الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
ينطلق النص من أسئلة الترجمة بوصفها فعلًا معرفيًا وجماليًا محفوفًا بالمخاطر، لا مجرد ممارسة لغوية محايدة، حيث تتقاطع الأمانة بالحرية، ويغدو المترجم شريكًا خفيًا في إعادة تشكيل النص، لا ناقلًا آليًا له. من هنا تُستعاد مقولات« الترجمة خيانة » و«كاتب الظل» و«حفّار القبور» بوصفها استعارات نقدية تكشف هشاشة التوازن بين إحياء النص في لغة أخرى، أو إفراغه من روحه وسياقه الثقافي.
يطلّ الدكتور د. صالح بن عيضة الزهراني، أستاذ الأدب والدراسات الأندلسية المشارك، عبر «الثقافية»، ليقارب هذه الإشكالات من منظور نقدي وتجريبي، متتبعًا الترجمة بوصفها فعل إعادة خلق يتجاوز حدود النقل اللغوي إلى بناء سياق ثقافي جديد للنص.
ويتسع المسار ليشمل تحولات الترجمة في زمن الذكاء الاصطناعي، وحدود قدرة الآلة على ملامسة العاطفة والتعقيد الجمالي في النصوص الأدبية، مقابل التحديات التي تواجه المترجم البشري وضرورة إعادة تموضعه في مشهد معرفي متغير. كما تنفتح القراءة على تجربة الدكتور الزهراني في الدراسات الأندلسية، حيث يتحول التخصص الأكاديمي إلى قدر ثقافي يعيد فهم الأندلس خارج أسر الحنين، بوصفها مجالًا للتحليل النقدي وجسرًا حيًا للتواصل الثقافي بين العرب والإسبان.
المترجم «حفّار القبور»
* إلى أي حدّ يمكن النظر إلى الترجمة بوصفها «خيانة » تفتح أفقًا جديدًا للنص، وفي أي لحظة ينقلب هذا الفعل الإبداعي إلى تشويه يُفقد النص روحه، فيتحوّل المترجم من وسيطٍ مبدع إلى «حفّار قبور» للمعنى؟
غالبا ما ينظر إلى عبارة «الترجمة خيانة «أو «المترجم خائن» من زاوية سلبية بحتة عطفا على ما تكتنزه لفظة خيانة من قبح دلالي، في حين أن المقصود بالخيانة مساحة الحرية وحتى الواجب العملي الذي يحتم على المترجم ألا يكون مجرد ساعي بريد أو ناسخ للنص الأصلي. إن الترجمة إعادة خلق للنص، أو على حد تعبيرهم «احتيال أنيق» يمنح للنص المترجم وجوده الجديد دون أن يقطع علاقته بالنص الأصلي، وهذا هو التحدي الكبير.
أمّا الكلمة بتحوّل المترجم إلى «حفّار قبور» للنص فقد وردت -إن لم تخني الذاكرة- في كتاب «المترجم كاتب الظل» لواحد من أهم المترجمين، وهو الفرنسي البرتغالي كارلوس باتيستا، وفيها دلالة عميقة على أن اللغة في غير محيطها هي أشبه ما تكون بجثة هامدة من حيث فقدان القدرة على التفاعل الذي هو جوهر الحياة، وإذا كانت الترجمة الوازنة بمثابة إعادة أو منح حياة للنص في اللغة الهدف، فإن الترجمة الرديئة وقصور المترجم عن تأدية الكلام في غير لغته الأصلية؛ إساءة للنص وتشويه لرسالته الأصلية وسلب لوجوده، حتى إن أحد المترجمين الإسبان سمى العملية «جريمة الترجمة»، وجعل العبارة عنوانًا لكتابه.
الأمانة في الترجمة تعني الحفاظ على جوهر النص الأصلي، وفي الوقت ذاته مراعاة سياقات اللغة الهدف، وبين الأمرين خيط رفيع يقتضي موازنة دقيقة بين السياقين لا يحسنها سوى المترجم الفذ الخبير؛ ذلك الذي تشعرك جودته وكأنه يؤلف لا يترجم، وهو مصداق عبارة عنوان كتاب باتيستا المشار إليه «المترجم كاتب الظل». هذا ما يعرف في الترجمة بالتوطين، حين يتنفس النص حياة جديدة دون انتهاك لوجوده يجعله يفقد جوهره الدلالي.
مستقبل الترجمة في زمن الذكاء الاصطناعي
* كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في مستقبل مهنة الترجمة، وما مدى قدرة الآلة على فهم المشاعر والعواطف الإنسانية؟
لا شك أن حقل الترجمة اليوم يشهد تحولًا جذريًا بفضل النماذج اللغوية المتقدمة القادرة على تحليل النصوص ومعالجتها بسرعة هائلة، ما يجعل من الآلة منافسًا حقيقيًا للإنسان، قد تزيحه من المشهد عما قريب. ولنا أن نتصور أن الدهشة التي يشعرنا بها الذكاء الاصطناعي اليوم، تمثل بداياته الأولى فقط، فما بالك بعد عشرين عاما من اليوم.
وبالرغم من هذا، فلا يتصور أن يختفي المترجم البشري تماما، وسيظل على الأقل حاضرًا في سياقات معقدة، ومنها على سبيل المثال ما يتصل ببعض أنواع الترجمة كالترجمة الأدبية مثلًا، بما تطوي من تحديات تصعب نمذجتها حسابيا، ما قد يجعل الآلة عاجزة من تجاوزها بسهولة، دون أن يكون الأمر مستحيلا مع القفزات الهائلة لبرامج الذكاء الاصطناعي.
و لقد شرع الذكاء الاصطناعي فعليا في التعامل مع العواطف البشرية في الترجمة، ليكون قادرا على نمذجتها عبر بنيات عاطفية مرادفة على غرار الترادف اللفظي المعروف، لكن هذا الاقتناص يظل قاصرًا عن استيعاب التعقيدات الشعورية المتداخلة في النصوص الأدبية وغيرها، وهي عقبة قد تكون وقتية لا أكثر.
التحديات في زمن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي
* وما التحديات المهنية التي يواجهها المترجم البشري في عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وكيف تدفعه هذه المتغيرات إلى إعادة تعريف دوره وحدود ممارسته للترجمة؟
المترجم البشري يمر بتحديات جمة حتى قبل موضوع الذكاء الاصطناعي؛ فهو لا يحظى بتقدير يوازي المؤلف، بالرغم من دوره بوصفه وسيطا معرفيا مهما، ناهيك عن تجاهله في كثير من المناسبات والإجحاف بحقه في عقود النشر وخلافه. لكن التحدي الأكبر أمام المترجم البشري في السنوات القادمة يتمثل-في نظري- في ضرورة إعادة تموضعه في زمن هذه التحولات وعصر الذكاء الاصطناعي، وإعادة تعريف عمله وحدود أدواره. وسيكون المترجم بحاجة إلى تطوير دائم لمهاراته ليواكب المستجدات ويكون قادرا على التعامل مع الآلة وتوجيهها وتجويد مخرجاتها وتحليل عملها، فيكون بذلك شريكا أساسيا، أو سيتخطاه الزمن قطعًا..
الرحلة إلى إسبانيا
* قادتك رحلتك البحثية في الأدب الأندلسي إلى إسبانيا لثماني سنوات من القرب والمعايشة؛ متى تبيّن لك أن هذا التخصص تجاوز صفته الأكاديمية ليصبح قدَرًا ثقافيًا وشخصيًا أعاد تشكيل نظرتك للأندلس، وفتح لك أفقًا أعمق لفهم الهوية العربية في امتداداتها هناك؟
يدرك الباحث في مرحلة ما أن حقله المعرفي أو موضوعه لم يعد مجرد حقل اشتغال، بل يتحول مع الوقت إلى حالة يعيد معها تشكيل وعيه ووجوده، وهو ما حدث لي بالفعل حين وجدت في الأندلس كلا يجمع الواقعي بالخيالي والموضوعي بالذاتي ويؤلف بين الفنون والآداب على نحو من التماهي العميق، ما شكل شخصيتي من جديد. إنه قدر ثقافي مازلت أدين له بالكثير وهو يمنحني الفرصة لفهم ذواتنا في علاقتها بالآخر متخليا عن النظرة القومية الضيقة، ومتجاوزا السرديات المتحيزة، وما أكثرها.
الباحثون الإسبان وقصراء الحمراء
* أشرت في إحدى محاضراتك إلى أن بعض الباحثين الإسبان أمضَوا ثلاثين عامًا في قصر الحمراء بحثًا وقراءةً في نقوشه وتاريخه و ما الدرس الذي ينبغي أن يتعلّمه الباحث العربي من هذا النموذج في الصبر العلمي والانكباب على موضوع واحد لسنوات طويلة؟
يظل الصبر هو الدرس الأهم؛ فأن تبقى وفيا لفكرة ما طيلة عقدين أو ثلاثة من البحث، دون ملل أو تبرم، ليس بالأمر الهين. هذا الصبر له وقوده: الحب والانتماء، فكثير من المستعربين الإسبان ظل ينظر إلى الأندلس لا بوصفه ميدان بحث وحسب، بل جزءا من الهوية التي ينتمي إليها ويخلص لها. كما يكشف هذا النموذج من المستعربين عن قيمة التخصص الدقيق، فالتوفر البحثي والتراكم المعرفي مظنة الإضافة العلمية، وهذا مانفتقده في دوائرنا العلمية، خاصة في التخصصات النظرية.
المخيال العربي والفردوس المفقود
* الأندلس تمثّل في المخيال العربي «الفردوس المفقود»، بينما تنظر إليها أوروبا بوصفها رافدًا أساسيًا في تشكّل علومها الحديثة؛ فكيف يمكن للمثقف العربي اليوم أن يستعيد صلته بهذا الإرث العميق دون الوقوع في أسر الخطاب العاطفي وابتذال «نوستالجيا الأندلس»؟
استعادة الأندلس كما ينادي بعضهم، يجب أن تكون في إطار معرفي لا سياسي، يتجاوز ثنائية الحنين والخطاب الرومانسي من جهة، والرؤية الأيديولوجية من جهة أخرى من هنا، يجدر بالباحث العربي أن يتعامل مع الماضي الأندلسي بعيدا عن الاستهلاك العاطفي، بو صفه نموذجًا حضاريًا مغريا بالفهم والتحليل، لا مجرد ذكرى تُستدعى للبكاء على الأطلال. هذه هي النصيحة التي تلقاها الدكتور حسين مؤنس من أستاذه الإسباني إبان دراسته في مدريد..
النادي الإسباني الثقافي
* لو انتقلنا إلى النادي الإسباني الثقافي المعني بتاريخ الأندلس وثقافاتها وموسيقاها؛ كيف تقيّم دور مثل هذه الأندية في حفظ الذاكرة الأندلسية وتعميق جسور الحوار الثقافي بين العرب والإسبان اليوم؟
انبثقت فكرة النادي الإسباني بالتوازي مع بدايتي في تعليم اللغة الإسبانية، من قناعة راسخة بأن اللغة لا تُدرَّس بمعزل عن سياقاتها الثقافية، كما أن الروابط الممتدة بين الثقافة العربية والإسبانية، جعلت الالتفات إلى هذا التقاطع أكثر ضرورة ومنطقية، وأكثر قدرة على منح كلا الثقافتين بعد ا إنسانيًا أوسع.
ومن هنا اتخذ النادي من تعليم اللغة جسرًا يفضي إلى عوالم الأدب والموسيقى والفلسفة والفنون في إسبانيا وفي مجمل البلدان الناطقة بالإسبانية؛ فبدأ بتنظيم لقاءات تفاعلية ليتحوّل شيئًا فشيئًا إلى مختبر ثقافي حيّ يلتقي فيه الأكاديميون والطلاب والمبدعون ضمن بيئة منفتحة تُشجع الحوار والإنتاج المشترك، مع فتح الباب أمام جميع المهتمين، حضورًا ومحاضرين، دون حصر التجربة في دائرة ضيقة أو نخبوية.
وبالرغم من حداثة التجربة، فإن إدارة النادي ترى أن العمل خُلِق ليستمر، وأن بناءه مسارٌ منهجي متدرّج يستهدف تأسيس مجتمع ثقافي خاص، يحافظ على التوازن بين الاستدامة والجودة، ويستند إلى القيمة الجوهرية للعمل التطوعي في التخطيط والتنفيذ وإتاحة الفرص على نطاق واسع، ليكون الجمهور شريكًا أصيلًا في مسيرة النادي.
** **
@ali_s_alq