الثقافية - سمر العزام:
في ليلة ثقافية ماتعة اتسمت بعبق الأصالة وتدفق المعرفة، شهدت عاصمة الثقافة الرياض أمسية استثنائية رعتها واستضافتها صاحبة السمو الأميرة نورة بنت محمد بن سعود، وشهدت الأمسية حدثين بارزين؛ أولهما إطلاق الهوية البصرية الرسمية لـ«صالون النور الثقافي» بطرازه السلماني، وثانيهما الإعلان عن صدور كتاب «فيضة النور» الموثق لمسيرة عامين من العطاء الثقافي.
كما شهدت الأمسية حوارًا فكريًا عميقًا مع الدكتورة أمل الهزاني، الأكاديمية والكاتبة السياسية وعضو مجلس الشورى، التي أخذت الحضور في رحلة بين دهاليز السياسة، وأسرار الوراثة الجزيئية، وشجون الأدب والوعي المبكر.
وافتتحت المحاوِرة الأمسية بسؤال للدكتورة أمل الهزاني عن مسيرتها منذ بواكير الوعي، وصولًا إلى رف الكتاب الأول الذي استقت منه ملامح خارطة الطريق.
وفي إجابتها، قالت د. أمل الهزاني: «أقولها بكل فخر، كانت عائلتي؛ أبي وجدي وإخوتي، الحاضنة الأولى التي تأسس فيها وعيي. فجدي -رحمه الله- كان يطلب مني قراءة الصحف له من الغلاف إلى الغلاف، ولا سيما صحيفة الشرق الأوسط الرصينة التي تُوزَّع في عموم العالم العربي. وفي الوقت نفسه، كانت مكتبة والدي الهائلة منهلًا يضم شتى أنواع العلوم والمعارف؛ فعلى الرغم من أن تخصصه كان في التاريخ والصحافة، فإن مكتبته الضخمة كانت سُلّمًا صعدته خطوةً تلو الأخرى لأطل من خلاله على الكون الفسيح».
ومن البدايات إلى حقل السياسة وتخصص «الوراثة الجزيئية»، برز سؤال حول كيفية مزج د. أمل بين هذين القطبين في تجربتها.
وأوضحت د. أمل الهزاني ذلك بقولها: «بينما كانت الميول الفكرية والأدبية تعم أرجاء المنزل، قادني الفضول وعلاقتي العميقة بالبيئة والطبيعة إلى ردهات العلوم والمختبرات. فأكملت مسيرتي في كلية العلوم بـجامعة الملك سعود، ومن هناك حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه. وكانت أطروحتي للدكتوراه تتمحور حول الوراثة الجينية، حيث لطالما مثل لي الحمض النووي DNA لغزًا وددت اكتناه أسراره. والآن -ولله الحمد- أثمرت تلك المسيرة العلمية عن 50 مقالًا محكمًا منشورًا في مجلات علمية عالمية».
ومن الحياة العلمية إلى الحياة الإعلامية، حيث دخلت د. أمل عالم الشاشات عبر برنامج «الموقف»، الذي لم يكن نافذة إعلامية فحسب، بل صناعة لرأي رصين. وفي هذا السياق، سُئلت عن تقييمها لهذه التجربة.
فقالت: «إن البرنامج جاء بطلب من القناة السعودية الأولى، فقدمت برنامج «الموقف»، وهو برنامج سياسي يناقش قضايا المنطقة عبر الشاشة الرسمية للمملكة. توليت قيادته لمدة ستة أشهر، وكان يغطي الحاجة إلى برنامج سياسي رصين، سبق أن قدمه الأستاذ خالد السليمان ثم الأستاذ طارق الحميد. وكانت مهمة الإعداد تتطلب مني جهدًا كبيرًا، كما أن سقف الحوار كان رصينًا وحذرًا للغاية، لكونه يمثل قناة رسمية، فضلًا عن صعوبة التنسيق مع الضيوف بسبب فروقات التوقيت. وقد لاقى البرنامج نجاحًا كبيرًا، لكنني اكتفيت بدورة تلفزيونية واحدة».
ومن بريق الشاشة إلى السياسة مجددًا، علقت د. أمل الهزاني على الموقف السعودي والخليجي الراهن في سياق الوحدة العربية، مطالبةً بقراءة متأنية للمشهد المعاصر.
وقالت: «هذا الموقف يجعلنا نتريث قليلًا لنتأمل المهارة الفائقة التي أدار بها الوطن دفاعاته أثناء مواجهة خطرة ومباشرة على حدوده، وناله خلالها كم هائل من الاعتداءات، والحمد لله، لم نشعر -نحن المواطنين- بأي أثر، بل عشنا مطمئنين، واثقين في قدرة صناع القرار على إدارة الأزمات سياسيًا ولوجستيًا. وهنا يتضح في المشهد -وبكل جلاء- أن إيران عدو يحمل أجندة تخريبية واضحة ضد المنطقة».
المداخلات
وبعد انتهاء الحوار، أجابت د. أمل الهزاني عن عدد من المداخلات، من أبرزها:
الراشد وصناعة الرأي
وفي مداخلة حول سر وصفها للإعلامي عبدالرحمن الراشد بأنه أفضل كاتب سياسي عربي، علقت د. أمل قائلة: «هو أحد الذين تأثرت بكتاباتهم في بداياتي؛ لمهارته التحليلية، ونظرته الشمولية، وقدرته العالية على ملامسة الخطوط الحمراء دون تجاوزها».
وأضافت ضاحكة أنها التقت بالرئيس التنفيذي للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام جمانة الراشد، التي أخبرتها بأن مقالات أمل الهزاني تأتي في المرتبة الثانية من حيث المقروئية بعد الراشد، الأمر الذي أسعدها بوصفها قارئة وتلميذة تقارب أستاذها.
الصحف العبرية والرقابة
وعن طبيعة قراءاتها، قالت د. أمل إنها تبدأ صباحها بمطالعة الصحف والمواقع الدولية، وتمر أحيانًا على الصحف العبرية، مدهوشةً من تكرار كلمة «السعودية» فيها بصورة مستمرة.
وعن محاذير السياسة، قالت: «أعرف أن صناعة الرأي تتطلب كاتبًا هادئًا يقنعك دون إثارة مشاعرك أو استفزازك».
وتذكرت حين مُنع لها مقال في إحدى الصحف عن الأمير تركي الفيصل، وعندما التقته أخبرته بذلك، فبادر بالاتصال بالصحيفة لنشره، إلا أنها اعتذرت له مؤكدةً أن لكل صحيفة قوانينها وشروطها الخاصة بالنشر والإجازة.
التجربة التشريعية (مجلس الشورى)
وفي تعليقها على تجربتها في مجلس الشورى السعودي، وصفت د. أمل عضويتها بأنها تشريف أتاح لها تأمل كيفية سير الدولة في أدق مفاصلها، مؤكدةً أنه مع رؤية المملكة 2030 تحول المجلس من مناقشة الأنظمة القائمة إلى عملية تطوير شاملة للتشريعات بما ينسجم مع طموحات الرؤية.
قصة «نظرة» المكتب البيضاوي
وحول مقطع الفيديو الشهير لها داخل المكتب البيضاوي، الذي ظهرت فيه بنظرات مستاءة تجاه صحفية أمريكية، أوضحت د. أمل: «مراسلة العربية البلبيسي أفسحت لي مكانًا، فجاءت تلك الصحفية المتوترة لتزاحمني عليه، وألقت سؤالًا يحمل ملامح الصحافة الصفراء وإثارة ملفات عفا عليها الزمن. وحين حاول الرئيس دونالد ترامب الرد، تكفل سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بالرد بكل قوة وجسارة، موضحًا التفاصيل كافة».
واختُتمت الأمسية بتقديم عرض موجز عن «نادي سيدات الفكر»، قدمته كل من نوف الرويسان والعنود العتيبي، حيث أوضحتا أن النادي تابع لمنصة هاوي ضمن برنامج جودة الحياة وتحت مظلة وزارة الثقافة، ويُعنى بالثقافة والأدب والتراث، ويسعى إلى تعزيز الوعي الثقافي والأدبي، وتمكين المرأة من الحضور الفاعل والمؤثر في الساحة الأدبية.
وقد تأسس النادي عام 2016 في منطقة الرياض، ثم توسع إلى عدد من مناطق المملكة، حيث دشن برامجه في القصيم والمنطقة الشرقية ومكة المكرمة، ويضم نخبة من سيدات الفكر من صاحبات السمو وسيدات الوطن الملهمات، اللاتي يسعين إلى ترك بصمة مميزة في المشهدين الثقافي والأدبي.
كما نفّذ النادي منذ تأسيسه العديد من البرامج والمبادرات الأدبية والثقافية المتنوعة، وفعّل المناسبات الوطنية انطلاقًا من رؤيته الهادفة إلى نشر الفكر الراقي وتوسيع دائرة المعرفة، تماشيًا مع رؤية المملكة 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، والتي جعلت الثقافة ركيزة أساسية في التنمية الوطنية الشاملة.