هل يمكن أن يكون التحرر مجرد وهم مؤقت داخل بنية تعيد إنتاج القهر بأشكال مختلفة؟ هذا السؤال تطرحه رواية «ظل العبيد».
هذه الرواية تمتدّ عبر مساحة زمنية طويلة، من عام 1898 حتى 1962، وهي فترة حافلة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية في منطقة سواحل الخليج. تكمن أهميتها في رصد الأحداث الكبرى كالحروب والأوبئة، وفي قدرتها على تحويل هذه الظروف إلى تجربة إنسانية عميقة تكشف طبيعة المجتمع وبُناه الخفية.
تقدّم الرواية صورة توثيقية للمجتمع الخليجي في مرحلة مضطربة، حيث تتداخل مظاهر الحياة اليومية مع أنظمة اجتماعية قاسية متوارثة، يأتي في مقدمتها نظام الرقيق، وما يرتبط به من أشكال الظلم البنيوي. غير أن هذا التوثيق لا يأتي بوصفه تسجيلًا محايدًا، بل بوصفه مساءلة ضمنية لتلك البنية التي تحكم العلاقات الإنسانية وتعيد إنتاج ذاتها مرات عديدة بأشكال متفاوتة.
يتجلى ذلك بوضوح في المسار السردي الذي تتبعه الرواية عبر ثلاث شخصيات تنتمي إلى ثلاث طبقات زمنية متعاقبة: الأم، الابنة، ثم الحفيد. تبدأ الحكاية بجارية يعتقها سيدها ويتزوجها، في محاولة لخلق حياة مستقرة لها ولابنتها، وكأن الرواية تفتح بابًا للأمل وإمكانية التحرر. غير أن هذا الأمل سرعان ما يتبدد حين تعود الابنة إلى دائرة الاستعباد، إذ كادت أن تُباع هي وطفلها من جديد، في مشهد يعكس هشاشة هذا التحرر وكونه حالة مؤقتة قابلة للانهيار.
في هذا السياق، يكتسب حضور المرأة في الرواية بُعدًا مركّبًا، إذ لا تُقدَّم بوصفها ضحية للعبودية فحسب، بل بوصفها موقعًا تتقاطع فيه أشكال متعددة من الهيمنة. فالمرأة هنا تبدو كأنها الحامل الصامت لأثقال المجتمع وتناقضاته؛ ترث القهر وتورّثه، لا بوصفه قدرًا فرديًا، بل كجزء من بنية اجتماعية راسخة. وكلما حاولت الفكاك من هذا القيد، وجدت نفسها تعود إليه بصيغ أكثر تعقيدًا، وكأن الاستعباد لا ينتهي، بل يتبدّل شكله فقط.
ولا تقتصر هذه العبودية على معناها المباشر المرتبط بتجارة الرقيق، بل تمتد لتشمل وضع المرأة عمومًا؛ فالفارق بين «الحرة» و»المستعبدة» يتلاشى أمام تشابه التجربة القاسية التي تعيشها كلتاهما. وحتى في لحظات القوة الظاهرة، تبقى هذه القوة منقوصة، إذ تظل محكومة بمنظومة هيمنة تتغيّر وجوهها دون أن يتغيّر جوهرها؛ فإن غاب الأب والأخ، حضر الزوج، وإن تراجع الجميع، نهض المجتمع ليؤدي الدور ذاته. في هذا المعنى، يبدو أن كونها امرأة هو المبرر الأوسع لاستمرار هذا القهر، بغض النظر عن الحسب أو النسب أو لون البشرة.
لا يبدو فعل العتق الذي تناله الأم في بداية الرواية تحررًا مكتملًا، بقدر ما هو انتقال هش من شكل من أشكال التبعية إلى شكل آخر. فالزواج من السيد، رغم ما يحمله من إمكانات الاستقرار، لا يُلغي الفارق البنيوي الذي ظل يحكم العلاقة، بل يعيد إنتاجه في صورة أكثر قبولًا اجتماعيًا. لذلك، تظل حرية المرأة مشروطة، قابلة للانكسار مع أي اختلال في ميزان القوة، كما يتجلَّى بوضوح في مصير الابنة.
تكشف الرواية بعمق كيف أن المرأة، بخلاف الرجل في السياق ذاته، لا تملك حتى هامشًا نسبيًا للمناورة داخل بنية الاستعباد. فحين تُهدد الابنة بالبيع، يكون تعبيرًا عن موقعها الهش، حيث يُعاد تعريفها بوصفها قيمة تبادلية. ويتضاعف هذا القهر حين تصبح الأمومة التي يفترض أن تمنحها حماية رمزية غير كافية لحمايتها أو حماية طفلها من منطق السوق.
المشكلة كما يطرحها النص، لا تكمن في الأفراد بقدر ما تكمن في النظام الاجتماعي الذي يُفرغ مفاهيم مثل الحرية والتحرر من معناها الحقيقي، ويجعلها عرضة للانكسار في أي لحظة. وهكذا، تتحول الحكاية من قصة فردية إلى نموذج يعكس بنية أوسع، حيث يتوارث القهر كما تُورث الأسماء.
وتأتي نهاية الرواية مفتوحة على لحظة وعي، لكنها لا تمنح هذا الوعي طابع الخلاص. فالإدراك هنا يبدو أقرب إلى كشف البنية منه إلى القدرة على تفكيكها، وكأن النص يضع القارئ أمام سؤال معلّق: هل يكفي أن نعي آليات القهر لكي نتحرر منها؟ أم أن هذا الوعي ليس سوى بداية طريق أطول، يتطلب إعادة نظر جذرية في الأسس التي يقوم عليها المجتمع نفسه؟
** **
دلال خضر الخالدي - ماجستير في الأدب المسرحي