لا يتجلَّى الخداع المالي دائمًا في صورة تهديد صريح أو إنذار مباشر، بل كثيرًا ما يتوارى داخل بنية اللغة ذاتها، حيث تفقد الألفاظ بعدها القيمي وتتحول من وسائط للمعنى إلى آليات للتمويه والتضليل. وفي الفضاء الرقمي، تتسارع وتيرة تداول الرسائل وتتضاعف كثافتها، مما يجعل المتلقي أكثر عرضة للالتباس، لا بسبب قصور في المعرفة، وإنما نتيجة فيضٍ خطابي يُربك الفهم ويعقِّد عملية التمييز والتحليل النقدي.
ويكشف هذا التحول أن الاحتيال المالي المعاصر لم يعد مقصورًا على مكالمات مشبوهة أو رسائل مجهولة المصدر، بل بات يعتمد على خطاب لغوي مخادع يتقمّص مظهر المهنية ويستثمر منسوب الثقة، لتغدو الكلمات، وبنية الجمل، ونبرة الرسالة أدواتٍ موجهة للتأثير في سلوك المتلقي وتطويعه، قبل أن تكون مجرد وسائل لنقل المعلومات.
ومن منظور اللغويات الجنائية، تُستخدم هذه اللغة بشكل ممنهج لإخفاء النيَّة الاحتيالية. فهي لا تهدف بالضرورة إلى نقل معلومات دقيقة، بل إلى توجيه القرار وتقليص مساحة التفكير النقدي للمتلقي، من خلال إستراتيجيات لغويَّة، وتوظيف مصطلحات مالية معقدة، واستغلال الثقة الاجتماعية بالمؤسسات الرسمية أو العلامات التجارية المعروفة. هذه الآليات تعكس استخدامًا متقدمًا للغة كأداة جريمة، حيث يسعى المحتالون إلى خلق شعور بالشرعية والمصداقية، بينما يُخفون الهدف الأساسي المتمثِّل في الاستيلاء على المعلومات أو الأموال.
وتؤكد الأبحاث في اللغويات الجنائية أن اللغة المستخدمة في الاحتيال المالي لا تعمل بشكل عشوائي، بل تعتمد على شبكة مترابطة من الأبعاد المصممة لتوجيه المتلقي وتحقيق أهدافها بدقة، ومن تلك الأبعاد:
البُعد المعرفي: استغلال غياب المعلومات أو ضعف الخبرة لدى المتلقي، من خلال استخدام مصطلحات تقنية أو مالية معقدة توحي بالمصداقية بينما تهدف إلى إرباكه.
البُعد السياقي: صياغة الرسائل بما يتناسب مع الظروف الحالية للمتلقي، مثل رسائل تدعي مشاكل في الحسابات أثناء فترة الرواتب أو عروض استثمارية مرتبطة بأحداث اقتصادية حقيقية.
البُعد الاجتماعي: توظيف اللغة لإيهام المتلقي بتأييد أو مشاركة جماعية، مثل الإشارة إلى أن آخرين قد استفادوا من العرض، ما يخلق شعورًا بالضغط الاجتماعي أو الخوف من الفقدان.
البُعد البنيوي/الأسلوبي: استغلال التراكيب اللغوية، وترتيب الجمل، واختيار المفردات بطريقة توجّه المتلقي نحو اتخاذ قرارات محددة، مع خلق إحساس بالشرعية والدقة دون الحاجة للتلاعب المباشر بالعاطفة.
وتجعل هذه الديناميكية من الاحتيال المالي ظاهرةً بالغة التعقيد، لا يمكن التعامل معها بوصفها فعلًا تقنيًا فحسب، بل بوصفها ممارسة لغوية مقصودة، تستدعي وعيًا نقديًا متناميًا وفهمًا دقيقًا للآليات الخطابية والأساليب اللغوية التي تُصمَّم من خلالها الرسائل الاحتيالية.
وفي مواجهة هذا النمط من الاحتيال، يبرز دور الفرد بوصفه عنصرًا حاسمًا في منظومة الوقاية. فالتأنّي قبل التفاعل مع الرسائل ذات الطابع المالي، والتحقق من مصداقية العروض أو التنبيهات، واعتماد التساؤل النقدي بدل الاستجابة الفورية، تمثّل جميعها إجراءات أساسية للحد من مخاطر الوقوع في الخداع. كما تشكِّل تنمية الوعي الرقمي والمالي خط الدفاع الأول، إذ إن الإلمام بأساليب الاحتيال وباللغة المخادعة المستخدمة في صياغتها يسهم بدرجة كبيرة في تقليص احتمالات الاستدراج والتضليل.
ومن هذا المنطلق، يتضح أن التحليل اللغوي الجنائي يتجاوز كونه أداة بحثية أو ممارسة أكاديمية، ليغدو وسيلة دفاعية عملية في مواجهة الجرائم الرقمية. فحين يمتلك المتلقي وعيًا نقديًا باللغة، يتحول من هدف محتمل إلى حاجز فاعل يقف في وجه الخطاب الاحتيالي ويحدّ من تأثيره.
خِتامًا، إنّ الخداع المالي يتغذّى على الغموض، ويزدهر في غياب التحليل اللغوي الواعي، ويتراجع كلما تعمّق الفهم ببنية اللغة وإستراتيجياتها الإقناعية. إن تطوير مهارات التعرّف على الخطاب المخادع وفهم آليات التلاعب اللغوي يمثِّل خطوة محورية في حماية الأفراد والمؤسسات على حد سواء، ويؤكد الدور الجوهري لعلم اللغة الجنائي بوصفه أداة علمية فاعلة في تفكيك أساليب الاحتيال الرقمي والحد من الخسائر المالية المترتبة عليه.
** **
- دلال محمد الشديدي