الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي لم يعد كافيًا أن تحضر اللغة العربية بوصفها تراثًا لغويًا عريقًا أو وعاءً ثقافيًا جامدًا، بل بات لزامًا عليها أن تدخل فضاء البيانات، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، بوصفها لغة معرفة وإنتاج وتفاعل.
ومن هذا المنعطف المفصلي، تتقدّم منصتا «سِوَار»للمعاجم اللغوية و «فَلَك» للمدونات اللغوية كنموذجين متكاملين لمشروع لغوي عربي يطمح إلى إعادة بناء البنية التحتية للغة العربية في العصر الرقمي.
وتأتي هاتان المنصتان ضمن مبادرات مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي يتبنّى مشروعًا استراتيجيًا يستهدف تعزيز حضور العربية عالميًا، ليس فقط بوصفها لغة ثقافة وهوية، بل كلغة قادرة على التفاعل مع العلوم الحديثة، والتقنيات الذكية، وصناعات المعرفة.
«سِوَار»… مظلة رقمية توحّد المعجم العربي
تُعد منصة «سِوَار» للمعاجم اللغوية خطوة غير مسبوقة في تاريخ العمل المعجمي العربي؛ إذ صُممت لتكون مظلّة شاملة تجمع المعاجم العربية القديمة والحديثة، في بيئة رقمية واحدة، تتيح للجهات العلمية والأفراد المتخصصين إضافة معاجمهم بسهولة، ضمن إطار مؤسسي منظم.
وتضم المنصة حاليًا أكثر من 30 معجمًا لغويًا، مع خطة توسّع واضحة للوصول إلى 38 معجمًا بنهاية عام 2025، وهو رقم يعكس حجم الطموح لا مجرد التراكم العددي. وتتنوع هذه المعاجم بين معاجم تراثية، وأخرى حديثة، وثالثة متخصصة، بما يجعل «سِوَار» أول منصة عربية تجمع هذا الطيف الواسع من الإنتاج المعجمي في مكان واحد.
منصة سوار للمعاجم
ولا يقتصر تميز «سِوَار» على الجمع، بل يمتد إلى تنويع الحقول المعرفية التي تغطيها المعاجم، حيث تشمل:
• معاجم متخصصة في الذكاء الاصطناعي، والإعلام، والطاقة، والفروسية
• معاجم قطاعية مثل الموارد البشرية، والقطاع غير الربحي، والحكومة الرقمية
• معاجم تراثية وثقافية، من بينها القاموس المحيط، ومعجم الأسلوبية والبلاغة، ومعجم أسماء الناس في السعودية
بهذا التنوّع، تنتقل المعاجم العربية من التركيز على اللغة بوصفها نظامًا لغويًا فقط، إلى التعامل معها بوصفها أداة معرفة مرتبطة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية.
المعاجم الثنائية للغة العربية في حوار عالمي
من أبرز المسارات التي تعمل عليها منصة «سِوَار» مسار المعاجم الثنائية والثلاثية اللغة، الذي يعكس توجهًا واضحًا لربط اللغة العربية باللغات العالمية، وتعزيز حضورها في مجالات الترجمة والتعليم والتبادل الثقافي.
وتضم المنصة قواميس مثل:
• العربي - الأذربيجاني
• العربي - الإندونيسي
• العربي - الأوزبكي - الإنجليزي
وهي قواميس لا تستهدف الترجمة السطحية، بل تسعى إلى توحيد المصطلحات، ودعم المترجمين والباحثين بمراجع لغوية دقيقة، وتوفير مصادر موثوقة لمتعلمي العربية من غير الناطقين بها، ولمتعلمي اللغات الأجنبية من العرب.
وتعمل المنصة على حوسبة هذه القواميس وإتاحتها رقميًا ضمن بيئة ذكية، تستخدم تقنيات متقدمة لتسهيل البحث، وربط المفاهيم، وتحسين تجربة المستخدم، بما يضع المعجم العربي في قلب التحولات التقنية الحديثة، بعد عقود من بقائه حبيس الورق أو المشاريع الجزئية.
«فَلَك»… المدونة اللغوية بوصفها مرآة الاستعمال
إذا كانت «سِوَار» تعالج البنية المعجمية للغة، فإن منصة «فَلَك» للمدونات اللغوية تذهب إلى مستوى آخر، يتمثل في رصد الاستعمال الحقيقي للغة العربية في نصوصها المتنوعة. فالمدونات اللغوية تمثل العمود الفقري للدراسات اللسانية الحديثة، ولتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لأنها تكشف كيف تُستخدم اللغة فعلًا، لا كيف تُعرَّف نظريًا.
وتُعد «فَلَك» إحدى أضخم المنصات العربية في هذا المجال، إذ تضم:
• أكثر من مليارين ومئتي مليون كلمة
• موزعة على 17 مدونة لغوية
• ومدعومة بـ13 أداة حاسوبية للتحليل والبحث والاستقراء
وهي أرقام تضع العربية في موقع متقدم مقارنة بكثير من اللغات التي سبقتها زمنيًا في هذا المجال.
منصة فلك للمدونات اللغوية
وتوفّر هذه المدونات مادة لغوية ثرية، يمكن اعتمادها في دراسة الظواهر اللغوية، وتحليل التراكيب، وتتبع تطور المفردات، ورصد التحولات الدلالية والأسلوبية، فضلًا عن تمكين الباحثين من إجراء دراسات كمية دقيقة، كانت شبه مستحيلة في السابق.
اللغة العربية والذكاء الاصطناعي.. من الحضور الرمزي إلى الفاعلية التقنية
تكمن الأهمية الاستراتيجية لمنصتي «سِوَار» و«فَلَك» في كونهما تشكّلان معًا بنية تحتية لغوية تخدم مشاريع الذكاء الاصطناعي العربية. فالنماذج اللغوية، وأنظمة الترجمة الآلية، ومحركات البحث، وتقنيات التلخيص والتوليد، كلها تعتمد على بيانات لغوية ضخمة، دقيقة، وممثلة للاستعمال الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، تخدم «فَلَك» علماء البيانات ومهندسي الذكاء الاصطناعي، فيما توفّر «سِوَار» مرجعية مصطلحية ومعجمية دقيقة، تسهم في تحسين جودة النماذج، وتقليل الأخطاء الدلالية، وتعزيز الفهم السياقي للغة.
ولا يقتصر أثر هذه المنصات على المجال التقني، بل يمتد إلى:
• التعليم وصناعة المحتوى
• البحث الأكاديمي واللساني
• الترجمة والتواصل بين الثقافات
• الحفاظ على الهوية اللغوية في العصر الرقمي
مشروع لغوي يتجاوز
اللحظة الراهنة
لا يمكن النظر إلى «سِوَار» و«فَلَك» بوصفهما مشروعين تقنيين معزولين، بل هما مشروع ثقافي معرفي طويل المدى، يعيد رسم موقع اللغة العربية في العالم الرقمي. فهما لا يكتفيان برقمنة الموجود، بل يعيدان التفكير في كيفية إنتاج المعرفة اللغوية، وتداولها، وتوظيفها في المستقبل.
وفي زمن أصبحت فيه اللغة وقودًا للذكاء الاصطناعي، ورأسمالًا معرفيًا في الاقتصاد الرقمي، تمثل هاتان المنصتان إعلانًا واضحًا بأن العربية قادرة على أن تكون لغة علم وتقنية وبيانات، متى ما توفرت الرؤية المؤسسية، والاستثمار المعرفي، والعمل التراكمي المنهجي.