رغم صعوبة وضع تجربة سعيد السريحي في سياقٍ يمكن نظمه أو اختزاله في مسار واحد، إلا أنني أرى أن كتاب “تحرير المجاز”، الذي شهد عودته إلى عرّابه الدكتور لطفي عبدالبديع، يمنح دارسي منهجه مفتاحًا واضحًا للدخول إلى عالمه الفكري. ففي هذا الكتاب تتجلى طريقته في التفكير، وتظهر ملامح رؤيته للغة والمعنى، ومنها يمكن قراءة بقية أعماله الأولى والمتأخرة في الشعر والنقد والفكر قراءةً أعمق وأكثر اتصالًا بروحه.
ففي “تحرير المجاز” يرى السريحي أن العقلانية حين تتحول إلى منظومة مغلقة تُفضي إلى نتيجة واحدة، فإنها تُنتج معنى واحدًا، وصيغة واحدة للفهم، ومسارًا واحدًا للتأويل. هذا النسق الصارم يثبّت الدلالة في نقطة جامدة، ويحوّل اللغة إلى جهاز إحالة لا إلى فضاء تجربة. ويندرج في هذا السياق نقده للحدّ الذي يُرسم للمفردة في المعجم؛ إذ يرى أن المعجم حين يُتعامل معه بوصفه مرجعًا نهائيًا للمعنى يفرض على الكلمة إطارًا ثابتًا، ويحوّلها إلى مدخلٍ معرّف سلفًا، لا إلى طاقة مفتوحة على الاحتمال. الحدّ المعجمي عنده تسجيلٌ لاستعمالٍ استقرّ، لا أصلٌ تُقاس عليه سائر الاستعمالات، وحين يُرفع إلى مقام السلطة يُغلق ما ينبغي أن يظل مفتوحًا. وفي المقابل يرى أن المعنى يتشكل داخل العلاقات، ويولد من احتكاك السياقات، ويتسع كلما اتسعت شبكة الروابط التي يدخل فيها اللفظ. الكلمة في هذا الأفق ليست وحدةً مكتملة بذاتها، بل عقدة في نسيجٍ حيّ يتجدد باستمرار، تتحدد دلالتها في حركة الخطاب لا في سكون التعريف.
وفي كتابه «كي لا نصحو ثانية: تفكيك خطاب الصحوة وآليات الهيمنة على المجتمع» ينصرف سعيد السريحي إلى قراءة خطاب الصحوة بوصفه نسقًا متكاملًا، تتساند فيه اللغة، والرمز، والتأويل، وصناعة الذاكرة الجمعية. يتتبّع اشتغال المفردة حين تتحول إلى حامل لقيمة أخلاقية مشحونة، فتغدو معيارًا للفرز الاجتماعي، وأداة لإعادة ترتيب المجال العام وفق منطق اصطفاف دائم. يرصد كيف تُصاغ العبارات في هيئة يقين مكتمل، وكيف تُنتَج الثنائيات بوصفها إطارًا تفسيريًا للعالم، فتتشكل رؤية ترى الواقع من خلال تقابلات حادّة تُعيد تعريف الفرد والجماعة والالتزام والاختلاف. يتقدّم تفكيكه لهذا الخطاب عبر تحليل بنيته العميقة؛ بنيةٍ تنزع إلى احتكار التأويل، وتتعامل مع المعنى باعتباره مجالًا مغلقًا تدور داخله الدلالة في مدار واحد. يكشف عن آليات إعادة إنتاج الخطاب داخل المؤسسات التعليمية والمنابر الإعلامية وساحات الوعظ، حيث تتراكم المفردات وتتكرّس الاستعارات حتى تصير جزءًا من الحسّ العام. وفي هذا المسار يبيّن كيف يتشكّل الوعي الجمعي تحت وطأة خطاب يضبط إيقاع التفكير، ويعيد تعريف العلاقة بين المقدّس واليومي، وبين الفردي والجماعي، في إطار منظومة رمزية تفرض مركزها وتعيد رسم حدود الممكن والمشروع داخل المجتمع.
وفي كتابه «أيديولوجيا الصحراء: آفاق التجديد وسؤال الهوية المعلّقة» ينصرف سعيد السريحي إلى قراءة مفهوم الصحراء بوصفه نسقًا رمزيًا متكاملًا، تتشابك فيه الصورة الأدبية، والتمثّل الثقافي، والتأويل التاريخي، وصناعة الهوية. يتتبّع تحوّل الصحراء من فضاء جغرافي إلى مرجعية ذهنية، وكيف أُعيد إنتاجها في الخطاب الثقافي باعتبارها أصلًا صافياً ومصدرًا للنقاء والقيم الأولى. يرصد اشتغال المفردة حين تتحول إلى علامة كثيفة الدلالة، تُستدعى لتأطير الوعي، وتوجيه الحسّ الجمالي، وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والهامش.
يتقدّم تحليله عبر تفكيك البنية العميقة لهذا التمثّل؛ بنيةٍ تمنح الصحراء سلطة رمزية تتجاوز حدود المكان، وتتعامل معها باعتبارها معيارًا للحكم على الحاضر ومقياسًا للانتماء. يكشف كيف تُصاغ الاستعارات في هيئة سردية كبرى تؤسس لفكرة الأصالة، وكيف تتحول هذه السردية إلى إطار تفسيري يعيد تعريف الذات الثقافية في مواجهة الآخر، ويعيد توزيع القيم بين ما يُعدّ امتدادًا للأصل وما يُنظر إليه بوصفه انحرافًا عنه. كما يتتبّع آليات إعادة إنتاج هذا التصوّر في الأدب والنقد، حيث تتراكم الصور وتتكرّس الرموز حتى تصير جزءًا من الحسّ العام والذائقة السائدة. وفي هذا المسار يبيّن كيف تتشكّل الهوية وهي معلّقة بين حنين إلى مرجعية متخيَّلة ورغبة في التجديد، وكيف يغدو سؤال الصحراء سؤالًا عن موقع الثقافة في العالم، وعن قدرتها على تجاوز الأطر المغلقة نحو أفق أكثر انفتاحًا ووعيًا بتاريخها وتحولاتها.
يجمع بين هذه الكتب خيطٌ فكري واحد يتبدّى في مساءلة كل نسقٍ يطمح إلى احتكار المعنى وتثبيت الدلالة في صورة نهائية. في «تحرير المجاز» تتخذ هذه المساءلة شكل نقدٍ للحدّ المعجمي وللعقلانية حين تنقلب إلى نظامٍ مغلق يُحيل اللغة إلى تعريف مكتمل لا يحتمل الحركة. وفي «كي لا نصحو ثانية» تتجسّد في تفكيك خطابٍ يعيد هندسة الوعي عبر مفردات مشحونة تُنتج يقينًا أحاديًا وتؤسس لثنائيات فاصلة تحكم الرؤية إلى العالم. أما في «أيديولوجيا الصحراء» فتأخذ صورتها في تحليل تمثّلٍ ثقافي يتحوّل إلى مرجعية صلبة، تُستدعى بوصفها أصلًا نهائيًا يُقاس عليه الحاضر ويُحاكم من خلاله. في الأعمال الثلاثة تتكرّر البنية العميقة ذاتها: منظومة تميل إلى تثبيت التجربة داخل تعريف مكتمل، في مقابل وعيٍ نقدي يعيد فتح المعنى على احتمالاته. اللغة حين تُختزل في تعريف تفقد توترها الخلّاق، والخطاب حين يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة يُعيد إنتاج العالم في صورة مغلقة، والهوية حين تُرفع إلى مقام الأصل الثابت تنقطع عن تاريخها وتحولاتها. بذلك تتجاور هذه الكتب داخل مشروع واحد يشتغل على تحرير الدلالة من سلطة الإطار، وردّ المعنى إلى حركته، وإبقاء الأفق مفتوحًا أمام التعدّد والتأويل وإمكانات التجدد.
كما أن هذا الخيط الفكري يضيء انشغال السريحي بالشعر ويمنحه سياقه الأعمق. فإذا كان مشروعه النقدي قائمًا على مساءلة كل نسق يسعى إلى إحكام المعنى داخل تعريفٍ مكتمل، فإن الشعر يغدو عنده الحقل الأوسع لمقاومة هذا الإحكام. هناك، تنفلت الكلمة من قيد الحدّ، وتغادر يقينها القاموسي، وتدخل في علاقات تولِّد دلالات متجددة لا تستقر في صيغة واحدة. الشعر، في أفق هذا التصور ممارسة معرفية تُبقي الدلالة في حالة توترٍ خلاق، وتمنعها من التحول إلى يقينٍ مغلق. إنه فضاء تتعدد فيه الأصوات، وتتجاور فيه الاحتمالات، ويظل فيه المعنى معلقًا بين ما يُقال وما يُلمح إليه. من هنا يبدو انجذاب السريحي إلى الشعر امتدادًا طبيعيًا لمشروعه؛ فحيث تقاوم اللغة في كتبه سلطة الإطار المغلق، يجد في الشعر الشكل الأصفى لهذه المقاومة، والأقدر على صون حركة المعنى من أن تُختزل في تعريفٍ أخير.
ففي “حركة اللغة الشعرية” يتتبع السريحي كيف تتحرك المفردة داخل النص الشعري، وكيف تتجاوز حدودها المعجمية لتدخل في شبكة علاقات تُنتج دلالات متجددة. اهتمامه هنا بالشعر بوصفه مختبرًا حيًا لحرية اللغة، حيث لا تُختزل الكلمة في حدّ، ولا يُقاس المعنى على أصل ثابت.
وفي “عتبات التهجي: قراءة أولى في التجربة الشعرية عند محمد الثبيتي” يقترب من تجربة شعرية تنحت لغتها الخاصة، وتعيد تشكيل علاقتها بالمكان والذات والتاريخ. هناك يجد مثالًا عمليًا على هوية تتحرك ولا تنغلق، وعلى نص يكتب ذاته خارج القوالب الجاهزة، وهو ما ينسجم مع موقفه الرافض لتحويل الهوية إلى سردية مكتفية بذاتها.
أما في «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد» فيعود إلى التراث ليقرأه بعين ترى في الاختلاف ثراءً، وفي الجدل حول المعنى فرصة لإعادة التفكير. دفاعه عن شعر أبي تمام هو دفاع عن حق النص في أن يُقرأ بأكثر من أفق، وأن يتحرر من الأحكام النهائية التي حاولت حصره في تقييم واحد.
هكذا يصبح الشعر عند السريحي نتيجة منطقية لرؤيته: انحياز إلى التعدد في المعنى، وانحياز إلى التعدد في المجتمع. في القصيدة تتجاور الصور والإيقاعات دون أن يطغى أحدها على الآخر، وفي المجتمع تتجاور الأفكار والتجارب دون أن تُمحى في خطاب أحادي. الشعر ليس موضوعًا إضافيًا في مشروعه، بل هو المجال الذي وجد فيه تجسيدًا حيًا لما كان يطلبه في اللغة والحياة معًا: حركة، وتعدد، واتساع.
بذلك يمكننا ان نرى في «تحرير المجاز» بيانًا تأسيسيًا لمشروعٍ فكري يتجاوز حدوده الظاهرة. فمنه تنبثق رؤيته للغة بوصفها كيانًا حيًا لا يُختزل في تعريف، ومنه تتضح قراءته للمجتمع بوصفه فضاءً للتعدد لا يُختصر في أيديولوجيا. وما بين اللغة والاجتماع، يقف الشعر شاهدًا حيًا على إمكان الاتساع، ومختبرًا عمليًا لفكرة المعنى المتجدد.
سعيد السريحي في مجمل أعماله لم يكن يطارد مصطلحًا بقدر ما كان يطارد أفقًا؛ أفقًا تتحرك فيه الكلمة بحرية، وتتعدد فيه الأصوات، ويتشكل فيه الوعي عبر الحوار لا عبر الإملاء. وحين تتجاور كتبه في اللغة والفكر والشعر، يتضح أنها تصدر عن رؤية واحدة ترى في الإغلاق خطرًا، وفي التعدد حياة.
** **
- إقبال بن سعيد السريحي