ما الثورة؟ أهي هتاف يعلو في الميادين ثم يذوب مع أول اختلاف على الغنيمة؟ أهي دبابة تزأر قبيل الفجر فتعلن للشعب أن التاريخ بدأ من فوهتها؟ أهي حزب يخرج من غياهب الجب حاملا مفاتيح الخلاص الأبدية؟ أم هي مشروع طويل يعيد بناء الدولة والإنسان والمعنى؟
والحق أني لا أستخدم الثورة هنا بمفهومها الانقلابي الضيق، ولا بمعناها الحزبي الذي يجعل الوصول إلى الكرسي منتهى التنمية، وإنما بمدلولها الأوسع: القدرة على نقل المجتمع من بنية إلى بنية، من وعي إلى وعي، ومن دولة ممكنة إلى دولة قائمة، بهذا المعنى تكون الثورة اختبارا قاسيا لما يبقى، لا غضبا جميلا ينتهي عند البيان الأول.
في الأدبيات السياسية الحديثة كما عند ثيدا سكوكبول وصموئيل هنتنغتون وحنة آرنت، لا تفهم الثورة كغضب عابر؛ إنها تغير في بنية الدولة وشرعيتها وعلاقة الإنسان بها. تراها سكوكبول تغيرا جذريا في بنى الدولة والطبقات، ويربطها هنتنغتون بتغير سريع في المؤسسات والقيم والقيادة، أما آرنت فتجعلها قريبة من معنى البداية الجديدة وتأسيس الحرية. وبمعنى قريب من روح آرنت لا تستحق الثورة اسمها حين تستبدل السجان وتترك السجن قائما.
غير أنني أجد تعريف عالم الاجتماع الأمريكي جاك غولدستون أقرب إلى فهم المأزق العربي؛ فهو يعرف الثورة بأنها محاولة لتغيير المؤسسات السياسية ومسوغات السلطة السياسية في المجتمع، تصاحبها تعبئة جماهيرية رسمية أو غير رسمية وأفعال غير مؤسسية تضعف السلطات القائمة. تكمن أهمية هذا التعريف أنه لا يكتفي بمشهد السقوط ولا تقره الأصوات العالية ولا يجعل الثورة مجرد تغيير في الواجهة، ولكنه يسأل السؤال الذي يخافه كثير من الثوريين بعد النشوة الأولى: ماذا حدث للمؤسسة؟ ما الذي جرى للشرعية؟ ماذا حدث للإنسان حين عاد إلى بيته واكتشف أن الميدان لا يتحول وحده إلى مدرسة ومخبز ومحكمة؟
من هنا عزيزي القارئ تبدأ نكسة الثورات في العالم العربي، ولا أقول إنها كتلة واحدة؛ فلكل بلد شرطه وجرحه وبنية دولته وجيشه ومجتمعه وتدخلاته الخارجية، ولكنني أتحدث عن النمط المتكرر: إسقاط رأس السلطة دون امتلاك تصور كاف لبناء الشرعية والمؤسسة؛ ففي بعض التجارب خرجت جماهير كثيرة من الاستبداد الصريح، فاستقبلتها أحزاب وتيارات تحمل استبدادها الجديد معها، وتريد من الناس أن ينتقلوا من تسبيح الحاكم الفرد إلى تسبيح الزعيم الخالد والحزب الملهم؛ ذلك الحزب الذي لا يريكم إلا ما أرى، ولا يهديكم إلا سبيل الرشاد الذي يمر من صندوقه، وشعاره، ومجلس قيادته.
وهنا يظهر الجانب الذي يعنيني في الثقافة؛ فالثورة حين تتحول إلى حزب مغلق تنتج مثقفا انتخابيا؛ يفكر بمنطق كسب الصوت لا كسب الحقيقة، وحين تسمع أحدهم يتحدث عن «كسب التعاطف الشعبي» فليس حديثه من باب الرهافة الإنسانية، بل صدى قديم من معركة ذات الصناديق: اكسب الصوت، اكسب الكتلة، اربح الكرسي، اجن اعتراف المعسكر، عندئذ تتحول الثقافة من سؤال معرفي إلى حملة تعبئة وإدارة جمهور، وإلى حراسة الراية لا اختبار الفكرة.
وهذه هي ثقافة الأصوات، بمعنى أنها لا تسأل: هل الفكرة صحيحة؟ بل: من ستجلب؟ وهل تخدم معسكرنا؟ وهل يستفيد الخصم من اعترافنا بالخطأ؟ هنا تنتهي الثقافة وتبدأ الانتخابات النفسية؛ كل مقال منشور كأنه بيان حزبي مؤجل، وكل رأي بمثابة بطاقة اقتراع، وكل اختلاف يعد خيانة للصف.
ولا يعني هذا أن كل انتماء سياسي يقتل المعرفة ولا أن كل مثقف حزبي فاقد للأهلية، ولكن الأمر خطير جد خطير عندما يتحول الانتماء من أداة تنظيم إلى بديل عن التفكير، ومن موقف سياسي إلى جهاز رقابة داخلي، ومن طريق إلى خدمة الإنسان إلى قفص ذهني يقيس الحقيقة بمقدار فائدتها للمعسكر، والعجيب أنه قد تسكن هذه الثقافة حتى من لا يحمل بطاقة حزبية؛ فالحزب ذاته يسمي طريقة في التفكير؛ جمهور ينبغي إرضاؤه وخصم ينبغي إسقاطه وحقيقة تؤجل حتى لا تربك الوحدة الداخلية.
وإذا تجاوزنا صورة الثورة المسرحية ونظرنا إلى أثرها في الدولة والمجتمع والإنسان، سنرى أن المملكة العربية السعودية تقدم نموذجا عربيا يستحق قراءة مختلفة؛ نموذجا يعمل في الأرض والإنسان والمؤسسة والزمن؛ نمط الثورة الهادئة التي تعيد بناء المجال العام؛ فمنذ دخول الملك عبدالعزيز رحمه الله الرياض عام 1902م بدأ مسارا لا يمكن قراءته كغلبة عسكرية عابرة؛ فالذي جرى كان انتقالا من التفرق إلى الدولة، ومن الجغرافيا المتناثرة إلى الوطن، ومن الولاءات المتعددة إلى شرعية جامعة، وبعد ثلاثة عقود من مسيرة التوحيد وبناء الإمكان السياسي أعلنت المملكة العربية السعودية عام 1932م بمثابة بداية المعنى المؤسسي للرحلة.
كانت ثورة الملك عبدالعزيز أفقية ورأسية في وقت واحد؛ أفقية في الجغرافيا، ورأسية في بنية الدولة، أفقية لأنها جمعت البادية والحاضرة، القرية والميناء، الداخل والساحل، السوق والقافلة والمجلس، ورأسية لأنها ذهبت إلى بناء الأمن والإدارة والتعليم والعلاقة الجديدة بين الإنسان والدولة، أي أن الثورة هنا كانت تحويلا للمكان إلى وطن، وللوطن إلى دولة، وللدولة إلى معنى مشترك.
ثم أخذت هذه الثورة صورتها المتدرجة مع الملوك من بعده؛ مع الملك سعود اتسعت الدولة الخدمية والتعليمية، ومع الملك فيصل تعمق الانضباط الإداري والسياسي واتسع التعليم، وفي عهد الملك خالد تحولت الوفرة أو ما يسمى محليا «الطفرة» إلى بنية تنموية ومشروعات كبرى، ومع الملك فهد ترسخت الدولة النظامية بإصدار النظام الأساسي للحكم عام 1992م، ومع الملك عبدالله اتسع أفق المعرفة عبر الابتعاث والتعليم العالي وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية؛ فصار الانفتاح على العالم امتلاكا لأدواته لا انبهارا عابرا به.
ثم جاء الملك سلمان في لحظة كان العالم فيها يتغير بسرعة مخيفة فكان سؤال الدولة الأكبر: كيف نحفظ الجذور ونسبق الزمن؟ فانطلقت رؤية 2030 بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كامتحان يومي للمؤسسة والمجتمع: أتستطيع الدولة مغادرة منطقة الاعتماد الطويل على مورد واحد؟ أيستطيع المجتمع الانتقال من انتظار الفرصة إلى صناعتها؟ أتستطيع الثقافة الخروج من هامش الاحتفال إلى مركز الإنتاج؟
أما الأمير محمد بن سلمان فثورته نقلت السؤال من: ماذا نملك؟ إلى: ماذا نستطيع أن نصنع؟ من اقتصاد ينتظر دورة النفط إلى صناعة الفرص، ومن إدارة الحاضر إلى هندسة المستقبل. لذلك ظهرت الرؤية في إعادة تعريف قطاعات كاملة: السياحة، والثقافة، وجودة الحياة، وكفاءة الحكومة، وتنويع مصادر الدخل، وصناعة صورة جديدة للمواطن؛ لا يقف عند باب الدولة منتظرا، وإنما يدخل شريكا في العمل والمسؤولية، وليست قيمة الرؤية في إعلان الطموح - فالإعلانات سهلة - ولكن في تحويل الطموح إلى مؤشرات وبرامج ومساءلة مستمرة.
هذه هي المفارقة التي لا يريد أسرى المعسكرات رؤيتها: ليست كل ثورة صرخة، وليست كل صرخة ثورة؛ فقد تقوم دولة هادئة، تبني مؤسسة وتفتح جامعة وتؤسس نظاما وتبتعث أبناءها وتعيد تشكيل اقتصادها وتغير علاقة الإنسان بالعمل والمدينة والثقافة والإدارة فتكون أكثر ثورية من ألف خطبة مات أصحابها عند عتبة الكرسي.
الثورة الحقيقية ليست كتيبة مدفعية، ولا فرقة صاعقة، ولا بيانا أول يحلف فيه باسم الشعب قبل أن يستيقظ الشعب؛ الثورة الحقيقية أن يصبح الشعب نفسه ثوريا في وعيه: يتعلم، ويعمل، ويسأل، ويتجاوز السؤال إلى سؤال أعمق. وهنا يتجلى المنظر الثوري في صورته الأعمق: قيادة تعرف أين تمضي، وشعب يسير معها شريكا في المعنى والعمل والمصير، فالثورات التي تفصل القيادة عن شعبها تصنع صراعا، أما التي تلحم الشعب بقيادته فتصنع دولة. ثورتنا مؤسساتية؛ لا تصرخ كي تثبت وجودها، ولكن تصنع أثرها، وتبحث عن جدارتها بالمستقبل، وتريد عقلا يختبر الفكرة ويهدم الوهم ويبني المعنى.
** **
أسامة بن يحيى الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر