عنوانٌ على يوتيوب، ما إن وقعتْ عيني عليه حتى نبشتْ ذاكرتي من أدراجها حدثاً قديما، مزيجاً من ألمٍ وفرح! فقد سبق لي أيضاً أن غيّر إعلانٌ في الراديو مجرى حياتي. من دون تردّد نقرتُ علامة التشغيل ورحتُ أصغي، كانت حلقةً من بودكاست (مخيال)، الذي يقدمه عبد الله البندر، الذي يستضيف الناقد الأدبيّ السعوديّ، أ.د.عبد الله الغذّامي، واسمُه ليس جديداً عليّ! فأنا أعرفه من مقالاته القيّمة، ومن كتابٍ وحيدٍ قرأته له: «المرأة واللغة»، يستعرض فيه مراجع تراثية ثقافية عربية وينقدها، لينتصر أخيراً للمرأة بوصفها ذاتاً مستقلّة، متكافئة العقل مع الرجل، ويَخلص إلى أنّ القضايا النسوية جزءٌ أصيلٌ من أنساق الثقافة المجتمعية.
أعترف بتقصيري، فقراءة كتابٍ واحدٍ لقامةٍ كالدكتور الغذّامي لن تكفي، كما أنني لا أعرف شيئاً عن حياته الشخصية، التي خُصّص هذا البودكاست للإضاءة عليها، بدأ المذيع بتقديم ضيفه: (أوراقه أعزّ ما يملك، حقيبته موطن بنات أفكاره..). أشهق من جديد، فهذا أيضاً مشترَكٌ جديدٌ بيننا!
بحذرٍ لافت، يعرض المذيع ملء الشاشة ورقةً أصغر من كفّ اليد، كتبها الغذّامي بخطّ يده عام 1963م، ورد فيها: (في هذا اليوم المبارك الأغرّ، أقف عند عتبة انتهاء سنةٍ كاملة لمصادقة الكتب الجادّة ومحادثتها، وتمام رُبع سنة لممارستي الإنتاج الأدبيّ الشعريّ. أرجو من الله -عزّ وجلّ- أن يديمني على القراءة اليومية وأن يهبني زيادةً في محبتها، وأن يرزقني ثقافةً واسعة، ومعرفةً عامةً واطّلاعاً تاماً، إنه سميعٌ مجيب).
من جديد، تعتري روحي رجفةٌ وأنا أرى بأم العين ورقةً عتيقةً من زمنٍ مضى، أدرك أنه انقضى، وأنه كذلك بقعةٌ لا تُمحى. يُعقّب الضيف أنّ هذه الورقة عنده: (تسوى ذهب ومجوهرات..)، ولو حدث -لا سمح الله- أن أصابها عطبٌ فقد لا يخرج أحدهما، الضيف والمضيف، من الاستوديو حيّاً! ثم يستطرد: «كانت الورقةُ منسيّةً بين صفحات مجلّد: (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، لأبي الحسن المسعودي، تجاورها ريشة نعامٍ كنتُ أضعها كفاصلةٍ بين الصفحات، لاعتقادنا أنا وأبناء جيلي بأنّها طاهرةٌ ونقية ونظيفة وجالبةٌ للبركة.. بدأتْ الريشة تتكتكت، لكنّ المعاني التي تعلّمتُها من عيون الكتب ما تزال حيّةً، ونضرة..»!
نعم حيّة، أقول لنفسي وأنا أدرك الآن أنّ رجفتي لم تكن بسبب ورقة الغذّامي وحدها، فقد كتبتُ لنفسي أيضاً في دفتر مذكراتي ورقةً شبيهةً حين كنتُ في سنٍّ يقارب سنّ الغذّاميّ حين كتب ورقته، أو أصغر قليلاً، ونسيتُها كما نسي هو ورقته، سأعود إليها بعد أن أكمل استماعي إلى هذه الحلقة الأخاذة، فأنا الآن ما أزال أنتظر حكاية الإعلان في الراديو الذي غيّر مجرى حياة ضيفنا.
كان ذلك مطلع شتاء عام 1970م في بيت العائلة، حيث يصعد والد الغذّاميّ بعد الغداء إلى السطح ليتمدد في الشمس، في جوّ الرياض النقيّ، ليستمع من الراديو إلى نشرة الأخبار ثم يطفئه. كذلك يصعد الغذّاميّ الشاب إلى غرفة المكتبة على ذلك السطح؛ ليقرأ في إحدى الظهريات، وكان الشابّ يقرأ كتاباً للعقّاد، بينما غفا أبوه ونسى الراديو مفتوحًا.. عبره طلع إعلانٌ من جامعة الملك عبد العزيز الأهلية عن منحةٍ في أمريكا لدراسة الماجستير والدكتوراه في اللغة العربية. أذيع الإعلان لمرّةٍ وحيدة، لم تتكرّر. ولم يُنشر في الجرائد، فلم تكن الجامعة تملك ميزانيةً للإعلانات. ولولا صدفة غفوة الوالد في تلك الظهرية ونسيان الراديو مفتوحاً، لما كانت حياة الغذّامي كما صارت إليه! فقدم الأوراق.. وبعد طول انتظار وترقّب وقلق وتلف أعصاب، وامتحان عسير أمام لجنةٍ من خمس دكاترةٍ عرب، يتنافس فيها مع عشرة طلابٍ متقدمين، ولا يملك أدنى فكرةٍ عن: كيف تجري المقابلة، التي وبعد الأسئلة الأكاديمية، اختُتمتْ بـ (سؤال الصدمة)، الكاشف عن أخلاق المتسابق، وبالذات عن فضيلة الصدق، كما يصفه الغذّامي؛ فيومها، كان داء الكوليرا قد تفشّى في الأحساء، سأله أحد أعضاء اللجنة: «لو كنتَ مدير الجامعة في جدّة، وذهبت إلى بريطانيا للتعاون مع إحدى جامعاتها، وسألوك هل في السعودية كوليرا؟ وأنتَ تعلم أنّه: إن أقررت لن يقبلوا، وإن كذبت سيحضرون، ماذا ستقول لهم»؟ أجاب الغذّامي: «سوف أخبرهم بالتأكيد وأشرح لهم بُعد المسافة بين جدّة والأحساء، ولهم أن يقرّروا»،
هو الجواب الذي، ربما، ومن بعد دقّة الأجوبة الأكاديمية، جعل الغذّامي ينال هذه المنحة الوحيدة!
ينتمي الدكتور الغذّامي إلى جيل أبي! هذا الجيل الصادق حتى التهلكة، والذي بكى جرّاء نكسة حزيران 1967م، التي شعر الطالب الغذاميّ يومها، وهو الطالب المجتهد والمتفوّق، ألّا شيء بعدها يستحقّ العيش ولا التعب، حتى وإن وصل الأمر به إلى الرسوب، فقد طوّحت هزيمة العرب النكراء تلك بكلّ المعاني، ولم يعد من جدوى للعمل ولا للكفاح. لكنه نجح بمعدّلٍ أدنى من المعتاد، وتابع دراسته الجامعية في اختصاص اللغة العربية وآدابها، واستعاد بعضاً من المعاني حين جاء (نصر) السادس من أكتوبر عام 1973، حتى وإن لم يتعدّ كونه نصراً معنوياً..
لا أنكر شغفي بحكايات الجيل السابق لجيلي، جيل أبي، يشدّني إليه رابطٌ حميم، حنوٌّ على ما كابد من أعباء القضايا القومية العربية، الكبيرة والثقيلة، وشعورٌ بالامتنان لكل ما مهد من صعابٍ أمام جيلي، وحنقٌ على هذه الترِكات التي ألزموه بها بعهدٍ غير مكتوب، لكنّ ترف التنصّل منه لم يكن متاحاً على أية حال، كما لم يكن متاحاً لجيلي أيضاً..
كنتُ أستمع إليه وأقتفي المعنى، الاحتفاء بما صار إليه ذاك الطالب المجتهد بعد رحلة معاناةٍ ما كان لَيستذكرها اليوم لولا أنها انقضتْ، وصار بإمكانه أن يرويها لجيلي بامتنان. أستمع فتستوي الفكرة التي طالما أقامت مشاغبةً في رأسي، أننا بشكلٍ ما أبناءٌ أصلاء لمبدعين لم نلتقِ بهم إلا في كتبهم، أفكارنا وريثة سلالاتهم الفكرية لنكمل معانيها. المعنى رصيدٌ لا يَقدُم ولا ينضب، ويسعفنا حين نحتاج إليه، وأعظم المعاني هي تلك التي تعرف كيف تسلك دربها من جيلٍ إلى جيل، كاسرةً لكل حاجز، إلى حدّ أن نحتفل معها بوجعنا ونحن نرويه لمن أتوا بعدنا، على حدّ تعبير الدكتور الغذّاميّ الذي نشترك بأنّ إعلاناً في الراديو غيّر مجرى حياتينا، وكلانا كتب لنفسه ورقة عملٍ مُلزِمة، وأصبحتْ حقيبة واحدنا موطناً لبنات أفكاره.
لكنه يسبقني بجيلٍ ومنجزاتٍ أرجو في سرّي لو أبلغ قسطاً منها. قد ربي في السعودية، بينما ربيتُ في أقصى جنوب سوريا، في بيئةٍ دينيةٍ أيضاً، كانت ترفض تعليم البنات. أتذكّرني وأنا أقاتل بكل وسائلي العاقلة الممكنة لكي أكمل تعليمي، وكان أوّلها خبرٌ سمعته صدفةً في الراديو الأزرق.
كان هذا الراديو الأزرق في بيتنا مُلكاً لأبي وحده، لا يسمح لنا بمسّه، يستمع منه إلى نشرة الأخبار ثم يركنه على رفٍّ أعلى بكثير من طول قامتي. لكنني، وكلما غادر البيت، أصفّ الوسائد فوق الكرسيّ وأصعد لأطول الراديو واستمع منه إلى كل ما يبثّ طالما أبي غائب، نشرات الأخبار والأغاني والبرامج المنوّعة، حتى أسمع صوت خطواته ينذرني بعودته، أسارع إلى إخفاء آثار جنحتي بأن أعيد مؤشر الراديو إلى المحطة التي تركها أبي عندها، وأطفِئه وأرفعه إلى مكانه على الرفّ.
كان عمري أحد عشر عاماً، وأنا في صفي السادس الابتدائي، حين سمعتُ في نشرة الأخبار خبراً نقر رأسي: «تدرس الحكومة مشروع قرار تمديد فترة التعليم الإلزاميّ حتى الشهادة الإعدادية، للذكور والإناث». أيامها كنا في أوّل فصل الربيع، وقد بقيتْ ثلاثة أشهُرٍ لأنال الابتدائية. حسبتُ في ذهني: كم سيطول تداولُ القرار حتى تُقرّه الحكومة؟ أشهراً، سنة؟ أظنّ سنةً تكفي. وبانتظارها، سأسلّم أوراق امتحانات الفصل الثاني كلها بيضاء، أنال أصفاراً وأرسب وأعيد صفي فأكسب سنة ينفذ خلالها القرار الموعود، يذعن له أبي وأصعد إلى الإعدادية بقوة القانون. وإن تجرّأ على مخالفته، تسجنه الحكومة فتحميني منه!
في الواقع، لم ينفذ القانون سنتها، ولا في السنة التالية. لكن، وفي صباح الامتحان الأول، وحين مرّت معلمتي على قاعة امتحاننا، رأتني شاردة، أسند ظهري إلى المقعد، أمامي ورقةٌ بيضاء، يتمطّى القلم الأزرق فوقها سليماً من هرق يدي لحبره بالكتابة. وقفتْ قبالتي للحظات، ربما تتكهّن بما يدور في رأسي. تقلَّب وجهُها، شدّتني من أذني إلى أسفل، حتى رطمتْ جبيني بالمقعد: «كيف تجرؤين يا مغرورة؟! سوف تخفضين مستوى المدرسة بتهورّك. اسمعي ونفّذي فقط: اكتبي ولو بعلامةٍ واحدة، وثقي أنني لن أترك بنتاً مثلك تتسرّب من المدرسة».
تلك كانت صرختي التي بسببها نلتُ عن ذلك الامتحان علامة ثلاثة من عشرة، بينما نتيجة الامتحانات التالية كلها عشرات. وتوسّطتْ معلمتي والمديرة لدى أبي بإصرارٍ ومثابرةٍ حتى وافق على إكمال تعليمي.
أعود إلى ورقة العمل التي كتبها الغذّامي لنفسه من قبل أن أُولد، فقد كتبتُ لنفسي ورقة عملٍ شبيهة، على غير اتفاق. كان هذا عام 1981م، وأنا طالبةٌ في المرحلة الإعدادية، في سنٍّ يقارب سنّه، أو أصغر منه ببضعة أعوام، خططتُ في دفتر مذكراتي: (وُلدتُ في ظرفٍ غير طبيعيّ، وسوف أصنع شيئاً غير طبيعيّ، طلعاً في الاتجاه الإيجابيّ!). ثمّ نسيتها. ولو لم أفتح دفتري بعد بلوغي سنّ النضج، ونوالي لشهادة الطبّ، وأعثر عليها في إحدى صفحاته، وأقرأ ما كتبتُ بخطّ يدي، فلن أُصدّق أنني كاتبتُها!
وأيضاً، وأنا في سنّ الخمسين، ومن بعد وصولي إلى مهجري القسريّ في ألمانيا، وتخلخُل خطواتي ومعرفتي بنفسي، صار وطني لا أكثر من بيتٍ صغيرٍ من الكتب والدفاتر المحمولة في رأسي، كما هي حقيبة الدكتور الضيف موطن أفكاره!
حتى اللحظات الأخيرة، بقيتُ أتسمّع إلى الحلقة بسعادةٍ بلا حدود، وإن ظننتُني أقتفي فقط هذه المشترَكات العديدة بيننا، نحن الإنسانين من بلدين وجيلين وجنسين مختلفين؛ فقد كان حضور الدكتور الغذّامي بحدّ ذاته هديّة الحياة إليّ. أكاديميٌّ بهيٌّ ورزين، أنيسٌ وملآن، حامل رسالةٍ تنويرية إلى جيلي ومَن سيأتي بعدنا، حافظٌ لأمانة لغتنا العربية، ولقيمٍ إنسانية لا خير ممكناً على هذه الأرض من دونها.
** **
د. نجاة عبد الصمد - طبيبة وروائية سورية
https://www.youtube.com/watch?v=mIEQNcdiPpA AND t=2428s