يُعد أثر ابن عباس رضي الله عنهما في العرب العاربة من الآثار المشهورة في باب تقسيم العرب وأصولهم، وقد تداوله أهل العلم في كتبهم. غير أن البعض اعترض عليه من جهة الإسناد، وربط ذلك بدعوى أن تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة اصطلاح لغوي حادث، وأثر من الإسرائيليات.
والذي يترجح أن هذا الاعتراض لا ينهض لإسقاط الأثر؛ لأن عمدته قائمة على التهوين من الطريق بسبب وجود يزيد الفارسي في سنده، مع أن ابن عبدالبر رواه في «الإنباه»، ثم قال عقب روايته: «وهذا حديث حسن الإسناد، وهو أعلى ما رُوي في هذا الباب، وأولى بالصواب». وهذا حكم صادر عن حافظ ناقد، لا يُدفع بعبارة مجملة من غير علة مؤثرة.
يقول ابن عبدالبر: «ورأيت بخط أبي جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا سلام بن مسكين، قال: حدثنا عون بن ربيعة، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس ...». وفي هذا الإسناد أبو جعفر العقيلي الإمام الناقد، ومحمد بن إسماعيل -والظاهر أنه الإمام البخاري- وموسى بن إسماعيل التبوذكي -شيخ البخاري-، وسلام بن مسكين، وهم من المعروفين بالثقة والرواية. وأما عون بن ربيعة الثقفي فلم يتوجه إليه الاعتراض أصلًا، وإنما جعل المعترض مدار الإعلال على يزيد الفارسي.
ويزيد الفارسي ليس مجهول العين، ولا متروك الحديث، ولا متهمًا بالكذب، بل هو راوٍ معروف بالرواية عن ابن عباس. وقد نُقل عن الإمام أحمد أنه كان كاتبًا لابن عباس، وذكره أهل العلم فيمن روى عنه.
بل ذهب جماعة إلى أنه هو يزيد بن هرمز الثقة، وإن فُرِّق بينهما، فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: «لا بأس به»، وهي عبارة قبول في الجملة، لا إسقاط.
ثم إن الأثر لم ينفرد به ابن عبدالبر، بل ورد من طرق أخرى عند خليفة بن خياط وابن أبي عاصم، وهذا يزيد الأثر قوة واعتضادًا.
وأما دعوى أن تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة تقسيم لغوي محض، فغير محررة؛ لأن هذا التقسيم تتداخل فيه الاعتبارات النسبية والتاريخية والزمنية. ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من تعلّم إسماعيل عليه السلام العربية من جرهم، مما يدل على أصل تاريخي ونسبي معروف، لا على مجرد اصطلاح لغوي حادث.
ويؤكد اشتهار هذا التقسيم أن علماء العقيدة قرروه عند شرح نسب النبي صلى الله عليه وسلم في شروحهم لكتاب «الأصول الثلاثة»، ومنهم الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ ابن جبرين.
وهذا يدل على أن التقسيم لم يكن اصطلاحًا طارئًا مهملًا، بل معنى متداولًا في كتب العلم وشروح متون العقيدة. وأما حمل الأثر على الإسرائيليات فدعوى بلا بيِّنة؛ لأن قول الصحابي في أمر لا مجال للرأي فيه، إذا لم يثبت أخذه عن أهل الكتاب، له عند طائفة من أهل العلم حكم الرفع. وعلى أقل الأحوال، فلا يصح الجزم بكونه من الإسرائيليات بلا دليل. والخلاصة أن الاعتراض انتقل من مناقشة جزئية في إسناد أثر معين إلى محاولة نقض أصل نسبي تاريخي مشهور، وهذا توسع لا تنهض به مقدمات الاعتراض.
** **
- سلطان الشدادي