أكتب قصصي القصيرة على فترات مُتقطّعة، وفي ليلة غير بعيدة، أمضيت الساعات، ودخّنت السجائر المتتابعة، حتى جمعتها كلها، قصة في الحاسوب، وقصتان في البريد الإلكتروني، وثلاث قصص في ذاكرة قديمة، وسبع قصص في ذاكرة خارجية بالكاد تذكرت أين وضعتها، وحين اكتملت القصص، رسمت لها تنظيماً لا بأس به، مُبتدئا بالأجود فالأقل جودة، ووزعتها على قسمين مفهرسين.
في الصباح، اطلعتُ على صحيفة يوميّة لا أحترمها كثيراً، وقرأت في الصفحة الـمعنية بالثقافة تقريراً طويلاً عن انحدار مستوى بيع وتوزيع المجموعات القصصية الجديدة، والتي تخنق المكتبات والمعارض، فعزمت على اختيار عنوان صارخ، لا يهم إن أغضب السياسيين أو الإعلاميين.
كتبت أربعة عناوين لمجموعتي، واخترت أحدها بالقرعة، نعم بالقرعة، لا بالذوق ولا بالجماليات الأدبية، فشعرت أن هذا العنوان وما تحته من قصص سينقلب علي نحساً يُلازمني.
في الصباح التالي، قررت عرضها على بعض الناشرين، وقبل خروجي التفت في المرآة، وهالني حجم الهالات الرمادية تحت عينيّ، فقلت في نفسي:
- امضِ فيما عزمت عليه.
وأثناء تنقلي من مكتب ناشر إلى مكتب ناشر آخر، كانت الأعذار تتوالى، فقد اعتذر الناشر الأول بحجة أن خطة النشر لديه قد اكتملت لهذا العام، ولا يفّكر في إضافة كتاب جديد إلى الخطة.
غادرته إلى الناشر الثاني الذي قال بلهجة فيها ازدراء مكشوف:
- قصص قصيرة!
أطفأ سيكارته في منفضة زجاجية أمامه، واعتذر بطريقة تدّعي اللباقة:
- موضوعات قصصك مثيرة، إلا أن حركة سوق الكتاب هذا العام لا تُبشر بشيء لكُتّاب القصص القصيرة.
سارعت في سؤاله:
- هل أفهم من كلامك أنك لن تنشر مجموعتي؟ أو على الأقل أن تعرضها على لجنة النشر؟
شعرت أنه يحاول أن يُرتب كلامه، بعد أن صمت فجأة، ثم نظر في وجهي طويلاً، وقال بصوتٍ غير مُهتم:
- لن أجازف بنشر القصص القصيرة.
مطّ شفتيه، وأشار بيده اليمنى:
- ابحث عن ناشر آخر.
غادرته دون أن أُلقي عليه أي تحية، وفور هبوطي من السلّم، قفز صوته إلى سمعي مُهاتفاً أحدهم:
- السُّلُطات خلقت لنا حواجز كثيرة.
واستدرك:
- والثقافة خلقت لنا عاهات عنيدة.
** **
- ماجد سليمان