تقوم نظرية التلقي على إعادة الاعتبار للقارئ بوصفه طرفًا أصيلًا في العملية الأدبية، لا مجرد متلقٍ سلبي أو شاهد خارجي على النص. فجاءت هذه النظرية التي تستمد جذورها من الفلسفة الظاهراتية، لتؤكد أن النص الأدبي لا يكتمل إلا بفعل القراءة، وأن المعنى ليس معطى جاهزًا يقدمه الكاتب، بل هو حصيلة التفاعل بين النص والقارئ. ومن هنا يصبح القارئ شريكًا في بناء الدلالة، وصاحب دور أساسي في الكشف عن المعاني الكامنة داخل النصوص، التي لا تظهر إلا لمن يملك القدرة على التأويل واستنطاق المسكوت عنه.
ومرّت الدراسات النقدية التي اهتمت بالثلاثية: الكاتب، النص، القارئ، بمراحل متعددة. في المرحلة الأولى كان التركيز منصبًا على الكاتب، إذ ساد الاعتقاد بأن فهم النص لا يتحقق إلا عبر دراسة حياة مؤلفه ومجتمعه ومحيطه الثقافي. وبقي الكاتب حاضرًا بقوة في نصه، حتى بدا النص امتدادًا لسيرته أو مرآة لظروفه. ثم جاءت المرحلة الثانية التي انتقل فيها النقد من النص إلى الكاتب، فصار النص وسيلة للبحث عن ذات المؤلف، وعن رؤاه ومواقفه، وكأن النص نافذة تطل على شخصية الكاتب لا أكثر. أما المرحلة الثالثة فشهدت قطيعة مع المؤلف، إذ ظهر اتجاه يدعو إلى عزل النص عزلاً تامًا، والتعامل معه بوصفه بنية مغلقة تبدأ من أول كلمة وتنتهي عند آخر كلمة، ولا شأن لها بما هو خارجها. برزت في المناهج البنيوية التي رأت أن النص كيان مستقل، وأن مهمّة الناقد هي تحليل بنيته الداخلية دون الالتفات إلى نوايا الكاتب أو توقعات القارئ. ولم يدم هذا العزل طويلًا، إذ جاءت المرحلة الرابعة لتعيد الاعتبار للقارئ، ولكن ليس بوصفه قارئًا واقعيًا، بل بوصفه جزءًا من بنية النص نفسه. فالقارئ هنا متجذر في النص، ومتضمن في بنيته، ولا يمكن فصله عنه.
ظهر مفهوم التفاعل بين النص والقارئ، وهو تفاعل جدلي كما يصفه آيزر، يقوم على حركة مستمرة ذات اتجاهين: من القارئ إلى النص ومن النص إلى القارئ. فالنص يمتد في القارئ، والقارئ يمتد في النص، وتحدث الاستجابة شكلًا من أشكال التواصل بينهما. ورغم أن القارئ لا يجيب الكاتب مباشرة، إلا أنه -بحسب باختين في حديثه عن الحوارية- يشعر بأن النص يخاطبه، وأنه مدعو إلى الدخول في اللعبة السردية التي تتعدد فيها قنوات التواصل، وتتشابك الأصوات.
وقد قدّم فولفغانغ آيزر واحدًا من أهم المفاهيم في نظرية التلقي، مفهوم القارئ الضمني، الذي يتجاوز مفاهيم أخرى مثل القارئ الأعلى عند ريفاتير، والقارئ المخبر عند فيشر، والقارئ المقصود عند وولف. فالقارئ الضمني ليس قارئًا واقعيًا، ولا يمكن مطابقته مع أي قارئ موجود في العالم الخارجي، بل هو نموذج متعالٍ يخلقه النص لنفسه. إنه صورة افتراضية للقارئ الذي يفترض النص وجوده، ويحدد له دورًا معينًا ببنيته الداخلية. فالنص -عبر بنيته- يوجّه القارئ نحو طريقة معينة في الفهم، ويضع له مسارًا للتأويل، ويخلق له توقعات، ثم يحقق بعضها ويخيب بعضها الآخر.
ويرى آيزر أن النصوص الأدبية تحتوي دائمًا على فراغات لا يملؤها إلا القارئ. فالتفسير فعل ينفذه القارئ لسدّ هذه الثغرات، وهو ما يجعل القراءة عملية إبداعية لا تقل أهمية عن الكتابة نفسها. وتتمثل مشكلة التفسير في التساؤل عمّا إذا كان النص هو الذي يطلق فعل التأويل، أم أن القارئ يفرض إستراتيجياته الخاصة على النص. لكن آيزر يذهب إلى أن العلاقة بين الطرفين علاقة تكامل، فالنص يضع القواعد، والقارئ يحقق المعنى وفقًا لمخزون تجربته.
ويميز آيزر بين ثلاثة أنماط من القراء: القارئ الحقيقي التاريخي الذي نعرفه من الوثائق، والقارئ الافتراضي الذي يمثل المعرفة الاجتماعية والتاريخية لعصر معين، ثم القارئ الضمني الذي يستنبطه الناقد من داخل النص نفسه. وهذا الأخير هو الأكثر أهمية، لأنه يمثل الدور الذي يحدده النص للقارئ، والدور الذي لا يتحقق إلا أثناء القراءة. فالقارئ الضمني ليس شخصًا تخيليًا يخاطبه المؤلف، ولا قارئًا فعليًا يقرأ النص، بل هو إمكانية مبهمة لا تتحقق إلا في لحظة التلقي.
ويذهب آيزر إلى أن مهمة الناقد ليست شرح النص بوصفه موضوعًا ثابتًا، بل شرح الآثار التي يخلقها النص في القارئ. فالنصوص تتيح سلسلة من القراءات الممكنة، ولا يمكن فهمها إلا عبر التفاعل بين القارئ وبنيتها. ومن هنا يميز آيزر بين القارئ المضمر والقارئ الفعلي؛ فالأول هو الذي يخلقه النص، والثاني هو الذي يقرأ النص في الواقع، وتختلف تجربته باختلاف خلفيته الثقافية والدينية والاجتماعية.
إن القارئ، في ضوء هذه النظرية، لا يكتفي باستقبال النص، بل يحوله إلى تجربة خاصة به، ويعيد تشكيله وفقًا لتوقعاته ومخزونه المعرفي. فالنص يقدم إشارات، والقارئ يملأ الفراغات بينها، ويصوغ ما لم يُصَغ بعد، كما يقول آيزر. وهكذا يصبح العمل الأدبي حركة مستمرة بين النص والقارئ، ولا يتحقق جماله إلا عبر هذا التفاعل الذي يجعل النص حيًا، ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى.
** **
د. نورة بنت عبد الله العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055