أسهم نموّ القبيلة قديمًا، بوساطة الشعر، في إيجاد نزعةٍ للصراع على المستوى الثقافي والتمايز الطبقي؛ إذ نشأ الصراع القبلي بوصفه ظاهرةً اجتماعيةً ترعرعت في الشعر الجاهلي، ثم جاء الشعر فأجّجها بتركيبته اللغوية وعاطفته الجيّاشة. وتأسيسًا على ذلك، أصبح الشعر بمنزلة الزيت الذي يُسكب على النار في إبراز الصراع الطبقي والتمايز اللغوي.
وقد ناقش جان بيير قارنييه في كتابه عولمة الثقافة (1999) العلاقة بين الثقافة واللغة، فقال: «اللغة والثقافة تتبادلان صلات وثيقة؛ ذلك أن بعض المسائل التي يُعبَّر عنها جيدًا في لغةٍ ما لا يكون لها مقابل في لغةٍ أخرى، واستيعاب ثقافةٍ ما يعني في المقام الأول استيعاب لغتها»
وفي المعنى ذاته، يكشف علي الوردي -عالم الاجتماع العراقي- أن التمايز اللغوي لا يشيع إلا في مجتمعٍ طبقي؛ فكلما قلّت الفروق الطبقية بين الناس، وانتشرت مبادئ المساواة والديمقراطية التي يدعو إليها الإسلام، ضعف اهتمام الناس بالحذلقة اللغوية، وأصبحت اللغة وسيلةً للتفاهم لا أداةً للتباهي والكبرياء.
ويشبّه الوردي ذلك التمايز بالوسائل التي يلجأ إليها المترفون في عصرنا؛ إذ يحشرون في حديثهم كلماتٍ أجنبيةً غامضةً ليشعروا بنوعٍ من الاستعلاء حين يجدون أحدًا من عامة الناس يصغي إليهم، محاولين الظهور بمظهر المثقفين من ذوي الحسب والنسب.
ومن زاوية أخرى، أدرك أ.د.عبد الله الغذامي -أستاذ النقد الثقافي- أبعاد التمايز اللغوي، إذ كشف أن الثقافة هي التي صنعت الفوقية والاستعلاء في رؤية الشعراء؛ من خلال توظيف الخطاب الثقافي للإسهام في تميّزهم، وتجسيدهم بوصفهم سادة الشعر الذين يشعرون بما لا يشعر به غيرهم. وجُعل مصدر إلهامهم مكانًا مجازيًا يُسمّى «عبقر»، بوصفه فضاءً متعاليًا خاصًا، ونُصب لكل واحدٍ منهم شيطانٌ يُلهمه ويلازمه.
ويرى الغذامي أن هذا التميّز الرمزي الذي منحته لهم الثقافة أورثهم شعورًا بالعلو، حتى غدت عداواتهم ذات طابعٍ انتقائيٍّ حاد.
وتجلّى النقد النسقي للأدب الرفيع عند علي الوردي بصورةٍ كاشفة حين أفرد مقالةً في كتابه (أسطورة الأدب الرفيع) خصّ فيها نقّاد الأدب بالنقد؛ لعدم استنادهم إلى أساسٍ علميٍّ رصين، وانسياقهم وراء عواطفهم الذاتية. وذكر أن من أسباب التطور الهائل في العلم الحديث سلوك طريق الشكّ سبيلًا للمعرفة، بدلًا من عبارات تجميدها والوقوف عند رأيٍ يُظن أنه لا يقبل الشك. ومعنى ذلك أن الناقد يتذوق القطعة الأدبية كما يتذوقها الأديب الفنان، ثم يُخضعها لمنهجٍ علميٍّ لا سلطان للذوق الشخصي عليه. وبوسع النقاد -في رأيه- أن يبعثوا في الأدب روحًا جديدة إذا اتبعوا نهجًا موضوعيًّا يقتضي اكتشاف مكامن القوة والضعف فيما ينتقدون، فينتفع القرّاء بذلك، وينتفع الأدب.
ويكمن الفرق بين العلم والأدب -عند تيري إيجلتون في كتابه النقد والأيديولوجيا (1967) - في كونهما يعالجان موضوعًا واحدًا بطريقتين مختلفتين؛ فبينما يقدّم العلم معرفةً مفهوميةً بالوضع، يقدّم الفن تجربةً خاصةً لذلك الوضع، ومن خلال هذه التجربة، يُمكّننا الفن من رؤية طبيعة الأيديولوجيا، ويدفعنا نحو فهمٍ أعمق لها، أي نحو المعرفة العلمية.
وبذلك مهّد الوردي في أسطورة الأدب الرفيع أرضيةً خصبةً للنقد الثقافي حين دعا إلى أدب الأوساط الفقيرة، وجعل الأديب الحقّ من يستمدّ معظم قصصه وروائعه من الأزقة الضيقة والبيوت الفقيرة. وبهذا الطرح أحدث نقلةً نوعية تمسّ ذاتية الأدب العربي، وتمتد إلى آليات التأويل وطرائق اختيار المادة الأدبية. ومن هذا المنطلق نجد أن من الروايات التي خلّدها الزمن وراجت في أوساط المجتمع تلك التي التقطها مبدعوها من بين الأزقة والهُجر، فلامست معاناة الناس، وعكست همومهم واحتياجاتهم ونضالهم من أجل حياةٍ كريمة.
ويحفل الأدب العربي بنماذج من هذه الروايات، ولعل أبرزها ثلاثية نجيب محفوظ: (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، التي تُعد من روائع الأدب العربي، وقد نال بها صاحبها جائزة نوبل في الآداب. وهي روايات هيمنت عليها الصبغة الأيديولوجية، واعتمدت على التحليل النفسي والنقد الاجتماعي، وانتصرَت للطبقة الكادحة، وتفاعلت مع أحداثها حتى كوّنت لها حضورًا حيًّا في الوجدان الجمعي.
كما أبدى الوردي تحسّره على أدباء العصر الحديث الذين يريدون من الأدب الرفيع أن يكون أرفع من مستوى الجمهور، ويسمّونه رفيعًا لأنه يتجاوز مستوى الشعب.
وانتقد منهج بعض النقاد الذين ينظرون إلى مؤلف الكتاب قبل أن ينظروا إلى الكتاب نفسه، فيرفعون العمل أو يهبطون به تبعًا لأهوائهم، ثم يذرفون الدموع حزنًا على مصير الأدب الرفيع، في حين أنهم - في نظره - يمارسون نقدًا رقيعًا وهم يدّعون البحث عن الأدب الرفيع.
** **
د.شيهانة سعيد الشهراني - كاتبة وأكاديمية