بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ عن روايتها «مسرى الغرانيق في مدن العقيق» تواصل أميمة الخميس إنتاجها السردي المثخن بالحمولات التاريخية والثقافية، واصفة عملها بـ «حكاية العمة التي تواشجت مع سيرة مستشرق أمريكي» إنها رواية «عمة آل مشرق» الصادرة عن دار الساقي 2024، المُرشحة مؤخرًا ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».
تتناول الرواية حكاية زواج الجازي بنت عبدالرحمن آل مشرق، التي تقطن وسط الجزيرة العربية من الأمريكي ماثيو، الذي يعمل في الطبابة في مستشفى الإرسالية الأمريكية في البحرين. حيث جاء اللقاء بينهما تحت نخلة وسط الجزيرة العربية قبل قرن من الزمن. نستعرض في هذه المقالة ثلاث محطات تتصاعد عبرها وتيرة الأحداث وهي: مستشفى الإرسالية الأمريكية في المنامة، العلاقات الشرقية الغربية وأقدار الهويات، الهوية الهجينة وولادة جيل جديد.
• التبشيرية ومستشفى الإرسالية الأمريكية في الخليج العربي
تبدأ الرواية فصولها بتصوير الحياة في الجزيرة العربية قبل قرن من الزمن بوصول رسالة من شيخ اللؤلؤ الأحسائي القصيبي إلى بريد مستشفى الإرسالية الأمريكية في المنامة 1918 ، ليتسلمها د. هاريسون. تحمل له دعوة استثنائية لزيارة السلطنة النجدية، فكأنها فرصة لتجريب حياة أخرى في أعماق الجزيرة العربية، بعد زيارته الأولى للأحساء عام 1915 ومعرفته أنواع الأمراض البرية والبحرية المنتشرة على هذا الخليج مثل الكوليرا، الملاريا، الماء الأبيض، ومرض الفتاق المتفشي بين الصيادين والمزارعين وحمالي الشقاء. وأثناء بحثه عن مرافق له في هذه المغامرة، يقع اختياره على ماثيو، الذي يحمل في يده شهادة يتيمة في الإسعافات الأولية، أما روحه فتحمل نبوءة الاستشراق منذ الطفولة، بعد حصوله على مكافأة من جاره القس هولمز، وهي إنجيلٍ مترجم لعدة لغات. فاقترن عقله مبكرًا بالقراءات المتعددة للنص الديني الواحد. بهذا المشهد تُشعل الروائية الخميس شرارة الحدث وتبدأ برسم ملامح شخصيات الرواية.
تبرز الروح التبشيرية منذ بواكير السفر، في البدء من حوار ديكنسون مع هاريسون وقراءتهما لأوراق المستشرق بيرس: «معظم الكتب التاريخية تصور شراهة الإمبراطوريات الرومانية في قضم المزيد من المستعمرات، ولكنها كانت تصل الحدود الشمالية، ولا تستطيع التوغل لتصل وسط جزيرة العرب ....»، ثم أثناء حوار القس بيننج مع هاريسون وماثيو، في محاولات لرسم صورة عن الجزيرة العربية قائلًا: «لابد أن تعرف بأنك في البحرين في نزهة من الحرية مقارنة بالمدن الداخلية لجزيرة العرب». في الحين ذاته، يضيق الحال بآن زوجة هاريسون جراء قراره بالسفر؛ فيشد من أزرها بعبارة إيمانية قائلًا: «تلك السماء نفسها التي يوماً ما عاهدناها على خدمة الرب». وعبر سير الأحداث تتنامى مشاهد الحالة التبشيرية لدى طواقم العمل الصحي في المستشفيات أثناء رعايتهم الصحية بالمرضى من جزيرة العرب.
العلاقات الشرقية الغربية وأقدار الهويات
أميمة الخميس ورجاء البوعلي على هامش ندوة «أميمة الخميس: امرأة تكتب الوطن والدهشة» التي استضافها نادي بوح الأدبي بالدمام.
تشد أميمة الخميس أحداث عملها بروابط هوياتية متجذرة بين قطبي العالم الشرقي والغربي، لتكشف عن أقدارٍ هبطت لتلتقط أناساً بعينهم، فتصير المستحيلات ممكنات الحدوث، غير أنها بحاجة لطاقات بشرية يملؤها الشغف والتحدي. تبرز الحالة الأولى: مع ماثيو الذي لا يحمل شهادة صحية تؤهله لممارسه التمريض، لكن قبوله جاء نظرًا لشح الكوادر الطبية في المنامة، فالطقس المختنق بالرطوبة ورائحة السمك لم تستهوِ كثيراً من الصيادلة المسيحيين لينتقلوا من البصرة إلى البحرين، حتى قال أحدهم: «لا أعتقد أن المسيح يحتاجني بين ستائر هذه الرطوبة اللزجة». غير أن ماثيو المفتون بزخارف اللغة العربية، انطلق على ظهر سفينة «الفرات» الإنجليزية من الإرسالية في البصرة ليصل المنامة.
أما الحالة الثانية: فتُقدمها الجازي بنت عبدالرحمن آل مشرق، التي قبِل والدها أن تتزوج من ماثيو شرط أن يُغّير ديانته إلى الإسلام. فلولا الموت الذي خطف أفراد عائلة عبدالرحمن آل مشرق، وقوفه على مفترق الاختيار؛ إما أن تموت ابنته التي أذابها المرض أو تتزوج الطبيب الأمريكي ليسافر بها للعلاج، لما انكسر هذا العُرف الاجتماعي بمباركة هذا العقد الزوجي.
وهنا تُجسد الروائية اللقاء بين الغرب والشرق باللقاء بين ماثيو والجازي، غير أن ارتكازه على العلاقة العاطفية الزوجية، منحه مسارًا مختلفًا بشكل جذري عن مسار الخدمات التطوعية التبشيرية التي يقدمها طواقم الصحة في مستشفى الإرسالية الأمريكية، فصار لقاء الهويات ضربًا من ضروب اكتشاف الذات الموضوعية بين هاريسون المشحون بحضارة الغربي إزاء الآخر وماثيو الذي أصبح جزءًا من الآخر بعد زواجه. وهنا ترى الخميس أننا إن لم نكتب حكايتنا، سيكتبها الآخر، فعلينا أن نكتبها.
الهوية الهجينة وولادة جيل جديدة
ينطلق فواز آل مشرق عام 2018 من مدينة نيويورك التي قصدها لدراسة الإخراج السينمائي عائدًا إلى مدينة الرياض، في رحلة بحثية عن فصول سقطت من رواية العمة، الأمر الذي يفتح بابًا على التاريخ ليعود به الزمن نحو الوراء. ليرى صورة «آدم» الطفل الهجين بسلالة تمتد نحو قرني الشرق والغرب، فاللقاء بين الهويات ليس بالضرورة أن يُسفر عن صراع واقتتال هوياتي، فالحب ينتصر لدى الإنسان المفعم بالإنسانية. وهذا ليس أمرًا سهلًا، لكنه ممكن. يقول أمين معلوف «إن كلا منّا مؤتمن على إرثين: الأول عمودي يأتيه من أسلافه وتقاليد شعوبه وطائفته الدينية، والثاني أفقي يأتيه من عصره ومعاصريه. ويبدو لي أن الإرث الثاني هو أكثرهما حسماً، ويكتسب المزيد من الأهمية يوماً بعد يوم». تقول أميمة وهي تطوي سرديتها «ما تحجبه الأبجدية، تعود الرياح وتسرده».
** **
- رجاء البوعلي