تؤكد الدراسات الحديثة في العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية حقيقةً مهمة، وهي أن الانتماء الوطني عملية بناء متدرّجة ومرنة، وليس مجرد حالة وجدانية جامدة. فالإنسان لا يولد وهو يحمل تصورًا كاملًا عن وطنه أو هويته التي ينتمي إليها، بل تتشكل هذه التصورات عبر الأسرة والتعليم والمجتمع والقصص والرموز والتجارب الجمعية. ولذلك، فإن تعزيز الوعي الوطني لا يمكن أن يتحقق عبر التلقين المباشر، وإنما من خلال شعور الفرد بأنه جزء من سردية وطنية كبرى تمنحه المعنى والدور والانتماء.
في كتابه Nation Branding يشرح Keith Dinnie، أحد أبرز المتخصصين عالميًا في مجال العلامة المكانية وصناعة الصورة الذهنية للمدن والمناطق والدول، فكرة «صناعة العلامة الوطنية» كعملية تتجاوز الشعارات والحملات الإعلامية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للدولة، تنبع من تاريخها وقيمها وثقافتها وسلوك مؤسساتها وأفرادها. وكيف تتعامل الحكومات الحديثة مع سمعتها الوطنية باعتبارها رأس مال استراتيجيا، إذ تؤثر صورة الدولة في قدرتها على جذب الاستثمار والسياحة والكفاءات، فضلًا عن تأثيرها الثقافي ومكانتها السياسية، وكيف ينعكس كل هذا على الانتماء والمواطنة.
لا تُختزل «العلامة الوطنية» في الخطاب الرسمي، بل تتشكل عبر التجربة اليومية، وتُغرس من خلال المناهج التعليمية، وتُستشعر عبر الفنون والمنتجات الثقافية والرموز الجمعية؛ وهي جميعها عمليات (منتظمة) يتعرض لها الإنسان منذ طفولته. لهذا تتنافس دول العالم اليوم في صناعة صورتها الذهنية ومكانتها الرمزية، سواء لدى شعوبها أو أمام المجتمع الدولي، بوسائل ممنهجة. وأصبح الوعي «بصناعة» الهوية الوطنية جزءًا من مشاريع ثقافية ومعرفية طويلة المدى لدى كثير من دول العالم، تتداخل فيها القطاعات الأساسية، كالتعليم والإعلام والثقافة والتواصل الدولي.
** **
د.فادية بنت عبدالله الشهري - باحثة مستشارة في دراسات ترجمة الهوية والتبادل الثقافي