قد يلاحظ كثيرون أنهم يقرؤون كثيرًا لكنهم إذا عادوا إلى كتاب ما أو سُئلوا عنه فإنهم يفاجؤون بأنهم لا يكادون يتذكرون منه شيئًا، أو أن القليل فقط هو ما يعلق في أذهانهم. فأين تكمن المشكلة؟
الحقيقة أن هذا ما يحدث للجميع، ولكن بنسب متفاوتة، حين ينسون أحداثًا مرت بهم أو نصوصًا قرؤوها، كجزء من طبيعة الإنسان نفسه ومن ذاكرته. فالذاكرة لا بد أن تكون مثقوبة، لكن الفرق هو في حجم الثقب؛ كبير أو صغير أو متناهي الدقة.
يخضع تذكُّر المعلومات التي تمر بنا أو نقرؤها إلى المنحنى المعروف بمنحنى النسيان Forgetting Curve (يشبه ما يسمى في الرياضيات الدالة الأسّية المتناقصة)، الذي كان أول من تحدث عنه عالم النفس الألماني هيرمان إبينغهاوس في أواخر القرن التاسع عشر؛ فقد لاحظ هيرمان أن المعلومات التي نكتسبها تبدأ بانحدار حاد جدًّا بعد التعلم مباشرة (ربما خلال الـ 24 ساعة الأولى)، ثم لا يلبث أن يتباطأ نسيانها تدريجيًّا بمرور الوقت حتى تستقر نسبيًّا.
وهكذا فبعد فقدان بعض المعلومات بسرعة في البداية ثم استقرارها، يبقى تأثير القراءة مخزنًا في اللاوعي؛ لأنها تتراكم في الذهن ثم تحدث تأثيرات في أحاديثنا وتصرفاتنا واختياراتنا حتى دون وعي منا. وكمثال بسيط فحينما نقرأ عن الغذاء الصحي مثلًا؛ فإننا ربما لا نتذكر تفاصيل مكونات الأغذية والطعام والشراب وتأثيراتها على أجسامنا، لكن ما قرأناه حولها ينعكس على سلوكيات الشراء لدينا بشكل مباشر حين الحاجة. ولذلك فإن من يقرأ يستفيد في النهاية من كل (أو أغلب) ما يقرأ، حتى إن لم يشعر بأنه استفاد منها، تمامًا كما يستفيد الجسم مما يؤكل ويصبح جزءًا من جسمه حتى إن لم يعلم كيف استفاد منه، أو حتى لو نسي أنه أكله. فنسيان المحتوى لا يعني ضياع الأثر بل يبقى كخيوط في نسيج الحياة لا يمكن رؤيته وحده بل نرى النسيج بكامله.
وهكذا فالقراءة تُعد تجربة وجدانية فكرية مستقرة في العقل، وليست مكتبة ذهنية مخزنة على شكل كتب ومعلومات. وحتى تكرار القراءة والمطالعة لا يمنع النسيان ولا يضمن تثبيت المعلومة لكنه يطيل عمر بقائها وأثرها في وجدان القارئ، منعكسة على لغته وذائقته، وحتى نظرته للحياة.
يقول بعض خبراء الذاكرة إن النسيان بحد ذاته أمر جيد؛ لأنه ليس جميع ما نقرؤه مهمًّا، ويأتي النسيان لكي يتيح للإنسان تذكر ما هو أكثر أهمية ونسيان الأقل أهمية، وكذلك بسبب وجود نشاط عقلي جديد، ومعلومات جديدة يجب أن تكون في المقدمة. ويعبر عن ذلك الفيلسوف الأميركي وليام جيمس حينما يقول: عندما نتذكر كل شيء سنكون مرضى كما لو كنا ننسى كل شيء. ومما قاله الكاتب المهتم بعلوم المستقبل، ألفين توفلر، ومؤلف كتب: الموجة الثالثة، وصدمة المستقبل، وتحول السلطة: لن يكون الأميّون في القرن الحادي والعشرين هم أولئك الذين لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، بل أولئك الذين لا يستطيعون التعلم ونسيان ما تعلموه وإعادة التعلم.
يقال إن من طبيعة الإنسان أنه يميل لتذكر الأمور التي تتوافق مع اتجاهاته، ونسيان ما لا يتفق معها، كما أن المادة المقروءة أكثر قابلية للتذكر حين تكون ذات معنى معقول ولها إيقاع أو موسيقى خاصة.
أما كيف نتجاوز مشكلة النسيان فينبغي أن نعلم أن النسيان أمر طبيعي ويحصل للجميع بل قد يكون نعمة أحيانًا، لكن يمكننا تقليل نسبة النسيان باعتماد ما يسمى القراءة النشطة، التي تتضمن القراءة المعمقة والمركزة، ومحاولة التنبه للفقرات والجمل المهمة، ووضع خطوط تحتها، أو كتابة ملاحظات على هوامش الكتب أو في صفحاتها الفارغة، ما يسهل تذكرها حين الرجوع إليها في أي وقت.
* أحب أن أنسى ولكن أين بائع النسيان؟ زكي مبارك
** **
- يوسف أحمد الحسن
@yousefalhasan