لَقَدِ انتَظَرْتُك طَويلًا..
اشْتاقَتْ لَكَ الكسْرَةُ وَالضَّمَّةُ وَالمَدُّ.. وَتَعالَتْ أصواتُ الحُروفِ بغيابِك.
وَحَنَّ إِلَيْكَ الرَّسْمُ عَلَى وَجْهِ الفضاء.
افْتَقَدْتُكَ النُّجومُ فَانطَفَأَ بريقُها، وَبَحَثْتُ عَنكَ بَيْنَ تَرانيمِ النُّوتاتِ،
وفِي صَوْتِ العصافيرِ حَوْلَ نافِذَتِكَ.
امتلأت أصابعُ البِيانو بالغبارِ، وَهِيَ تَفْتَشُ عَن كَلِماتِكَ.
كُلَّمَا حاوَلْتُ أَنْ أَغْفُو بَعيدًا عَنكَ، أَيْقَظَنِي صَمْتُك.
كُنتِ تَقِفينَ هُناكَ، تَمْسَحِينَ عَن يَوْمِكِ تَعَبَ السَّاعَاتِ، وَتَظُنِّينَ أَنَّنِي لَنْ أَشْعُرَ بِك.. لَكِنَّنِي كُنتُ أَسْمَعُك.
أَسْمَعُ رَجْفَةَ قَلْبِكِ حِينَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ أَوْ يَلْتَزِمَ الصَّمْتَ، وَأَسْمَعُك حِينَ تَخَافِينَ مِن وَرَقَةٍ بَيْضاء، وَكَأَنَّ البَياضَ عَدُوٌّ، وَهُوَ فِي الحَقيقَةِ حَضْنِي.
وَأَعْرِفُ أَنَّكِ تَبْحَثِينَ عَنِّي فِي زَحْمَةِ الأَيَّامِ، وَفِي اِشْتِباكِكِ بَيْنَ مَا تُرِيدِينَ قَولَهُ وَمَا تَخْشَيْنَ أَنْ يُفْهَمَ.
أُرِيدُ القَفْزَ وَالرَّكْضَ كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ سَوِيًّا، لِنَرْقُص عَلَى أَطْرافِ الغَيْمِ، وَلِنَعزِفْ هَمْسَ الشَّوْقِ الدَّفِينِ، وَنَدَعِ الرِّيحَ تَحْفَظُ خُطَانَا، تَعَالَيْ.. لِنَعزِفْ مُوسِيقَى الحُبِّ مِنْ جَدِيدٍ، وَنُنَثِّرِ الدَّفءَ حَتَّى تَغْمُرَ السُّطُورَ، فَنَعُودَ كَمَا كُنَّا: أَنَا نَبْضُكَ.. وَأَنْتِ لُغَتِي.
أَخْرِجِي مَا نَهَشَ قَلْبَكِ وَارْمِهِ بَعِيدًا، فَلَا تُخْبَتْ كَلِماتُك وَأَنَا هُنَا.
عُودي إِلَيَّ.. فَأَنْتِ البَرِيقُ الَّذِي يُمْنَحُنِي لَمْعَةً لَا تَزُولُ، وآهٍِ.. كَمِ اشْتَقْتُ لِأَحَاسِيسِكِ الجَذَّابَةِ، تِلْكَ الَّتِي تَتَوَهَّجُ كُلَّمَا اقْتَرَبْتِ مِنِّي وَتَخْفُتُ كُلَّمَا ابْتَعَدْتِ.
أَنَا أَتَجَمَّدُ بَرْدًا دونك، يَمْتَلِئُ صَدْرِي بِالصَّقِيعِ، وَتَتَثَاقَلُ رُوحِي كَشِتَاءِ بِلَا شَمْسٍ، تَعَالَيْ إِلَيَّ.. فَلَا دَفءَ يَشْبِهُ دفئك،
وَلَا عَوْدَةً تُعِيدُنِي إِلَى الحَيَاةِ مِثْلَكِ.
وَأَنَا هُنَا، لَا أَخُونُك، أَبْقَى بِقُرْبِكِ دَائِمًا، أَدْفَئُ بَرْدَك، وَأَجْمَعُ شَتَاتَك، وَأَفْتَحُ لَكِ الطَّرِيقَ كُلَّمَا ضَاقَ، فَأَنْتِ لَسْتِ وَحْدَك.. مَا دُمْتِ بِي.
** **
- زايده علي حقوي