حاوره - خالد الدوس:
صدر القرار السامي بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ليُحدث نقلةً نوعيةً في المشروع الثقافي والأكاديمي للمملكة العربية السعودية، ومواكبة لهذا الحدث المهم نستضيف عبد الله الأحمري، أستاذ علم الأنثروبولوجيا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ليقرأ لنا دلالات توقيت هذا القرار التاريخي، ويستعرض أبرز الفجوات البحثية التي سيسدها المعهد، ويرسم ملامح الأولويات العلمية التي سيبدأ بها عمله في مرحلته التأسيسية الأولى، في حوار خاص لـ«الجزيرة الثقافية».
دكتور عبد الله، بمناسبة صدور هذا القرار التاريخي، وكخبير أنثروبولوجي، كيف تقرؤون توقيت إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا؟ وما الرسالة التي يوجهها هذا القرار للمجتمع الأكاديمي والثقافي داخل المملكة وخارجها؟
- قرار إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية يُعد من القرارات الاستراتيجية الرائدة التي تعكس رؤيةً قياديةً واعيةً بأهمية دراسة المجتمع بعمق، وفهم تحولاته الاجتماعية والثقافية. ويجسد ذلك النظرة الثاقبة لخادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في دعم الدراسات الإنسانية وتعزيز دورها في التنمية.
من هنا تبرز أهمية إنشاء هذا المعهد بوصفه منصةً علميةً متقدمة تُعنى بدراسة المجتمع وتحولاته، وتدعم صُنّاع القرار برؤى قائمة على البحث والتحليل العميق، بما يعزز التكامل بين السياسات العامة والواقع الاجتماعي. فالدول المتقدمة تحرص على وجود مثل هذه المراكز البحثية التي ترصد التغيرات المجتمعية، وتسهم في بناء استراتيجيات مستقبلية مستدامة، والمملكة اليوم تسير بخطى واثقة في هذا الاتجاه، بل وتتقدم فيه، في ظل رؤية سياسية منسجمة مع المجتمع، وقادرة على استيعاب متغيراته، بما يحقق انسجامًا بين التوجهات التنموية والبنية الثقافية للمجتمع.
وتستند هذه البنية إلى منظومة قيمية وثقافية راسخة تنطلق من الدين، وتشكل قاعدةً صلبةً تمنح المجتمع السعودي قدرته على التماسك والمنافسة في ظل التحولات المتسارعة.
وأرى أن هذا التوجه يفتح المجال أمام الجامعات السعودية، ولا سيما في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية، لإعادة النظر في بنيتها الأكاديمية، من خلال التوسع في إنشاء أقسام متخصصة في الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية، إلى جانب تأسيس مراكز بحثية متخصصة تعتمد على الدراسات النوعية لفهم التحولات الاجتماعية بصورة أكثر عمقًا.
من خلال عملكم الأكاديمي، ما أبرز الفجوات التي سيسدها هذا المعهد في مشهدنا الثقافي والبحثي؟ وهل يمكن القول إننا تأخرنا في امتلاك مؤسسة بهذا التخصص؟
- أبدأ بالجزء الثاني من السؤال: نعم، هناك تأخرٌ نسبيٌّ في وجود مؤسسة متخصصة بهذا الحجم والاختصاص، خاصة إذا نظرنا إلى حجم المملكة الجغرافي، واتساعها الثقافي، وتنوعها الاجتماعي. فالمملكة تمتلك خريطةً ثقافيةً غنيةً تمتد عبر مناطق متعددة، ولكل منطقة أنماطها الاجتماعية والثقافية الخاصة، ما يجعل الحاجة إلى مؤسسة علمية متخصصة مثل المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية ضرورةً بحثيةً لفهم هذا التنوع وتحليله بعمق.
هذا التنوع الثقافي المحلي يحتاج إلى مؤسسة متخصصة مثل هذا المعهد، تُعنى بدراسة الإنسان في مختلف البيئات السعودية عبر أبعاده الثلاثة: البعد الثقافي والمعنوي، والبعد المادي المرتبط بالمهارات والممارسات، والبعد الروحي والقيمي، إضافةً إلى دراسة تفاعل الإنسان مع بيئته، وتأثيره فيها وتأثره بها.
أما فيما يتعلق بالجزء الأول من السؤال، فإن المعهد سيساعد في إحداث نقلة نوعية داخل المشهد الأكاديمي، من خلال دفع الجامعات والمراكز البحثية إلى تبني رؤية أكثر وضوحًا وجدية في إنشاء أقسام متخصصة في الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية. وهذا يعني عمليًا الانتقال من الاهتمام العام بالعلوم الاجتماعية إلى التخصص الدقيق في فهم الإنسان والمجتمع في سياقاتهما المتغيرة. ومن المتوقع أن يشكل المعهد مرجعيةً علميةً طويلة المدى تعتمد عليها هذه الأقسام في إعداد جيل من الباحثين والمفكرين القادرين على التعامل مع تعقيدات التحول الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية استقطاب الكفاءات الوطنية المتخصصة في علم الإنسان، ممن يمتلكون خبرات أكاديمية متنوعة بين الجامعات السعودية والجامعات العالمية، سواء في المدرسة الأنثروبولوجية البريطانية أو المدرسة الثقافية الأمريكية، بما يتيح تنوعًا معرفيًا يثري الحقل البحثي دون اختزاله في اتجاه واحد.
كما سيعمل المعهد على بناء جسور معرفية بين الجامعات، وإعادة تنظيم الحقول البحثية المتصلة بالمجتمع السعودي، وردم الفجوات البحثية التي تراكمت عبر فترات سابقة في الدراسات الميدانية والنظرية.
ما الأولويات البحثية التي سيضعها المعهد على طاولته في مرحلته الأولى؟ وكيف سيوفق بين توثيق التراث الثقافي المحلي ومواكبة التحولات السريعة التي تعيشها المجتمعات السعودية؟
- من الطبيعي أن يحتاج المعهد الأنثروبولوجي، في مرحلته التأسيسية، إلى مدة زمنية قد تمتد إلى ثلاث سنوات، يتم خلالها بناء الهيكل المؤسسي، واختيار القيادات العلمية، واستقطاب الخبرات المتخصصة، وتشكيل الإدارات البحثية.
وخلال هذه المرحلة تبرز قضية جوهرية تتعلق بتحديد التوجه العلمي للمعهد؛ إذ تتوزع الدراسات الأنثروبولوجية عالميًا بين اتجاهين رئيسيين: المدرسة الاجتماعية البريطانية، والمدرسة الثقافية التاريخية الأمريكية. ويُعد اختيار أحد هذين الاتجاهين، أو بناء مقاربة تكاملية بينهما، قرارًا مؤثرًا في طبيعة الدراسات التي سيتبناها المعهد واستراتيجياته البحثية.
فالمدرسة البريطانية الاجتماعية تركز على تحليل البنى الاجتماعية ومؤسسات المجتمع ووظائفها، ومدى مناسبتها واتساقها مع الحياة والتحولات الاجتماعية، بينما تهتم المدرسة الأمريكية الثقافية بدراسة نشأة الثقافة ودوائرها وانتشارها وانفتاحها على الثقافات الأخرى، مع إتاحة مساحة أوسع للاستفادة من التنوع الثقافي داخل المجتمع، بما يسهم في تحسين جودة حياة الفرد والجماعة والمؤسسات الاجتماعية. وفي الغالب، هناك مرونة كبيرة داخل هذا الاتجاه للاستفادة من الخبرات الثقافية الأخرى.
كما يركز الاتجاه الأمريكي في دراساته على الانتقال من الحاضر إلى الماضي؛ أي أنه يبدأ من المرحلة الراهنة أو الدائرة الحالية للثقافة، ثم يتتبع امتدادها في جذورها التاريخية عبر المحطات المختلفة.
ويمثل النموذج السعودي، كما تجسده رؤية السعودية 2030، مشروعًا تنمويًا يعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع، وهو ما يفرض الحاجة إلى مقاربة بحثية قادرة على قراءة هذه التحولات من داخلها. ومن هذا المنطلق، يبدو الاتجاه الأمريكي أكثر ملاءمة لمرحلة البدايات الأولى في المعهد؛ لأن هذه المرحلة تستدعي دراسات أنثروبولوجية وثقافية معمقة تهدف إلى الكشف عن «العمق الثقافي» والحزم القيمية التي أسهمت في بناء هذا التحول، من خلال قراءة الإنسان السعودي في أبعاده الثلاثة: البعد المعنوي المرتبط بالقيم والثقافة، والبعد المادي الذي تجلت فيه القدرات الإبداعية والمهارية، والبعد التفاعلي الذي يعكس توظيف هذه القدرات في مجالات التقنية والمعرفة ورفع جودة الحياة.
إلى أي مدى يمكن للمعهد أن يكون جسرًا للحوار بين التخصصات، كالتاريخ وعلم الاجتماع، خصوصًا في فهم التحولات الكبرى مثل رؤية السعودية 2030؟
- اهتم علم الأنثروبولوجيا، المعروف بـ«علم الإنسان»، بتطوير مناهجه البحثية بصورة ملحوظة مع بداية الألفية الثالثة، التي شهدت طفرة غير مسبوقة في تدفق المعلومات وتوافرها، إلى جانب ظهور البيانات الضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وما صاحب ذلك من تحولات اجتماعية وثقافية عميقة أثرت في حياة الإنسان بأبعادها المختلفة.
وقد ساعد هذا التحول في تطوير أدوات البحث الأنثروبولوجي، واستحداث رؤى نظرية ومنهجية جديدة داخل الحقل الأنثروبولوجي، مع اتساع الاعتماد على التقنيات الحديثة والاستخدام المكثف للبيانات الضخمة بوصفها أدوات تحليلية متقدمة، مما أتاح بناء مقاربات أكثر دقة في دراسة الظواهر الاجتماعية والثقافية. ومن هنا برز ما يُعرف بـ«الأنثروبولوجيا الرقمية»، بوصفها اتجاهًا بحثيًا يهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية والثقافية في الفضاءات الرقمية، وتحليل أنماط تفاعل الإنسان وسلوكه داخل البيئات الرقمية الحديثة.
ويتداخل علم الإنسان، أو الأنثروبولوجيا، بشكل كبير مع مجموعة من العلوم الإنسانية والطبيعية، ومن بينها علم التاريخ، الذي يعتمد عليه علم الأنثروبولوجيا في دراسة الثقافة وتاريخ الثقافات ونشأتها، ويُعد من المرتكزات الأساسية في الدراسات الأنثروبولوجية. أما علم الاجتماع، فيتقاطع مع الأنثروبولوجيا في دراسة الإنسان وتفاعلاته وعلاقاته وبناه الاجتماعية. فعلم الاجتماع، على سبيل المثال، يركز على «الأنا» والمجتمعات المعاصرة، بينما يهتم علم الأنثروبولوجيا بدراسة «الآخر» والمجتمعات التقليدية والسياقات الثقافية المختلفة.
ومع بداية الألفية الثالثة، أدرك علماء الأنثروبولوجيا أهمية إعادة تموضع هذا التخصص في ظل التنافس مع العلوم المجاورة، مثل علم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم النفس، لما لهذه الحقول من إسهام مباشر في فهم السلوك الإنساني والتفاعلات الاجتماعية. ومن هنا برزت أهمية تبني منهج أنثروبولوجي رقمي يعتمد على الإثنوغرافيا الرقمية، ويستفيد من التقنيات الحديثة في دراسة المجتمعات المعاصرة.
برأيكم كمتخصص وخبير، كيف سيتعامل المعهد مع قضايا الهوية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي؟ وما دور الأنثروبولوجيا في تقديم قراءة موضوعية لمخاطر «الاستلاب الثقافي» مقابل «التبادل الثقافي الإيجابي»؟
- ستكون أمام المعهد بعض التحديات، خاصة في هذه المرحلة؛ مرحلة النشأة وتشكُّل الاستراتيجيات، وأرى أن يركز المعهد على المرحلة التي يعيشها المجتمع السعودي حاليًا. فالهوية في المجتمع السعودي تنطلق من الدين والقيم الدينية، في مقابل انفتاح ثقافي، وهذا أمر طبيعي نعيشه اليوم في مجتمع افتراضي مفتوح وإعلام رقمي متسارع.
فالثقافات تهاجر وتسافر عبر الفضاء الافتراضي، حيث أصبحت هناك ثقافة عالمية مشتركة تجمعها التقنية والثورة المعلوماتية، التي أثرت بشكل كبير في التعاملات البشرية عبر الحدود الجغرافية الطبيعية والافتراضية، وأثرت بصورة مباشرة في الأفراد داخل المجتمعات المختلفة. وفي المجتمع السعودي يبدو هذا التأثر أكثر وضوحًا، خاصة أن الشباب يشكلون نسبةً كبيرةً من التركيبة السكانية.
والدراسات الأنثروبولوجية، ممثلةً في المعهد الملكي، لا تستطيع أن تعمل وحدها، بل لا بد من وجود استشعار من بقية المؤسسات البحثية والتعليمية في المجتمع لأهمية البحوث في فهم وتحليل الهوية الثقافية للمجتمع، وترسيخ القيم والحزم القيمية والثقافية من خلال مؤسسات التعليم، وكذلك من خلال إنشاء مؤسسات رديفة تعمل على بناء الوعي الثقافي لدى الشباب والمجتمع بصفة عامة.
أما قضايا «الاستلاب الثقافي»، فأرى أن هذا المفهوم لم يعد مؤثرًا بالشكل السابق؛ لأن لكل مجتمع قوته الثقافية الخاصة. والمجتمع السعودي يمتلك رصيدًا دينيًا وأخلاقيًا وثقافيًا يؤهله لأن يكون شريكًا فاعلًا في الثقافة العالمية، ومؤثرًا فيها بصورة إيجابية.