يُعد المعلم أحد أهم المتغيرات التربوية المؤثرة في مجال التعليم، إذ يمثل العنصر الفاعل الذي يوجّه العملية التعليمية ويحدد فاعليتها داخل الصف الدراسي. فنجاح تعلم اللغة لا يعتمد فقط على المتعلم أو المحتوى، بل يرتبط بدرجة كبيرة بكفاءة المعلم، وقدرته على توظيف استراتيجيات تدريس فعّالة تتناسب مع مستوى المتعلمين واحتياجاتهم اللغوية. كما تشمل كفايات المعلم فهمه لأسس اكتساب اللغة.
إن مبدأ التواصل في تصميم منهج لغتي الخالدة يؤكد على أن اكتساب اللغة يتحقق من خلال استخدامها الفعلي في مواقف تواصلية حقيقية، وليس عبر الحفظ المجرد للقواعد أو التراكيب، إلا أن كثرة الدروس اللغوية التي احتوت على الوظائف النحوية، والأصناف والأساليب اللغوية في كل وحدة دراسية، جعلت المعلمين يركزون على تلك الدروس اللغوية، وينسون أهمية التعامل مع النصوص في تنمية مهارات الفهم الذهني للمتعلمين، فالنصوص لا تقرأ بوصفها فقط محتويات لغوية، أو معلومات يجب حفظها، ولا ترتبط فقط بمحتواها المعجمي، أو النحوي، بل بطبيعتها الإدراكية، وتموقعها داخل السياق التعليمي؛ لذلك تبقى النصوص رهينة الوساطة البيداغوجية التي ينهض بها المعلم، وقدرته على توظيف المقاربات اللسانية في تحويل النصوص من مادة قراءة إلى مشروع فكر وتفاعل لغوي داخلي.
إن المقاربة العرفانية تُعيد تشكيل تصورنا لتعليمية القراءة من خلال تجاوزها للنموذج التقليدي الذي يحصر الفعل القرائي في فك الرموز اللغوية، واستظهار المعاني الجاهزة، ففي ضوء هذه المقاربة تُصبح القراءة فعلاً إدراكياً مركباً يُفعِّل فيه المتعلم خبراته السابقة، وقدراته على المحاكاة والتخيل، والتأويل، وتتجلى هذه المقاربة داخل الممارسة الصفية عبر مفاهيم ثلاثة مركزية: مفهوم الجسدنة حيث لا تفهم اللغة باعتبارها نظاماً تجريدياً فقط، بل تُستحضر من خلال تجربة الجسد وحضوره الحسي، مما يجعل الفهم أكثر قرباً وتمثُّلاً، مفهوم الخطاطة إذ تساعد على تنظيم المعاني ضمن أنماط معرفية مألوفة لدى المتعلم، تُيسر عليه بناء الفهم والتوقع والاسترجاع، مفهوم الأفضية الذهنية بما تتيحه من إنشاء فضاءات تخيلية تسمح للمتعلم بالانتقال من الفضاء النصي إلى الفضاء الشخصي، مما يعزز التفاعل والتقمص والانخراط الشعوري في النص، وعليه فإن القراءة من منظور عرفاني ليست عملية ميكانيكية تمارس على نص جامد، بل هي لقاء بين الذات واللغة، وبين النص والخيال، وبين الفهم والتجربة، وهو ما يستدعي من المعلم إعادة النظر في آليات تقديم النصوص، واعتماد أنشطة تُفعل التصورات والتمثيلات، وتوسع دائرة المعنى؛ ليتحول النص من موضوع خارجي إلى تجربة داخلية تُسهم في بناء الوعي المعرفي واللغوي لدى المتعلم.
** **
- محمد بن عثمان الخنين