«الثقافية» - سمر العزام:
نظّم صالون نبل الثقافي محاضرة علمية قدمها العلامة الأستاذ الدكتور: عبدالعزيز بن محمد الفيصل، رائد تحقيق الشعر العربي، بقاعة نجد في فندق مدارين كراون في مدينة الرياض يوم الأربعاء الموافق 6 مايو 2026م، وقدم المحاضرة الأديب أ.سهم بن ضاوي الدعجاني، بحضور جمع من الأكاديميين والمثقفين والأدباء، بحضور وإشراف المستشار القانوني أ.منصور الزغيبي، مالك صالون نبل الثقافي.
وقد افتتح الأمسية مقدم المحاضرة أ.سهم الدعجاني بمقدمة تحدث فيها عن أهمية مشروع د.الفيصل في جمع وتحقيق شعر القبائل العربية، حيث تطرق إلى مشروعه الأخير وهو جمع وتحقيق شعر بني هلال في ثلاثة مجلدات، بعد ذلك تحدث الضيف عن مشروعه العلمي الممتد في خدمة التراث العربي وتحقيق دواوين الشعر القديمة. وجاءت المحاضرة بوصفها قراءة موسعة في منهج التحقيق العلمي وآليات التعامل مع النصوص التراثية، إضافة إلى إبراز القيمة الأدبية والتاريخية لشعر بني هلال ومكانته في الثقافة العربية.
واستهل الدكتور الفيصل حديثه بالإشارة إلى أعماله السابقة في مجال جمع الشعر وتحقيقه، موضحاً أن مشروع تحقيق شعر بني هلال لم يكن تجربته الأولى، بل سبقه عدد من المؤلفات والتحقيقات التي أنجزها على مدى سنوات طويلة، من بينها شعر بني قشير، وديوان الصمة القشيري، وشعر ابن مقبل، وشعر بني عبس، إضافة إلى تحقيق المعلقات العشر وشرحها. وأكد أن جميع هذه الأعمال اعتمدت على منهج دقيق يقوم على التثبت من كل كلمة وردت في النصوص، والرجوع إلى أقدم المصادر وأكثرها موثوقية.
وأوضح الفيصل أن شعر بني هلال يحتل مكانة كبيرة في التراث الأدبي العربي، ليس فقط بسبب القيمة الفنية لشعر شعرائهم، بل لأن القبيلة نفسها شكلت حضوراً تاريخياً ممتداً عبر قرون طويلة. وأشار إلى أن بني هلال كانوا جزءاً فاعلاً من التاريخ العربي منذ العصر الجاهلي، وشاركت القبيلة في أحداث سياسية وعسكرية مهمة في صدر الإسلام والعصور اللاحقة، كما ارتبط اسمها بالهجرة الشهيرة إلى المغرب العربي المعروفة بتغريبة بني هلال، وهي الهجرة التي حفظت الذاكرة الشعبية كثيراً من أخبارها وقصصها.
وبيّن أن شعر بني هلال يمثل سجلاً تاريخياً واجتماعياً وجغرافياً مهماً، إذ حفظ أخبار الحروب والتنقلات والعلاقات القبلية، إلى جانب وصف الأماكن والبلدان. وأضاف أن الاستشهاد بشعر شعراء بني هلال ورد في عدد كبير من كتب اللغة والتفسير والنحو والأدب، مما يدل على القيمة اللغوية والعلمية لهذا الشعر، وعلى مكانة شعرائه بين علماء العربية.
وتناول المحاضر نسب بني هلال، موضحاً أنهم من بني عامر بن صعصعة من هوازن القيسية العدنانية، كما أشار إلى صلات المصاهرة التي جمعت القبيلة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبقريش، مبيناً أن من نساء بني هلال ميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت خزيمة الهلالية، وهما من أمهات المؤمنين. وأكد أن هذه الجوانب التاريخية لا تنفصل عن دراسة الشعر، لأن فهم الأنساب والتحالفات والمواطن يساعد في تفسير كثير من النصوص الشعرية وفهم سياقاتها.
كما تطرق الدكتور الفيصل إلى بلاد بني هلال ومواطنهم، مبيناً أن ديارهم كانت في مناطق واسعة حول الطائف وتربة ورنية وعكاظ وذات عرق ونخلة وغيرها من المواضع التي ورد ذكرها في الشعر والمعاجم القديمة. وأوضح أن معرفة المواقع الجغرافية تمثل جزءاً أساسياً من عمل المحقق، لأن كثيراً من الأبيات يرتبط بأحداث أو أماكن محددة، ولا يمكن فهمها فهماً صحيحاً من دون الإحاطة بخلفيتها الجغرافية والتاريخية.
وفي محور مهم من المحاضرة، شرح الفيصل منهجه في تحقيق الشعر، مؤكداً أنه يعتمد على جمع النصوص من المخطوطات والكتب المطبوعة، ثم ترتيب المصادر بحسب قِدمها وموثوقيتها. وأشار إلى أنه يبدأ عادة بأقدم مصدر وردت فيه القصيدة، ثم يقارن بين الروايات المختلفة للأبيات، ويثبت الرواية التي يراها أصح، مع الإشارة إلى الروايات الأخرى وبيان الفروق بينها. وأضاف أن التحقيق لا يقتصر على نقل النصوص، بل يتطلب مناقشة الروايات وتحليلها وترجيح بعضها على بعض بالاستناد إلى الأدلة اللغوية والتاريخية.
وتوقف المحاضر عند قضية نسبة القصائد، موضحاً أن كثيراً من القصائد القديمة تنازعتها الروايات المختلفة، فنسبت أحياناً إلى أكثر من شاعر. وأكد أن المحقق مطالب بمناقشة هذه الآراء والرجوع إلى المصادر القديمة لتحديد النسبة الصحيحة. واستعرض مثالاً لذلك من خلال قصيدة العباس بن قطن الهلالي التي اختلف العلماء في نسبتها، إذ نسبها بعضهم إلى يزيد بن الطثرية، فيما أثبت آخرون أنها للعباس بن قطن الهلالي. وبيّن الفيصل كيف ناقش آراء العلماء واعتمد على الروايات الموثوقة للوصول إلى الترجيح الأقرب إلى الصحة.
كما عرض نماذج من القصائد التي قام بتحقيقها، من بينها قصائد للشاعر حميد بن ثور الهلالي، الذي يعد من أبرز شعراء بني هلال. وأشار إلى أن بعض قصائده الطويلة احتاجت إلى جهد كبير في التحقيق بسبب كثرة رواياتها وتنوع مصادرها، موضحاً أنه تتبع أبيات هذه القصائد في عشرات الكتب التراثية، مثل معاجم اللغة وكتب الأدب والنحو والتاريخ.
وتحدث الفيصل كذلك عن الاختلافات التي تقع في روايات الأبيات الشعرية، مبيناً أن اختلاف كلمة واحدة قد يغيّر المعنى أو يؤثر في الوزن أو الدلالة. ولذلك يحرص المحقق على مقارنة الروايات المختلفة، وإثبات الرواية الأقرب إلى الصواب اعتماداً على قوة المصدر وسياق النص. وقدم خلال المحاضرة أمثلة متعددة على هذه الفروق، موضحاً كيف تعامل معها أثناء التحقيق.
وأكد المحاضر أن العمل في تحقيق الشعر العربي يتطلب صبراً طويلاً وإلماماً واسعاً باللغة والتاريخ والجغرافيا والأنساب، إلى جانب القدرة على تتبع النصوص في المصادر القديمة. وأضاف أن الهدف من التحقيق ليس جمع القصائد فحسب، بل حفظ التراث العربي من التصحيف والتحريف، وإثبات النصوص الصحيحة ونسبتها إلى أصحابها الحقيقيين.
واختتم الدكتور: عبدالعزيز الفيصل محاضرته بالتأكيد على أهمية مواصلة الجهود العلمية في خدمة التراث العربي، مشيراً إلى أن الشعر العربي القديم لا يزال يحمل مادة علمية وأدبية غنية تحتاج إلى المزيد من الدراسة والتحقيق. كما شدد على أن العناية بالشعر القديم تمثل حفاظاً على جزء مهم من الهوية الثقافية العربية، لما يتضمنه من لغة وتاريخ وقيم اجتماعية وحضارية شكلت جانباً أساسياً من الذاكرة العربية عبر القرون.
وفي نهاية المحاضرة شارك جمع من الحضور في المداخلات وهم: أ.د.صالح معيض الغامدي الأستاذ بجامعة الملك سعود، وأ.د.محمد منور الأستاذ بجامعة الملك سعود، ود.عبدالعزيز آل عبدالله الأستاذ بجامعة الملك سعود، والأستاذ: بندر الصالح، والأستاذ: أحمد السماري، وأ.د.أمل التميمي، وأ.عوضة الدوسي، بعد ذلك اختتم مدير الأمسية المحاضرة، وكرم المشرف العام على الصالون المستشار أ.منصور الزغيبي الضيف ومدير الأمسية وشكر الحضور على تفاعلهم.