ربما يعتصر الوجع قلبك حينما تهبُ روحك للناس: فتُضحك من غطت وجهه سحب الرماد فصار كقطع من الليل المظلم لا منار فيه ولا نور، وترسم البسمة على شفتي الحيران مهجور الصحب والخلّان، وتساعد من قصمت ظهره رياح النوازل الصرصر العاتية، وتداري -ما استطعت- مشاعر التائه المتعب من السير والتنقل في كهوف نكبات الحياة المظلمة، وتصلح بين متخاصمين حتى يعود نسيم الحب إلى الهبوب دونما انحراف أو اعوجاج، ويفوح أريج السعد ليغمر قلب الاثنين بالحب والدفء! وتُرشد من ضل عن الدرب، وتأخذ بيده حتى يخرج من أنفاق الظلمات ويبصر النور بمقلتيه، وتبسط كف العطاء بسخاء لمن بخل قلبه عليه وشاخ وهرم من منغصات الحياة وآلامها، سينفد البحر ما نفدت مداد جمائلك! فالسجل ماضٍ يدوّن ويسجّل كل جميلة من صغيرة وكبيرة، ولن يُطوى حتى تُطوى السماء كطي السجل للكتب!
ثم بعد هذا كله إن مس الحزن قلبك لنازلة شغلت كل حيز فيه وضيّقت عليك عيشك، وانقطع صوتك عن المسامع وغبت في غياهب جب مدلهمة -أملًا أن يفتّشوا عنك- توصف حينئذ بأنك قاطع وما عُهد هذا منك، هكذا دون فتح جلسة تحقيق واستجواب لمعرفة السبب الذي دعا إلى ذلك، ومعرفة المعارك الشرسة التي تخوضها داخلك بلا هوادة. إن هذا لهو البلاء المبين، والخطب الجسيم، والشعور المر المرير، والحرقة الحقيقة! تشربت شعورك وأعلم غاية المنى: لو أن باخرة تمخر فوق العباب بصفير محرك يجلجل الآذان، ويردد على مسامع أولئك، وينقش ذلك في قلوبهم نقشًا: «لستُ ملكًا، إن أنا إلا بشر»! لا بأس أخرج ذاك الطفل الذي يسكن داخلك ودعه يصرخ بدلًا منك بأعلى صوته ويخبرهم بذلك، فلن يقّدم ذلك شيئًا ولن يُؤخرًا، ولن يمحو شيئًا ولن يُضيف، ولن يفتح لك القلوب ولن يُغلق إلا قلوب من أنت عزيز عليهم وغالٍ!
** **
- لطيفة السكيت