حين ترى الجماعة طفلًا يركض أسرع من أعمارهم، لا تسأل دائمًا: كيف نُعينه؟
كثيرًا ما تقول في سرّها: كيف نُبطئه؟
لعل هذا الهاجس أو هذه الفكرة تسربت إليّ من مقال قرأته للأستاذ عبد الله الهدلق في ميراث الصمت والملكوت، كتبه بعدما ضاق صدره فانشرح قلمه -كما يقول- تحت عنوان: «بئس هذا الناس» وقد شكا من الناس على عادة الأدباء حين يشتدّ بهم الضيق، حتى أغلظ فقال: «ولولا دِينٌ وحياءٌ لقلت بقلمي هكذا فكشفت عن وجوهٍ تُصدّر في المجالس؛ فلما عاملتها خشيتُ منها على نعلي!».
وربما، وما أكثر «ربما» في ليلةٍ كهذه؛ تكثر فيها الأفكار أو قل الظنون من طَرقِ رأسي حتى يكاد الظنّ فيها يصير يقينًا، لم يتبادر إلى ذهني ما أراد الهدلق إيصاله بقدر ما ذهبت أقيس كلامه على الوسط الثقافي؛ ذلك الوسط الذي نقاتل للوصول إليه وننتظر منه الكثير حتى إذا بلغناه صُدمنا به، ثم شتمناه وندبناه، ونحن في ذات الوقت نمدح المثقفين فيه! وهو تناقض لم أفهمه ابتداءً حتى تفطنت إلى أن المجاملة سمته الأولى، والمحاباة الثانية، والمصلحة المرجوة ثالثته ورابعته، وإن كانت هذه المصلحة -في الغالب- لا تحصُل لكل أحد كما يُتوهم؛ لأن التدافع بين أهله يأكل وعوده قبل أن تنضج، ولا أزعم أن الوسط شرٌّ مصمت، غير أن فيه ساعةً تعلو فيها المكانة على الثقافة فيصير بعضهم لبعضٍ كائدين.
ولا أعلم الليلة سبب حبّي لهذا الاستطراد في الكتابة على غير عادتي، وإن كان أصلًا في حديثي، ولكن أعود: فلما فرغت من ذلك المقال، أعادني إلى ثنائية قديمة: هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟ بخاصة حين قال الهدلق: «ألا فلتربّوا أبناءكم على شيء من الشر، لا ليكونوا أشرارًا؛ ولكن حتى يتّقوا من الناس شرَّ الناس» وهذه مسألة خاضت فيها الديانات، ثم الفلسفات والآداب، وتفرّعت عنها رؤى كثيرة؛ منها من جعل الإنسان أسيرًا لقوى الشر، وأخرى فهمت الوجود حربًا سجالًا بين الخير والشر، ومنها من عدّهما عنصرين متلازمين كالليل والنهار لا يكتمل معنى الحياة إلا بتعاقبهما وصراعهما.
وربما كان الأمر هكذا: ليس هناك في الناس شرٌّ محض، ولا خيرٌ صِرف، ولعله لا شر قطُّ ولا خير قطّ، إنما هناك إنسان يتبدّل وجهه كلما تغيّر موضعه من الرغبة والخوف والمصلحة.
ثم طويتُ الكتاب، ونفضت هذا الهاجس، وأمسكت هاتفي فإذا بالأقدار تقول لي: استمر فيما أنت فيه؛ فقد وقعت عيني على منشور للأستاذ محمد العباس تحت عنوان: «المكانة والهمس: سيكولوجيا النميمة الثقافية» يتحدث فيه عن أن المثقفين يحوّلون النميمة إلى نقد فكري راقٍ؛ لأن تنافسهم الخفي على المكانة الرمزية، والرغبة المحاكاتية، والضغينة المكبوتة، يلبس ثوب التحليل العميق بدل أن يظهر على حقيقته.
فكيف - بعد هذا - أكفُّ عن التفكير في المسألة؟
هنا تذكرت إخوة يوسف حين قالوا: «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا».
ولم أعد أرى الآية -في تلك اللحظة- ضمن أفق الحكاية العائلية في بيت نبي كريم، ولا في حدود الغيرة الأخوية وحدها؛ تبدّت لي صورة كبرى لشيء يتكرر في كل جماعة: أن يظهر فيها من يسبق عمره، أو يربك ترتيبها، أو يلمع قبل الموعد الذي سمحت به الأعراف العريقة، فيتحول وجوده الهادئ إلى استفزاز، وموهبته إلى تهمة، واحتماله القادم إلى خطرٍ يجب تدبيره بليلٍ حتى يخلو لهم وجهُ المشهد.
لم يكن يوسف عليه السلام قد فعل شيئًا يستوجب هذا الفزع؛ لم ينازعهم ميراثًا، ولم يأخذ منهم سلطانًا، ولم يسلبهم مكانة قائمة، كان طفلًا يحمل في داخله رؤيا، إشارةً إلى مستقبل تشكل بقدر الله، ولهذا لم يكن الخوف من يوسف كما هو، وإنما من يوسف كما يمكن أن يكون، وهنا تحديدًا تبدأ مأساة كل موهبة مبكرة، وكل مثقف يبرز بين أقرانه قبل أن تمنحه الجماعة إذن الظهور، فالوسط لا يغضب دائمًا من المنجز المكتمل؛ قد يغضب من الوعد، من الإشارة، من تلك البارقة الأولى التي تقول للآخرين إن هذا القادم قد يبدل مواقع الجلوس، ويخلخل مراتب الكلام، ويكشف أن بعض الأسماء كانت كبيرة لأن أحدًا لم يزاحمها بعد.
فكم من يوسفٍ قُتل قبل البئر، ورؤيا خُنقت قبل أن تجد قميصها، وموهبةٍ أقنعتها الجماعة أن تنكمش حتى تنجو.
وليس كلُّ يوسفٍ يدخلُ مصر، كما أن إخوةَ يوسف لا يفشلون دائمًا.
فكم يوسفًا مرَّ بنا... ولم ننتبه أننا الإخوة؟
** **
أسامة الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر