حكوا في الطبقات أن أبا مسلم مؤدب عبدالملك بن مروان كان يجلس إلى معاذ بن مسلم الهراء النحوي، وكان قد نظر في النحو، فلما أحدث علماء العربية التصريف لم يفهمه فاستوحش منه وأنكره ثم ثار على النحاة وهجاهم. وذكروا مِن خبَرِه أنه سمع مرة معاذا الهراء يناظر رجلا في التصريف، فقال له معاذ: كيف تقول مِن: «تَؤزّهم أزّا»: يا فاعلُ افْعَلْ؟ فسمع أبو مسلم كلاما لم يعرفه فقام عنهم وقال:
قد كان أخْذُهمُ في النحو يعجبني
حتى تعاطَوا كلام الزَّنج والرومِ
لمّا سمعتُ كلاما لست أفهمهُ
كأنه زجَل الغربان والبومِ
تركتُ نحوهمُ والله يعصمني
من التقحّم في تلك الجراثيمِ
[جواب مسألة معاذ: يا آزُّ أُزّ، بفتح زاي الأمر أو كسرها أو ضمها]
إن موقف ابن مضاء من النحو والنحاة جعلني أستحضر موقف أبي مسلم منهما لاستخراج أوجه الشبه؛ فأبو مسلم ظن أن صنعته الاجتماعية -وهي التأديب أو التعليم- كفيلة بأنْ تُملّكه زمام المعرفة وأن مجرد «التزيّي» بالجلوس إلى أهل المعرفة المعانين لمشكلاتها يَنْظِمه في سلكهم فيصبح واحدا منهم حتى لو لم تكن المعرفة قضيته، وحتى لو لم يمارس ما يمارسونه من التفكير والبحث في مشكلاتها ومسائلها. وابن مضاء ظن أن فكره الظاهري الذي سطّح به واقعَه وحاول أن يمحو به مستويات الفروق الطبيعية كفيل بأن يبسّط للناس مشكلة النحو الذي لم ينسجم عمقُه النظري مع مذهبه الظاهري، وظن أن الناس كلهم مثله بحاجة إلى تسطيح اللغة لتصبح ملكا للجميع، ويصبح الجميع متساوين في امتلاكها وفهمها، حينما يُلغَى منها ما تتفاوت الأنظار بسببه من تفاوت طبقاتها ظاهرا وباطنا، ووضوحا وخفاء، وأصلا وفرعا...، وكأنّ الظاهرية اللغوية انطوت إذْ ذاك على ثورة اشتراكية من نوع خاص قام بها أولئك الأطرافيُّون الحاقدون على ما تصوروه «امتيازات طبقية» للمركز في اللغة والثقافة! وكما أن أبا مسلم أنِف من أن يكون مؤدبُ السلطان محتاجا لسؤال أهل المعرفة وهم ليسوا ممن يُرغَب ويُرهَب فكذلك أنف ابن مضاء الذي كان قاضي القضاة لدى سلطان دولة الموحّدين في المغرب (تلك الدولة التي كانت ثقافتها مناوئة لثقافة المشرقيين)؛ أنف من أن يتابع المشرقيين في أصول ثقافتهم العلمية التي من أهمها: منهج القياس والتعليل والتأويل، كأنفته أيضا هو ودولته الموحدية من متابعة المركز المشرقي في أصول حياته السياسية التي من أهمها الالتفاف حول عَصَبة قومية تكفل الاستقرار والثبات مدة طويلة.
كان انشقاق ابن مضاء على النحو والنحاة يمثل مظهرا من مظاهر ثورة الأطراف على المركز، وأراد بحكم موقعه السياسي في الدولة الثورية الظاهرية (كان قاضيَ القضاة في دولة الموحدين بقيادة يوسف بن عبدالمؤمن المتعصب للظاهرية) أن يقوم بعمل فكري يعبر عن ثورية الدولة، ويبدو أنه اختار مجال المعرفة اللغوية بعد أن سبقه ابن حزم بثورته الظاهرية المعروفة في مجال المعرفة الشرعية، فتتم بذلك شمولية الثورة المعرفية على المركز، بما أن العلوم الإسلامية والعربية قائمة على الدين واللسان.
هذه الوجهة الحضارية القومية في تفسير المذهب الظاهري قليلا ما يُلتفت إليها في التاريخ للمذاهب الفكرية؛ في حين أنها في نظري الدافعُ «النفسي الثقافي» الخفيُّ خلف الحركة الظاهرية. ومما له دلالة في هذه المسألة عدمُ ثورة ابن حزم (قدوة ابن مضاء) على فقهاء أقصى المشرق ممن يمثّلون أطراف المركز الشرقية؛ كداود بن علي وأبي جعفر الطبري، فهؤلاء يبدو أنه كان ينظر إليهم على أنهم «رفقاء» -تجوّزًا في التعبير- ضد المركز. وبيت ابن حزم عميق الدلالة على هذا التفسير الحضاري للحركة الظاهرية:
أنا الشمسُ في جوّ العلوم منيرةً
ولكنّ عيبي أن مَطْلعيَ الغربُ!
فجدلية «الغرب والشرق» يختصرها هذا البيت ويشير إليها إشارة لطيفة لكنها تخفي في الباطن خصومة حضارية عنيفة.
إذن كان موقف ابن مضاء من نظرية العامل والقياس والتأويل موقفا حضاريا ثقافيا في جوهره وليس موقفا معرفيا خالصا؛ أي ليس نابعا من مشكلة معرفية خالصة؛ فالرجل لم يكن جاهلا بأعراف العلم كما ذهب إليه بعض الكتّاب؛ كيف وقد كان قاضي القضاة؟! وكيف وقد ذكروا في ترجمته أنه قرأ كتاب سيبويه على أستاذه قراءة تَفَهُّم، ودرس وقرأ ما لا يحصى من كتب النحو واللغة والأدب؟! ووصفه ابن الزبير(وهو من كبار علماء عصره) بأنه أحد أفراد العلماء، ووُصف بثقوب الذهن وتوقد الذكاء، وبمعرفته بالطب والحساب والهندسة، فلا يُتصور في شخص بمثل هذه الصفات ضعفٌ في العلم من حيث كونه معلومات ولا من حيث كونه أعرافا وعادات، لكنّ وراء الأكمة ما وراءها!
ولمنزلة الرجل ذكاء وعلما وجّه ناقدوه الرد عليه وجهاتٍ لا تطعن في صفاته العقلية والعلمية الثابتة، كأنْ يُنسب إلى الظلم أو المبالغة في التشنيع أو الغفلة عن مقاصد النحاة في هذا الباب خاصة؛ فقال الشاطبي: «وظلَمهم [أي ظَلَم النحاةَ] عفا الله عنه إذْ لم يعرف ما قصدوه»، وقال ابن خروف: «تأوّل عليهم ما لا يعتقدون»، ووصف ابنُ الأزرق مذهبه بالغفلة.
ولكن إذا نظرنا إلى موقف ابن مضاء مراعين الثابت التاريخي من امتيازه العقلي والمعرفي، ومراعين سياق الصراع الثقافي في تلك المرحلة بين المركز والأطراف والمنطق الذي يحكم هذا الصراع لم يسعنا أن نقتنع بأن المسألة لا تعدو خلافا علميا صرفا كأي خلاف موضوعي يتولد من التفاعل العلمي مع المشكلة ومعطياتها وأدلتها وتطبيقاتها.. إلخ مفاهيم العلم الموضوعي المجرد، وبأن موقفه لا يعدو غفلة عن مقصد النحاة بفكرة العامل، بل الرجل كان - في رأيي - يعرف أن مصطلح «العامل» ليس إلا استعمالا مجازيا للتعبير عن العلاقات العقلية بين عناصر الجملة، كالفاعلية والمفعولية والإضافة.. إلخ، وهي مسلمات عقلية لا يمكن لذي عقل سليم إنكارها، لكنه تجاهل معرفته بهذا المقصد وأوهم البسطاء والمتحمسين من أتباع دولته ممن دُجّنوا بالفكر الظاهري الثوري أن النحاة تقوّلوا على العرب! وكذبوا وجاؤوا بالمحال فيما نسبوه إلى الألفاظ مِن عَمَل بعضها في بعضٍ حقيقةً! ورماهم بالاعتزال والخروج عن السنة ومذهب أهل الحق! هذه مرتكزات لغته النقدية في كتابه «الرد على النحاة»، فنرى فيها اكتمال شروط تحريض العوام المستهدَفين لتعبئتهم بالمادة الفكرية النفسية اللازمة لتشكيل موقف ثوري معين؛ تلك الشروط التي اشتملت على ثلاثة أنواع من التشنيع: التشنيع العقلي (النحاة يأتون بالمحال عقلا وشرعا إذْ يزعمون أن الألفاظ يُحْدِث بعضها بعضا!)، والتشنيع الخُلقي (النحاة يَكْذبون على العرب!)، والتشنيع الديني (النحاة ضالون لانحرافهم عن مذهب أهل الحق وهو السنة والجماعة!). ولكن لابد من ستر هذا المقصد الثوري في كتابه بإلباسه لبوس العلم حتى يبدو كأنه وليد منهج فكري معين ونتاج تفكير حر في مشكلة معرفية خالصة ليست مختلطة بأغراض ثقافية قومية سياسية؛ فكان أن خرج الكتاب مخرج موقفٍ لمفكرٍ ظاهري من القياس والعلل والتأويل، وهكذا استقبله المحللون والنقاد قديما وحديثا غير ناظرين إلى ثورة ابن مضاء خصوصا- وثورة الظاهرية عموما- من وجهةٍ حضارية ثقافية على ضوء جدلية الأطراف والمركز، أو جدلية «الشرق والغرب» التي أشار إليها شعر ابن حزم.
أما استقبال اللغويين المحدثين لموقف ابن مضاء فالحق أنهم أنزلوه منزلة لا يستحقها، لا سيما عند الداعين إلى تيسير النحو، وسوءُ فهمهم لشخصية ابن مضاء ودوافعِ موقفه الخفية من أسباب تعظيمهم له، لكنّ هذا جزء من الحقيقة، والاقتصار على بعض الحقيقة يشوه الحقيقة؛ فالهالة التي شعّت من ابن مضاء في عقول المحدثين كطه حسين وإبراهيم مصطفى وشوقي ضيف وتمام حسان ومحمد عيد وأحمد مكي الأنصاري...إلخ المهووسين بتيسير النحو العربي و»تحريره» مما رأوه عوائق ومشكلات ومعضلات كامنة في بنية النحو لا في تعليمه وتطبيقاته؛ هذه الهالة ليس سببها الأكبر أنهم أساؤوا فهمه؛ بل لو كان لهم خيارٌ آخرُ حسَنٌ في فهمه لاختاروا ذاك الفهم السيء! ذلك بأنه لم يكن مهمًا فهمُ مقصود ابن مضاء ولا إدراك حقيقة موقفه من خلال نظرة ثقافية مقاصدية شاملة، ولا تقييم رأيه تقييما موضوعيا محايدا، لأن الموقف من نظرية العامل كان جاهزا من قبلُ أو شبه جاهز! بسبب التأثر الأعشى بما أشاعته الدراسات الألسنية الغربية من منهج الوصفية الذي كان شعاره المنهجي: الإجابة عن «كيف؟» والإعراض عن «لِماذا؟»، ومن ثمّ بدأ شعور التذمر من النظر العقلي القياسي التعليلي ينتشر في اللسانيين العرب المحدثين الذين كانت عقولهم كأنها سُلبت حتى لم يعودوا قادرين على نقد الأفكار وفهمها فهمًا نسبيًا من خلال اختلافات سياقاتها ثقافيا ومقاصديا، حتى آمنوا إيمانا صلبا لا هوادة فيه أن الوصفية والنظر العقلي عدوان لا يجتمعان!! والطريف أن تمام حسان في الوقت الذي كان يدافع فيه متحمسا عن هذه الفكرة في أواخر الخمسينيات كما في كتابه «اللغة بين الوصفية والمعيارية» كان تشومسكي -الذي ما كان يعرفه تمام وسائر مقلّدي الوصفية العرب آنذاك - ينشط في العودة إلى المنهج العقلي في دراسة اللغة بعد أن هاجمه البنيويون الغربيون واستبعدوا المعنى من دراسة البنية! وحين تعرّف المقلدون على أفكاره في وقت متأخر رجعوا يُعَدّلون- بزعمهم - مناهجهم! وليسوا إلا مقلدين فيما مضى وفيما أتى! كما رجع تمام إلى القول بإدخال العلاقات المعجمية في النحو في كتابه «مقالات في اللغة والأدب» بعد أن رفض ذلك في كتابه «اللغة العربية معناها ومبناها» مصرحًا بأن سبب تراجعه اطلاعه على رأي تشومسكي! وكما رجع في كتابه «الأصول» إلى الثناء على النحو العربي بما فيه من آليات منهجية عقلية كنظرية العامل والقياس والتأويل والأصول والفروعوالتخريج.. إلخ، مقرًا بأنه جهد عقلي من الطراز الأول! والحق أنه لم يتنبه إلى عظمة النحو العربي إلا حينما رأى عودة تشومسكي إلى المنهج العقلي! بل لو رجع تشومسكي بعد عقليته بنيويا خالصا لنكص تمام وراءه ونسي اعترافه وثناءه! فيا للأسف على حال هذه العقول التي لا ترى إلا بعيون مستعارة ونفوس مأخوذة!
إذن كانت نفوس اللسانيين العرب المحدثين متهيئة لإنكار نظرية العامل، إنما كانوا فقط يفكرون في التأصيل التراثي لها (اعتقادا منهم أن مجرد الوجود التراثي للفكرة كاف لأصالتها العصرية! وهذا في ذاته موقف تراثي مرَضيّ يدل على ارتكاس صاحبه في التقليد)، ويتنافسون في تقديم البديل النظري الأنسب كما فعل إبراهيم مصطفى ثم تمام حسان. فلما اطلعوا على موقف ابن مضاء رأوا فيه معتصَما تراثيا يرمون منه خصومهم التقليديين الذين أيضا لم يدرك أكثرهم مِن النحو العربي إلا جدليات المتأخرين في كتب الشروح والحواشي وغاب عنهم «فقه النحو ومقاصده» كما وضعه أهله وكما يعرفه من تمرس بأصوله ككتاب سيبويه وكُتُب ابن جني.
كان مطلوبا لدى هؤلاء أيُّ مرجع تراثي ليجعلوه معتصَما لهم بجانب الأفكار اللسانية الغربية، ليتم لهم تقديم المنتج العربي الجديد بما يرضي الذوق المتسيد للمشهد، ولن يكون هذا الذوق حسب شروط المرحلة الحضارية التي نمر بها إلا «الذوق التلفيقي» الذي يحاول الإنسان المبتلَى به أن يحافظ على توازنه الحضاري بحمايته من التمزق بين الماضي والحاضر، وهذا ما كان في أفضل تجربة لغوية قدمها العقل التلفيقي المعاصر من خلال كتاب «اللغة العربية معناها ومبناها». (عن مرض التلفيقية انظر كتابي: العرف اللغوي نحو منهج مقاصدي في علم اللغة الثقافي).
كما حاولوا أيضا استثمار مرجع تراثي آخر يتمثل في آراء الفرّاء المتفردة التي أضفى عليها طه حسين وإبراهيم مصطفى قيمةً ثوريةً وبريقَ حريةٍ ليجعلوا منه لدى جمهور التلفيقيين المعاصرين رمزا تراثيا ثوريا يُستند إليه بالتلفيق مع العناصر اللسانية الغربية الحديثة. وانبرى أستاذنا أحمد مكي الأنصاري غفر الله له (تلميذ إبراهيم مصطفى) للقيام بوظيفة تجلية هذا المرجع التراثي للمهووسين بتيسير النحو وتنقيته من معضلاته، حتى زعم أن الفراء أول من أنكر نظرية العامل! وهذا خيال جامح لا حقيقة له! مع أن الفراء - كما قلت في المقال السابق - كان أول من نصب راية العبث في النحو العربي.
** **
د. خالد الغامدي - جامعة الطائف