الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
ارتبط اسم الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي بالكتاب والنشر والعمل الثقافي على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وأسهم من خلال تأسيس «دار المفردات للنشر والتوزيع» في خدمة الحركة الثقافية السعودية ودعم المؤلفين وإثراء المكتبة الوطنية بالعديد من الإصدارات المتنوعة.
ولئن قيل قديمًا: «وكلُّ فتاةٍ بأبيها مُعجبة»، فإن معالي الدكتورة حنان بنت عبدالرحيم الأحمدي، مساعد رئيس مجلس الشورى، تُبدي في هذا اللقاء اعتزازها بوالدها المثقف والناشر، مستحضرةً جانبًا من سيرته الإنسانية والتربوية، وأثره في تشكيل شخصيتها العلمية والعملية، والقيم التي غرسها في أسرته، إلى جانب رؤيتها للإرث الثقافي والمعرفي الذي تركه، ولا تزال آثاره ممتدة في حياة أبنائه وبناته حتى اليوم.
القيم والمبادئ
كيف أسهم والدكِ في بناء شخصيتكِ العلمية والعملية، وما أبرز القيم والمبادئ التي ورثتِها عنه وما زالت ترافقكِ حتى اليوم؟
والدي، حفظه الله، مدرسةٌ ما زلت أتعلم منها كل يوم. لم يكن يعلّمنا بالقَول بقدر ما كان يعلّمنا بالفعل والقدوة، فترسخت في نفوسنا قيم أصبحت جزءًا من شخصياتنا ومسيرتنا. منه تعلمت أن الإخلاص في العمل قيمة أخلاقية قبل أن يكون واجبًا مهنيًا، وأن التواضع يرفع الإنسان أكثر مما ترفعه المناصب والألقاب. وقد غرس فينا احترام الناس على اختلاف مشاربهم، والحرص على مشاعرهم، والإيمان بأن الأثر الطيب في القلوب أعظم من أي إنجاز. كما علّمنا أن التسامح قوة، وأن الحفاظ على الأخوة وصلة الرحم والعلاقات الصادقة يستحق الكثير من التنازل والتغاضي. وتعلمت منه أن المظاهر زائلة، وأن السعادة الحقيقية تكمن في البساطة والرضا. ولعل من أعظم ما ورّثنا إياه الاعتزاز بالجذور والهوية والانتماء، والإيمان بأن الإنسان كلما ارتفع علمًا ومكانةً ازداد تمسكًا بهويته وقيمه وانتمائه الوطني. ولذلك فإن كثيرًا مما تحقق في حياتي العلمية والعملية يعود، بعد فضل الله، إلى تلك المبادئ التي غرسها فينا وما زالت ترشدنا حتى اليوم.
القراءة والمعارف العامة
إلى أي مدى كان لوالدكِ أثر في ترسيخ علاقتكِ بالكتاب والثقافة؟ وكيف تنظرين إلى تجربة دار المفردات ومكانتها في مسيرة النشر الثقافي السعودي؟
بالتأكيد، فقد كان لوالدي، حفظه الله، الأثر الأكبر في علاقتي بالكتاب والمعرفة. فمنذ طفولتي المبكرة حرص على أن يكون الكتاب جزءًا أصيلًا من حياتنا، وقد تعلمت القراءة والكتابة على يديه في سن مبكرة جدًا. ولم يكن يشجعنا على القراءة فحسب، بل كان يدفعنا إلى التأمل فيما نقرأ ومناقشة الأفكار والمعاني، حتى أدركت مبكرًا أن القراءة ليست مجرد اكتساب للمعرفة، بل وسيلة لفهم الإنسان والحياة.
لذلك ظل الكتاب رفيقًا دائمًا لي منذ الطفولة، وكنت أقضي ساعات طويلة بين الروايات والكتب المترجمة. كما كانت الكتب أجمل الهدايا التي يهديني إياها والدي في مختلف المناسبات، وهي هدايا حملت قيمة معنوية خاصة وعكست إيمانه العميق بأن المعرفة من أثمن ما يمكن أن نهديه لمن نحب. ورغم تغير المراحل وتعدد المسؤوليات، بقي شغف القراءة حاضرًا في حياتي حتى اليوم.
أما «دار المفردات»، فهي بالنسبة لي أكثر من دار نشر؛ فهي تجسيد عملي لإيمان والدي بالكتاب ودوره الحضاري. ولذلك أعتز بها كثيرًا، وأرى فيها واحدة من المبادرات الثقافية الرائدة التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي السعودي ودعم حركة النشر والكتّاب والأدباء على مدى عقود. ورغم أنني لا أتابع أعمال الدار وإصداراتها بصورة مباشرة ومنتظمة، فإنني كنت أحرص في سنوات سابقة على زيارة جناحها في معارض الكتاب والاطلاع على بعض إصداراتها كلما سنحت الفرصة. وأعتقد أن قصة تأسيس دار المفردات تستحق أن تُروى وأن تُوثَّق؛ لأنها ليست قصة مشروع تجاري، بل قصة شغف آمن بقيمة الكتاب في زمن تتغير فيه الوسائل وتتسارع فيه الاهتمامات. وهي تجربة تثبت أن المبادرات الفردية حين تقوم على رؤية واضحة وإيمان عميق بالثقافة والمعرفة يمكن أن تصنع أثرًا يتجاوز عمر الأفراد، ويمتد ليصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع.
الإرث الثقافي والمعرفي
والدك شخصية ثرية بعطائها الفكري والثقافي، فلو أردنا أن نستكشف معك الإرث الذي غرسه في أبنائه وأسرته، فكيف تصفين هذا الإرث، وما أبرز انعكاساته في حياتك اليوم؟
لو طُلب مني تلخيص الإرث الفكري والثقافي الذي تركه والدي -حفظه الله-، فإنني أصفه بأنه إرث قائم على الإيمان العميق بقيمة المعرفة ودورها في بناء الإنسان قبل بناء الإنجاز. فقد علّمنا أن الثقافة ليست ترفًا، بل أسلوب حياة يوسّع الأفق، ويهذّب الفكر، ويعزز القدرة على فهم الآخرين والتفاعل معهم بوعي واحترام. كما غرس والدي فينا الالتزام بالأخلاق في القول والعمل، واحترام الإنسان أيًّا كان موقعه، ولم يكن هذا الإرث نظريًا أو مرتبطًا بالقراءة والتعلم فقط، بل كان حاضرًا في طريقة تفكيرنا، وفي أسلوب تعاملنا مع الحياة، وفي قناعتنا بأن الأثر الحقيقي للإنسان يُقاس بما يتركه من قيم ومعرفة وخير في نفوس الآخرين.
المسيرة العلمية والإنجازات
معالي الدكتورة حنان، مسيرتك العلمية والعملية تزخر بالمحطات والإنجازات، فأيّ تلك المحطات كان لوالدك فيها أثر واضح في مسيرتك أكثر من غيرها؟
المحطات كثيرة ومتنوعة، وفي جميعها كان لوالدي بصمة واضحة وحضور بارز. فمنذ نعومة أظفاري كنت رفيقته في مكتبه، وبين أصدقائه ومعارفه، وفي رحلاته إلى البر والجبال والبساتين، وحتى في بعض المحافل الرسمية. وبحكم طبيعة عمله في التنمية الاجتماعية، كان يصطحبني معه في كثير من المناسبات والأنشطة الصيفية والرياضية والثقافية، فتعلمت من تلك التجارب الكثير، وما زلت أحتفظ برصيدٍ عزيز من الذكريات والمغامرات التي أثرت طفولتي، وأشبعت فضولي، وعززت في داخلي حب الاستكشاف والتعلّم.
ومع دخولي المدرسة، كان لوالدي دور بارز في متابعة مسيرتي الدراسية، وكان حازماً في توجيهاته ومتابعته، حريصاً على ترسيخ قيم الانضباط والجدية وتحمل المسؤولية.
ومن رسائله التي طبعت في وجداني تلك التي تضمنتها قصيدته «مناجاة ابنة في ليلة زفافها» ، والتي نظمها في أحد أهم المحطات في حياتي، عند زواجي، وعشية سفري مع زوجي للولايات المتحده للدراسة ، والتي قال فيها :
فارحلي واستلهمي درب الهدى..
حرة مدت الى العليا العنان
واذكري المعنى الذي في خاطري..
حين اسميتك في الحب «حنان»
وكذلك الابيات التي صبحني بها في يوم ميلادي قبل عدة سنوات والتي قال فيها:
فاستقبلي العمر المديد ببسمة...
وترنمي في موكب الافلاك...
فالله يحفظ من يجود بعزمه...
ما دام في نهج العلا مسعاك
حيث يبقى الحب والفخر والتوجيه الدائم بالسعي نحو العلا هو جوهر رعايته لنا بنات وأبناء. واستمر تأثيره في مختلف مراحل مسيرتي المهنية؛ إذ ظل المرجع والسند الذي ألجأ إليه للمشورة وتبادل الرأي، وكان دائم الاهتمام بمتابعة نشاطاتي، موجهاً وداعماً، يمدني بثقته وخبرته في كل مرحلة. لذلك يصعب عليّ أن أحدد محطة بعينها كان أثره فيها أكبر من غيرها، لأن حضوره كان ممتداً ومؤثراً في جميع محطات حياتي العلمية.
ذكريات الطفولة
كيف تصفين لنا ملامح شخصية والدكم الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي بعيدًا عن صورته المعروفة في الوسط الثقافي؟ وما الذكريات الأولى التي ما زالت راسخة في ذهنكم عن طفولتكِ معه؟
بعيدًا عن صورته المعروفة في الوسط الثقافي والأدبي، يعرف والدي بين أصدقائه وأقاربه بأنه إنسان ودود، لطيف المعشر، كريم النفس، يجذب الناس بتواضعه وبساطته وابتعاده عن التكلف. وقد ظلّ على الدوام ملاذًا للقريب والبعيد، يلجأ إليه الناس طلبًا للمشورة أو العون، لما عُرف عنه من رحابة صدر وحسن استماع وصدق اهتمام بالآخرين.
وفي محيط الأسرة، كان أبًا قريبًا من أبنائه وبناته، يتمتع بروح مرحة وحضور محبب يضفي على المنزل أجواءً من الألفة والدفء. إلا أن هذه الروح الودودة كانت تقترن بشخصية حازمة حين يتعلق الأمر بالتربية والتعليم. فمنذ سنواتنا الأولى، غرس فينا قيمة الانضباط والالتزام، وكان ينظر إلى التحصيل العلمي بوصفه مسؤولية أساسية لا تقبل التهاون. لم يكن الغياب عن المدرسة أمرًا واردًا إلا لظروف استثنائية، وكان أكثر ما نخشاه هو خيبة أمله أو غضبه إذا قصّر أحدنا في دراسته أو تراجعت نتائجه الأكاديمية. وكانت وسائل التأديب التي يلجأ إليها تربوية بالدرجة الأولى، تتمثل في الحرمان المؤقت من بعض الامتيازات أو الأنشطة التي نحبها.
ومن أبرز الجوانب التي تركت أثرًا عميقًا في تكوين شخصياتنا، أنه رغم نشأته في بيئة تقليدية محافظة، امتلك فكرًا مستنيرًا ونظرة متقدمة تجاه دور المرأة وتعليمها وتمكينها. فلم يميز يومًا بين أبنائه وبناته في فرص التعلم أو تشجيع الطموح، بل كان يؤمن بأن لكل فرد شخصيته الفريدة ومواهبه الخاصة التي تستحق الرعاية والدعم. وقد انعكس هذا الإيمان على أسلوب تعامله معنا؛ إذ منحنا الثقة والحرية اللازمة لاكتشاف قدراتنا وتحقيق تطلعاتنا. وبفضل هذا النهج، نشأت أنا وشقيقاتي ونحن لا نشعر بوجود حواجز تحد من طموحاتنا أو تقلل من فرصنا مقارنة بإخوتنا الذكور. بل على العكس، تربينا على قناعة راسخة بأن الاجتهاد والكفاءة هما المعياران الحقيقيان للنجاح. وقد أسهم ذلك في بناء ثقة عالية بالنفس، انعكست إيجابًا على مساراتنا العلمية والمهنية والاجتماعية، وشكلت أحد أهم ملامح الإرث التربوي الذي نعتز بأن والدنا غرسه فينا.
وقد انعكس هذا الإيمان على أسلوب تعامله معنا؛ إذ منحنا الثقة والحرية اللازمة لاكتشاف قدراتنا وتحقيق تطلعاتنا. وبفضل هذا النهج، نشأت أنا وشقيقاتي ونحن لا نشعر بوجود حواجز تحد من طموحاتنا أو تقلل من فرصنا مقارنة بإخوتنا الذكور. بل على العكس، تربينا على قناعة راسخة بأن الاجتهاد والكفاءة هما المعياران الحقيقيان للنجاح. وقد أسهم ذلك في بناء ثقة عالية بالنفس، انعكست إيجابًا على مساراتنا العلمية والمهنية والاجتماعية، وشكلت أحد أهم ملامح الإرث التربوي الذي نعتز بأن والدنا غرسه فينا.
** **
@ali_s_alq