهول، غير ملتفتين إلى نصوص نشرت للعواد في صحيفة سيارة، تصدر في الحجاز.
يقول الدكتور يوسف عزالدين:» وفي الحجاز، قال محمد حسن العواد: إنه نظم هذا الشعر قبل شعراء العراق. وهو قول، لا يسنده التاريخ؛ لأن عمْرَ محمد حسن العواد الفني، لم يكن يسمح له أن ينظم قبل الزهاوي، أو قبل شعراء مصر المجددين. ويظهر أن العواد تأثر بشعراء العراق، ولا سيما جميل صدقي الزهاوي، وبحركة الشعر الجديد التي ظهرت عند وصول أمين الريحاني العراق؛ لأن تاريخ القصيدة التي نظمها سنة 1345هـ/حوالي 1924م، يمنعه من هذا الادعاء»!
هذا قول بعيد عن الحقيقة التاريخية، فيه تظليل للمتلقي؛ لأنه مبني على معلومات غير صحيحة، وسأوضح ذلك:
أولاً- الحديث عن شعر التفعيلة. والزهاوي رائد في الشعر المرسل، ولم يهتم بشعر التفعيلة، ولا علاقة لهذا الشكل بريادة العواد.
ثانياً- أما عن عمره الذي لا يسمح له، فهذا قول تكذبه الحقائق التاريخية التي تثبت عشرات الشعراء الذين أبدعوا في سن مبكرة، والعواد كتب هذا الشكل الشعري وهو على مشارف العشرين من عمره؛ فقد أرّخ محمد سرور الصبان في كتابه (أدب الحجاز) أن ولادة العواد في 1320هـ/ 1902م.
ثالثاً- حديث الدكتور يوسف عزالدين عن القصيدة التي نظمها العواد حوالي 1924م - وهي التي بنى عليها حكمه - ليست من الشعر الحر (شعر التفعيلة).
رابعاً- ذكر أن العواد متأثر بحركة الشعر الجديد التي ظهرت عند وصول أمين الريحاني العراق. وأمين الريحاني جاء إلى العراق في عام 1922م، بعد الثورة العراقية على الإنجليز، أي: بعد نشر العواد قصيدتيه؛ ثم كيف يتأثر به في كتابة شعر التفعيلة، والريحاني لم يكن من كتابها؟!
وقبل أن تظهر الدعوة إلى الشعر الحر، كان (البند) الذي ظهر في العراق، وهو شعر لا يتقيد بأسلوب الشطرين، ويجمع بحرين - في الغالب - هما الهزج والرمل، وقد ذكرت نازك الملائكة أن «أعظم إرهاص بالشعر الحر، هو ما يعرف بالبند، لا بل إن هذا البند هو نفسه شعر حر؛ للأسباب التالية:
1- لأنه شعر تفعيلة، لا شعر شطر. 2- لأن الأشطر فيه غير متساوية الطول. 3- لأن القافية فيه غير موحدة، وإنما يتنقل الشاعر من قافية إلى قافية، دون نظام أو نموذج محدد. وعندما نعلم أن أقدم البنود التي عثر عليها الباحث عبدالكريم الدجيلي ينتمي إلى القرن الحادي عشر، نعلم أن حقيقة بدايات الشعر الحر، يمكن أن ترجع إلى هذا القرن».
وفي عام 1923م، نشرت مجلة (الحرية) في العراق قصيدة حرة (تفعيلية) لإبراهيم المازني، ذكر أنها من الشعر المطلق، عنوانها (محاورة قصيرة .. مع ابن لي بعد وفاة أمه)، رجح الدكتور يوسف عزالدين أنها نُقلت من الصِّحافة المصرية، يقول منها:
لم أكلمه ولكن نظرتي
سألته أين أمُّكْ
أين أمُّكْ
وهْو يهذي لي على عادتِهِ
...
ثم يقول:
قلتُ لما مَسَكَتْ وجهيْ يداهُ
أترى تملك حيلهْ
... إلخ
يقول الدكتور يوسف عزالدين:» لو استمر المازني في نظم هذا الشعر وأكثر منه، لكان الرائد القوي من رواده»، ويقول الدكتور عبدالله الغذامي:»ومن الغريب ألا نجد لتجربة المازني صدى في كتاباته، حتى إنه لم يشر إليها في مناسبة كانت تستدعي استذكار تجربة كهذه، وذلك عندما كتب مقدمة مسرحية علي أحمد باكثير (أخناتون ونفرتيتي) المكتوبة على نمط الشعر الحر».
وأول محاولة جادة لكتابة شعر التفعيلة، القائم على إيقاع شعري، لا نثري، في الأدب العربي الحديث، قام بها أحمد زكي أبو شادي. وقد كتب الشعر المرسل، وشعر التفعيلة، وتقبل الشعر المنثور، وشجع غيره من الشعراء على كتابته بنشر نصوصهم، ولكنه لم يمارس هذه التجربة.
ونشرَ أول قصيدة له من شعر التفعيلة عام 1926م في ديوانه (الشفق الباكي)، وعنوانها (الفنان).
تفتش في لب الوجود معبراً عن الفكرة العظمى به لألباء
تترجم أسمى معاني البقاء
وتثبت بالفن سر الحياةِ
وكلُّ معنى يَرِفُّ لديك في الفنِّ حَيٌّ
إذا تأملت شيئاً قبستَ منه الجمالَ
وصنتَهُ كحبيسٍ في فــنِّكَ المتلالي
تبث فينا العبادهْ
تبثُّ فينا جلالاً لا انقضاء لهُ
القصائد الخمس الأولى التي كتبها في (شعر التفعيلة)، كتبها فيما بين عامي 1926-1927م. وتجربتُه قائمةٌ على مزج البحور، أما نازكُ الملائكة فتتقيد بالبحور الصافية.
ومزجُ البحور، هو التكنيكُ الأساسُ لدى ثلاثة من كتاب الشعر الحر، هم: الشاعر الأمريكي (أزرا باوند)، والشاعر الإنجليزي (ريتشاد ألدنجتون)، والشاعرة الأمريكية (هيلدا دوليتل). هؤلاء إلى جانب الأمريكي (وولت ويتمان) هم الذين ذكرهم أبوشادي رواداً للشعر الحر.
وأبو شادي متأثر بالأدب الإنجليزي تأثراً عميقاً، ودارسٌ متتبعٌ لتطور الشعر الإنجليزي والأمريكي، كما كان متأثراً بالمهجريين، وهو من المعجبين بجماعة جبران (الرابطة القلمية)، وتأثر كذلك بأستاذه وصديقه خليل مطران، وقد عزا إليه الفضل في إدخال الشعر المرسل والشعر الحر إلى الأدب العربي الحديث، إذ يقول:» فما نشوء الشعر المرسل ولا الشعر الحرِّ ولا ما بلغناه من الحركة التحريرية للنَّظم، ولا ما نتناوله من الموضوعات الإنسانية والعالمية إلا الرقي الطبيعي لرسالة مطران».
وقد نقدت نازك الملائكة دعوة أبي شادي إلى الشعر الحر، متناولة مفهومها المختلف لقصيدة الشعر الحر. جاء ذلك في أثناء حديثها عن الجانب العروضي من شعر علي محمود طه في كتابها (الصومعة والشرفة الحمراء: دراسة نقدية في شعر علي محمود طه)، إذ ذكرت أنها لم تطلع على دعوة أبي شادي إلا في عام 1963م، مشيرة إلى أن دعوة أبي شادي لم تلق رواجاً في حينها، متمثلة بشاعرها علي محمود طه -وهو من جماعة أبولو- الذي لم ينقَدْ لدعوة أبي شادي.
وقد شرح أبو شادي مبادئ شعره الحر، مشيراً إلى أنه في مرحلة تجربة لهذا الشكل الجديد، وأن على النقاد أن يكونوا أكثر تسامحاً. واستمر يدافع عن الشعر الحر، وينصح ويشجع على الكتابة فيه، بعد تأسيس مجلته الأدبية (أبولو) التي خصصها للشعر العربي. وكان ظهورُها فيما بين عامي 1932 و 1934م. وقد أشـاد بالشعراء الذين لبوا دعوته، ومنهم: فريد أبوحديد، وخليل شيبوب، ومصطفى السحرتي.
ويعد محمد بسيم الذويب من أوائل شعراء العراق الذين خرجوا عن وحدة القافية والقصيدة التناظرية (ذات الشطرين)، إذ كتب نصّاً تفعيليّاً، أو من النظم الطليق - كما سمته جريدة العراق- وقد سمى قصيدته (الشيطانية)، ونشرها في ديوان (الثمرات) المطبوع في عام1347هـ/1928م (وهذا يعني أنه نظمها-في الأغلب- قبل هذا التاريخ)، يقول فيها:
ارفعيهِ
مزقيهِ
واط رحيهِ
بين أحجار القبورِ
وانهضي سافرةَ الوجه وغني
هكذا كان السفورُ
ليس عاراً
أو شناراً
أن يجارى
سيرُ تيارِ الدهورِ
فارفعي البرقُعَ عنكِ واطرحيه
تحت نيران القدورِ
يقول الدكتور أحمد مطلوب:»وكأن الذويب خشي الفتنة؛ ولذلك قدّم للقصيدة بقوله: ولست أدري أيُّ شيطانٍ يُضمرُ لي العداء، قد أملى على صاحب الجريدة القصيدة التالية، وجعل الإمضاء اسمي المختصر، الذي تعودتُ أن أُوَقِّعَ به في ختام كل ما أكتبُ من نظم ونثر، فأقام عليّ القيامة حتى أجبرني على أن أنتخب محامياً، يدافع عني أمام محكمة المعممين الأجلاء». (اسمه المختصر ب.ك. ، أي: بسيم كامل).
وقد نشر خليل شيبوب قصيدة حرة، عنوانها (الشراع) في مجلة (أبولو) عام 1932م، تابع فيها أبا شادي في مزج البحور، منها قوله:
هدأَ البحرُ رحيباً يملأ العين جَلالا
وصفا الأفْقُ ومالتْ شمسه ترنو دلالا
وبدا فيه شراعٌ
كخيالٍ من بعيدٍ يتمشّى
في بساطٍ مائجٍ من نسجِ عشبِ
أو حمامٍ لم يجد في الروض عِشّا
فهْوَ في خوفٍ ورُعبِ
وقد ذكر صِدِّيق شيبوب (أخو الشاعر) أن أخاه نظم القصيدة في عام 1921م. ولكن توثيق الريادةِ التاريخية، لا يمكن أن يثبتها مثل هذا الكلام الشفهي الذي لا يستند إلى دليل.
ومن رواد شعر التفعيلة علي أحمد باكثير؛ فقد ترجم مسرحية شكسبير (روميو وجولييت) التي قال إنه كتبها في عام 1936م، ونشرها في عام 1946م، إذ ظلت تنتظر النشر عشر سنين. وقد أشار الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه (الصوت القديم الجديد) إلى أن المازني ذكر أنه اطلع على قصيدة باكثير منسوخة قبل عام 1940م.
ثم فعل ذلك في مسرحيته (إخناتون ونفرتيتي)، القاهرة 1940م، على أنه يذكر أنه ألفها عام 1938م، على بحر (المتقارب)، بعددٍ غيرِ منتظم من التفعيلات في كل سطر. وظل يطلق على هذه التجربة (الشعر المرسل)، أي: مرسل من قيد القافية، وهو من شعر التفعيلة.
ونشر في عام 1945م، في العدد ( 625) من مجلة (الرسالة) قصيدته (نموذج من الشعر المرسل الحر)، قال في بدايتها:
عجباً كيف لم تقصف بالدُّنى زلزلهْ؟
كيف لم تهوِ فوق الورى شُهُبٌ مرسلهْ؟
يا لها مهزلهْ!
يا لها سَوءةٌ مخجلهْ!
وقد لقيت قصيدته هذه –وهي قصيدة تفعيلية، جاءت على المتدارك- انتقاداً من الشاعر حسين الغنام، نشره في العدد (628) من مجلة (الرسالة)، يقول:»قرأت قصيدة الأستاذ الفاضل علي أحمد باكثير، المنشورة في عدد مضى من الرسالة، والتي [هكذا [أسماها شعراً مرسلاً حرّاً. وقد جمع الأستاذ الفاضل بهذه التسمية بين الشعر المرسل والشعر الحر ... فهذه إذن ليست قصيدة بالمعنى المفهوم؛ لخلوها من الموسيقية، وهي ليست شعراً مرسلاً، وليست شعرا حرّاً «.
وفي (الصوت القديم الجديد)، يقول الدكتور الغذامي:»وأما في لبنان، فإن الدكتورة سلمى الخضراء الـجَيُّوسي (فلسطينية)، تذكر أن أنجح محاولة حديثة لكتابة الشعر الحر، كانت قد نُشرت في مجلة (الأديب اللبنانية في شهر أكتوبر سنة 1946م، وكانت على بحر الرمل .. بعنوان (أنا لولاك)».
وقد بدأ بُلند الحيدري ينشرُ قصائده قبل نازك الملائكة، وكان ذلك في جماعة (الوقت الضائع) التي كان أمينَها، ولعل تاريخ نشر أول دواويــنه (خفقة الطين) هو الذي يؤكد ذلك، إذ صدر عن جماعة الوقت الضائع في عام 1946م، وقصيدتُه الأولى (سميراميس) من وزن الخفيف، على درجة متقنة من التشكيل الوزني. ومن المؤكد أنه قد مرَّ بتجارب في الكتابة بالشكل الجديد، قبل نشر هذه القصيدة.
وقد تجاهله كثير من مؤرخي الأدب، فهل كان لأصله الكردي أثر في ذلك؟
ولكن الكاتبة والشاعرة الكويتية تهاني فجر، قد أنصفته في كتابها (ضلع المثلث: بلند الحيدري والريادة المفقودة)، حين تناولت فيه مكانته الشعرية وتجاهل ريادته.
حتى إن نازك الملائكة تجاهلته وهي تستدرك في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابها (قضايا الشعر المعاصر)، فتذكر من سبقها في إبداع هذ الشكل الشعري الجديد، إذ تقول:»عام 1962 صدر كتابي هذا، وفيه حكمت أن الشعر الحر قد طلع من العراق، ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي. ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعراً حرّاً قد نُظم في العالم العربي قبل سنة 1947 سنة نظمي لقصيدة (الكوليرا)، ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة، قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب، منذ سنة 1932، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين؛ لأنني لم أقرأ ... تلك القصائد في مصادرها. وإذا أسماء غير قليلة، تَرِدُ في هذا المجال، منها اسم علي أحمد باكثير ومحمد فريد أبوحديد ومحمود حسن إسماعيل، وعرار (شاعرُ الأردن)، ولويس عوض، وسواهم، ثم عثرت أنا نفسي على قصيدة حرة، منشورة قبل قصيدتي وقصيدة بدر السياب للشاعر بديع حقي، وهذا مقطع منها:
أي نسمهْ
حلوةُ الخفقِ عليلهْ
تمسحُ الأوراقَ في لينٍ ورحمهْ
تُهرقُ الرِّعشةَ في طياتِ نغمهْ
وأنا في الغابِ أبكيْ
أملاً ضاع وحُلما ً ومواعيدَ ظليلهْ
والمنى قد هربت من صفرة الغصن النحيلهْ
فامّحى النورُ وهامَ الظلُّ يحكيْ
بعضَ وَسواسيْ وأوهاميْ البخيلهْ
في ديسمبر من عام 1947م، نُشرت قصيدةُ (الكوليرا) لنازك الملائكة، في مجلة (العروبة) البيروتية، وتقول نازك: إنها نظمتها في أكتوبر، ولكنها لم تنشر إلا في ديسمبر.
وفي الشهر نفسه، نشر السياب مجموعته (أزهار ذابلة)، القاهرة، 1947م. وقد وصف قصيدته التي عنوانها (هل كان حُبّاً)، المؤرخة في 29 نوفمبر من عام 1946م بقوله: هذه القصيدة محاولة جديدة في الشعر المختلف الأوزان والقوافي، وهي تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته.
سأختم بالسؤال المهم، الوارد في مقدمة كتاب نازك (قضايا الشعر المعاصر)، وإجابتها عن سؤالها، الذي سيدينها؛ لأن ما ذكرته قد تحقق على يد رائد شعر التفعيلة في الأدب العربي الشاعر أحمد زكي أبي شادي.
تقول:» والسؤال المهم الآن: هل نستطيعُ أن نحكم بأن حركة الشعر الحر، بدأت في العراق 1921 أو أنها بدأت في مصر سنة 1932؟ والواقع أننا لانستطيع، فالذي يبدو لي أن هناك أربعة شروط، ينبغي أن تتوافر؛ لكي نعتبر قصيدةً ما أو قصائدَ هي بداية هذه الحركة، وسأدرجها فيما يأتي:
1- أن يكون ناظم القصيدة واعياً إلى أنه قد استحدث بقصيدته أسلوباً وزنيّاً جديداً، سيكون مثيراً أشد الإثارة، حين يظهر للجمهور.
2- أن يقدم الشاعر قصيدته تلك (أو قصائده) مصحوبة بدعوة إلى الشعراء، يدعوهم فيها إلى استعمال هذا اللون في جرأة وثقة، شارحاً الأساس العروضي لما يدعو إليه.
3- أن تستثير دعوتُهُ صدى بعيداً لدى النقاد والقراء؛ فيَضِجون فوراً -سواء أكان ذلك ضجيج إعجاب أم استنكار- ويكتبون مقالات كثيرة، يناقشون فيها الدعوة.
4- أن يستجيب الشعراء للدعوة، ويبدؤوا فوراً باستعمال اللون الجديد، وتكون الاستجابة على نطاق واسع، يشمل العالم العربي كله».
ثم تقول:» ولو تأملنا القصائد الحرة التي ظهرت قبل 1947، لوجدناها لا تحقق أيّاً من هذه الشروط؛ فإنها مرّت وروداً، صامتة على سطح تيار، وجرفها الصمت، فلم يعلق عليها أحد، ولم يتقبلها شاعر واحد، فضلاً عن أنها لم تكن مصحوبة بدعوة رسمية، تثبت القاعدة العروضية لهذا الشعر الجديد، وتنادي الشعراء إلى استعماله، يضاف إلى ذلك أن ناظميها أنفسهم، لم يكونوا شاعرين بأهمية ما صنعوا على أي وجه من الوجوه».
والحقيقة الواضحة أنّ كل هذه الشروط التي اشترطتها نازك الملائكة للريادة، قد تحققت في أحمد زكي أبي شادي، فهي بذلك تؤكد أنه رائد شعر التفعيلة في الأدب العربي دون منازِع.
وقد رد عليها أكثر من باحث، من ذلك – مثلاً- ما ذكره الدكتور حامد أبو أحمد في كتابه (تحديث الشعر العربي: تأصيل وتطبيق)، حين قال: «وسوف أقدم فيما يلي مثالاً واحداً، ينقض هذا الاستخدام غير الصحيح لهذين الشرطين ( يعني الأول والثاني من شروطها) ... والمثال نأخذه من الدكتور لويس عوض في ديوانه الشهير (بلوتو لاند وقصائد أخرى من شعر الخاصة). وهذا الديوان، كُتبت قصائده –وهي من الشعر الحر- فيما بين عامي 1938 و 1940م. وكان الشاعر واعياً بأنه يريد أن يُحدث ثورة في الشعر العربي، كما تدل على ذلك المقدمة التي كتبها للديوان، قبل أن يُنشر في أوائل عام 1947، وعنوان هذه المقدمة هو (حطِّموا عمود الشعر). وهي دعوة صارخة، بل ومتطرفة إلى التجديد».
وفي نهاية الأمسية قدم د.عبدالله الحيدري شهادة شكر وتقدير باسم الجمعية للمحاضر ولمدير الأمسية.