خلق الله الإنسان في أحسن صورة وهيأ له جميع الظروف ليقيم حياته ويشبع حاجاته، وقد ذكر علماء الاجتماع أن الإنسان كائن اجتماعي؛ فهو محتاج لأن يعيش ضمن جماعة؛ فهو إنسان بجماعته ومن يتشارك معهم مشاغل الحياة ومنطقها، وتوحد الإنسان وانعزاله مخل بطبيعته وأحواله، فما أن يبتعد الإنسان عن الانخراط بفعالية ضمن مجموعة حتى يتسلل الخلل والاضطراب في نظامه وتصيبه علل النفس وأعراضها، ولأجل هذا امتلأت حياة الإنسان وتاريخه بهذه التشكلات الاجتماعية وأصبحت شكلا أساسيا ووجوديا في هويته، وقد تنوعت مرجعيات هذه الجماعات؛ فهناك الجماعات التي تشبع عنده غريزة الوجود مثل الأسرة وهناك الجماعات التي تحقق له غريزة الأمن مثل القبيلة وهناك تشكلات اجتماعية أخرى لدواع مختلفة دوافعها ثقافية أو اقتصادية أو أمنية، لكن المبالغة في الانخراط في هذه الأشكال يؤثر على هوية الإنسان نفسه، ويصنع وجودا مختلفا ومنطقا مغايرا، وهو أمر جدير بالانتباه. فعندما يتحول الإنسان إلى مجرد جزء صغير في آلة ضخمة أو عنصر هامشي غير مؤثر في كيان كبير، يفقد السيطرة على أفعاله وقراراته وينتقل من منطق عقلاني فردي له مسبباته وحاجاته إلى منطق جماعي له أهداف مختلفة ومنطق مختلف، وهذه الحالة الأخرى هي الكائن الجمعي، فهو كائن له منطق مختلف عن الفرد وسلوك مغاير، وقد يضطرب فهم الإنسان في التنقل بين هذين المنطقين، بل إن هناك خطابات وقرارات تبنى على رؤية مشوشة لا تستطيع التمييز بين الفردي والجمعي وهنا تقع الأخطاء.
فالإنسان مثلا يتخذ قراراته بناء على قناعاته وهو مسؤول عنها مسؤولية أخلاقية وقانونية لكنه يفقد جزءا من هذه الحرية عندما يكون فردا في أسرته؛ لتصبح الأسرة كيانا لها منطق جمعي وهيئة اعتبارية خاصة، وإذا انخرط هذا الفرد في جماعات أكبر مثل جماهير فريق رياضي معين أو تيار ثقافي أو طبقة استهلاكية لمنتج أو سلعة معينة فإنه يفقد حريته بالكامل ويتحول إلى مجرد مسمار صغير من آلة كبيرة تتحرك بطريقة مختلفة وتظهر سلوكا يستند إلى منطق مغاير، ولنضرب على ذلك بمثال مشجع كرة القدم؛ فإنه يتحول إلى جزء صغير في كائن يمثل الجمهور فهو يتحرك مثلهم ويفعل فعلهم حتى لو جهل أسباب هذا السلوك، أنه يفقد حريته وقراره ليبرز عقلا جماعيا يحركه ويسيطر على إرادته، ولو طلبت تفسيرا معقولا لسلوكه لما غنمت منه بإجابة أو قد يقول: «الموت مع الجماعة رحمة». وهذا ما يفسر سلوك الجماهير ومنطق القطيع في الثورات والمظاهرات والحفلات الجماعية والفعاليات الجماهيرية؛ فقد يستجيبون لخطبة خطيب أو يطربون لأغنية مغن أو يضحكون لأداء ممثل هزلي أو يحطمون زجاج المحال أو يمجدون أديبا أو يرفعون من شأن فيلم أو رواية يفعلون ذلك كله بمنطق الكائن الجمعي، ولو حكموا على كل ذلك أفرادا لاختلفت أحكامهم ولتباينت أذواقهم وآراءهم، ولعل هذا هو التفسير المنطقي لسيادة الموضات والحركات الأدبية والتيارات الثقافية وسيادة نمط من العادات والتقاليد، فالإنسان يذوب في موجة جماعية يفقد فيها إحساسه الفردي ويتحول إلى متبوع مسلوب الإرادة.
إن هذا الكائن يتحرك وفق منطق طفولي وكلما زاد حجم الجماهير التي تمثله أنشد نحو منطق بسيط واضح، فخداعه سهل وتحريكه وحمله على تبني قضايا قد لا يكون صعبا شديد التعقيد، ومن خصائصه أيضا أنه عاطفي يتأثر سريعا وهذا مدخل يستغله الخطباء ويعرفه المؤثرون والمشاهير الذين يتقنون مخاطبة الجماهير واستمالة عواطفهم فحتى العواطف المصطنعة تحدث فرقا وتأثيرا في إقناع الناس وتبديل آرائهم، والأمثلة كثيرة في الحملات الإعلانية وما يفعله المشاهير في المنصات الاجتماعية.
وقد تخصصت عدة مسارات علمية في دراسة هذا الكائن والبحث عن الطرق الناجعة في مخاطبته والتأثير عليه؛ نحو علم التسويق والدعاية التجارية وسيكولوجية الجماهير ومراقبة سلوكهم خاصة في الفعاليات الانتخابية وعلم الخطابة وما يتصل بها وهي تتداخل في كل ما سبق.
إن الخلط بين الكائنين الفردي والجمعي وتنزيل الآخر منزلة الأول يحدث تشويشا واضطرابا وسوء فهم، وفي كتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي قصة رجل من الخوارج يريد أن يثبت لمن نصحه بترك تكفير الناس استحقاقهم لهذا الحكم، فقام فيهم وذم الحجاج ودعاهم لذمه فذموه ولعنوه ثم عاد ليستغفر له ويثني على ولايته ويعتذر لأفعاله فاستغفر له الناس ووافقوه!! فالناس في نظره جهلة لا يكادون القرار على رأي واحد وهذا يبرر – بالنسبة له - قتالهم وتكفيرهم.
ومن الاضطراب أيضا تمرير الأحكام بين الطبيعتين؛ فما يجوز لأحدهما لا يجوز للآخر؛ فإن كان الجمهور يقبل قضية ما أو يرفضها أو يتصف بصفة معينة لا يصح نقل الحكم لأفراد هذا المجموع؛ كأن نحكم على جمهور فريق رياضي معين بأنه غير عقلاني أو سريع الغضب فإن هذا يسوغ على المجموع ولا ينقل للفرد الممثل لهذا المجموع.
وهذا مزلق أخلاقي وقانوني انتبه له العقل القانوني باكرا خاصة في الممارسات الاقتصادية المنضبطة فقد سبقوا الناس في فصل الصفة الاعتبارية للكيانات والشركات والهيئات والأشكال الجماعية عن الصفة الاعتبارية للفرد، وقد دارت نقاشات معمقة حول المسؤولية الأخلاقية وهل يجوز تمريرها بين الكائنين الجمعي والفردي، فمثلا هل يجوز أن نتهم كل فرد في الاستخبارات الأمريكية بالكذب لأن جهاز الاستخبارات كذب بشأن أسلحة العراق، وهل يجوز أن نجرم الأفراد أخلاقيا؟ وهو مثال استعرته من كتاب (ابستمولوجيا الجماعات)، إن الإجابات ما زالت عزيزة قليلة في هذه المساحات. وقريب منه تلك النقاشات النقدية بشأن الذائقة الأدبية المتصلة بالكائن الجمعي؛ فالعقل الذي يستحسن ويخلد الأعمال الأدبية ويفاضل بينها هو عقل جمعي له منطقه وأسبابه المختلفة عن منطق الفرد وذائقته وهو مجال واعد للمراقبة والفحص.
** **
- د. عادل بن علي الغامدي