هل تساءلنا يوما لماذا نختار الصمت أحيانا بدل مواجهة الحقيقة؟ أو لماذا نختبئ وراء واجهات الحياة رغم أننا نتوق للصدق والوضوح؟ هذه التساؤلات ليست مجرد أفكار عابرة، بل هي جزء من تجربتنا الإنسانية اليومية التي يتخلّلها الخوف من الفقدان، من الحب، من المواجهة، وحتى من الذات، وفي قلب هذه الأسئلة الوجودية تبرز الأمومة بوصفها واحدة من أكثر التجارب الإنسانية التباسا وتعقيدا، إذ لا تُختزل في بعدها الغريزي أو الاجتماعي، بل تتجاوز ذلك لتغدو فضاءً للصراع الداخلي، ومجالا لاختبار الهوية والذات.
نجد هذه الأفكار مجسّدة بوضوح في روايتي «دار خولة» للكاتبة بثينة العيسى، و»الابنة الغامضة» لإيلينا فيرانتي(ترجمة شيرين حيدر)، ضمن سرديات معاصرة تسعى إلى تفكيك صورة الأمومة المثالية، وكشف تواتراتها الخفية، وذلك من خلال مساءلة علاقة المرأة بذاتها في ظل تجربة الأمومة.
تقارب بثينة العيسى في «دار خولة» الأمومة من زاوية الصمت والغياب، حيث لا تقدّم الأم بوصفها كيانا مكتملاً أو دورًا منسجمًا، بل ذاتًا مثقلة بالذاكرة، محاصرة بالخسارات، ومترددة إزاء الاعتراف بمشاعرها، فالأمومة هنا ليست مساحة للطمأنينة، بل تجربة تتخللها مشاعر الانكسار، والحنين، والشك، ويغدو الصمت آلية دفاعية تلجأ إليها الشخصية لتجنّب مواجهة حقيقة ذاتها، في مجتمع لا يمنح الأم حق الشك والتردد، ولم تعد هي مركز العائلة المستقرة، بل ذات قلقة، فشلت إلى حد ما في أداء دورها كأم.
إنها تنظر إلى الأمومة كحالة تتداخل فيها الرعاية مع الفقد، والانتماء مع الانسجام، تشتغل الرواية هنا على تحويل البيت إلى فضاء رمزي للذاكرة المؤلمة، لا إلى ملاذ آمن، حيث تتراكم الأسئلة دون إجابات، وتُدفن الرغبات الفردية تحت ثقل الدور الاجتماعي المفروض، وبهذا تطرح الكاتبة بثينة العيسى نموذجًا للأمومة التي تُعاش داخليا بوصفها أزمة وجود، لا تجربة منسجمة.
في المقابل، تذهب فيرانتي في «الابنة الغامضة» إلى أقصى درجات المكاشفة، وتقدم طرحا أكثر صدامية، فالأمومة عند فيرانتي تُعرّى بلا مواربة، وتُقدّم كعبء نفسي يتنازع مع رغبة المرأة في الاستقلال وتحقيق الذات، تعترف البطلة» ليدا» بمشاعر الإرهاق، والنفور، وحتى الرغبة في الهروب من دور الأم في كسر صريح للصورة النمطية التي تقدّس التضحية الأمومية، بالرغم من أنها لعبت دورها كأم بشكل متقن إلى حدّ ما وفي وقت معين.
إن فيرانتي لا تبحث عن تبرير هذه المشاعر، وإنما تجعل منها مدخلا لفهم هشاشة الذات الإنسانية، حيث تتحول الأمومة إلى تجربة تُنتج الشعور بالذنب بقدر ما تنتج الحب، ومن خلال الاعتراف الداخلي للشخصية تجعل الرواية القارئ أمام سؤال أخلاقي وإنساني عميق، هل يحق للأم أن تختار ذاتها؟
يتخذ البحث عن الذات في دار خولة مسارًا داخليًا هادئًا، يقوم على استرجاع الذاكرة وتأمّل الماضي بوصفه وسيلة لفهم الحاضر، فالذات هنا تتشكل عبر التذكّر، لا عبر المواجهة الصريحة، وهذا ما يعكس طبيعة القمع الاجتماعي الذي يفرض على المرأة أن تعيش أمومتها في صمت بوعي أو من دون وعي. أما في الابنة الغامضة، فيرتبط البحث عن الذات بالمواجهة المباشرة مع الرغبات والمخاوف، حيث لا تُمنح الذاكرة وظيفة تصالحية، بل تتحول إلى أداة إدانة وكشف، ومن ثمّ، تُقدَّم الذات الأمومية ككيان متشظٍ، لا يسعى إلى الكمال، بل إلى الاعتراف بحقيقته الإنسانية.
على الرغم من التباين الثقافي بين السياق العربي المحافظ نسبيًا لدى بثينة العيسى، والسياق الغربي الأكثر تحررًا لدى فيرانتي، إلاّ أن الروايتين تلتقيان في مساءلة جوهرية للأمومة، و الاختلاف بينهما يكمن في اختلاف آليات التعبير؛ فبثينة العيسى تكتب داخل أفق الإيحاء والكتمان، بينما تنطلق فيرانتي من خطاب صريح، صادم، يتحدى الأعراف الأخلاقية السائدة.
إن القارئ للروايتين «دار خولة» و «الابنة الغامضة» يتبين له أن الأمومة لم تعد في السرد النسوي المعاصر تجربة مكتملة أو منزّهة عن التناقض، بل أصبحت مساحة لطرح أسئلة الذات، والهوية، والاختيار؛ فالأم في هذين النصّين ليست صورة مثالية، بل ذات إنسانية هشّة، تعيش بين الحب والخوف، وبين الرغبة في العطاء والحاجة إلى النجاة الفردية، وبهذا تسهم الروايتان في إعادة كتابة خطاب الأمومة بوصفها تجربة وجودية مفتوحة على الصمت والاعتراف معًا.
** **
- الريم حجوج