في عوالم الرواية، تكتسب الموائد الممتلئة والأطباق الفارغة معاني تتجاوز حاجات الجسد إلى تعقيدات الذات والمجتمع.
لم يعد الطعام مجرد تفصيل وصفي يضفي واقعية على المشهد، بل تحول إلى لغة سردية قائمة بذاتها، تحمل شفرات الهوية والذاكرة والصراع. يغوص كتاب «مطبخ الرواية: الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير» للناقد الدكتور سعيد العوادي في هذا التحول الجوهري، مفتشاً عن دور الطعام كفاعل رئيس في تشكيل البنى الروائية العربية.
من خلال مقاربة ثقافية وأنثروبولوجية، يتبع الكتاب رحلة الطعام من كونه «مشهداً» زخرفياً في الخلفية، إلى أن يصبح «نسيجاً» مُضفَّراً في قلب الحبكة والشخصيات والرؤية.
تسعى هذه القراءة إلى اقتفاء أثر هذه الرحلة النقدية، وكشف كيف تتحول لقمة الطعام في الروايات المدروسة إلى أداة للتواصل أو سلاح للانتقام، وكيف يصبح المطبخ مسرحاً للعلاقات الدافئة والحروب الخفية، مؤكدة أن ما تأكله الشخصيات الروائية وما تمتنع عنه هو، في جوهره، سرد موازٍ لحكايات الانتماء والرفض والمقاومة.
2. الثقافة والهوية الطعامية:
تُعدُّ الأنثروبولوجيا الغذائية نافذةً رحبة لاستيعاب الثقافة الإنسانية في أعمق تجلياتها اليومية. فمن خلال دراسة الطعام، لا نتتبع مجرد عادات الأكل أو المكونات المحلية، بل نكشف عن أنظمة رمزية قوية وغنية، تحمل في طياتها معاني الهوية، والانتماء، والذاكرة الجماعية. فالطعام ليس وقوداً للجسد يزوده بالطاقة اللازمة للقيام بمهامه اليومية فحسب، بل هو لغة صامتة تبوح لنا بأسرار العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمعات، وتُظهر حدود الممكن والممنوع (الحلال والحرام)، ويرى الأفراد من خلالها الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها، فمفضلاتك الطعامية تعد شهادةً للمستوى الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفرد.
فعندما ندرس سبب رفض بعض الناس لأطعمة بعينها، أو نمعن النظر في السبب الباعث وراء تحضير أطباق خاصة في مناسبات معينة وتجنب أطباقا أخرى، أو نتأمل هجرة الطعام من ثقافة إلى أخرى عبر الحدود، فإننا نحاول فك شفرات الثقافة، للإجابة عن أسئلة كانت ولا تزال تحتاج منا إلى إعادة النظر في المعتادات عند الأفراد داخل ثقافة معينة لتصبح غريبة.
3. الرواية والمجتمع:
المجتمع وعاء تختلط فيه كل هذه العلاقات بين الأفراد وتتشابك، فهو نتاج للواقع؛ الذي تحاول الرواية باعتبارها جنساً أدبياً أن تصوره عبر المحاكاة المتعددة الصور، والتي بإمكانها أن تحاكي نفسها مئات المرات بعد محاكاة الواقعة مرة واحدة، فأرسطو يرى أن الأدب يقدم لنا صورة مشوهة للواقع الحقيقي، على الرغم من أن أدب اليوم نقيض لأدب الماضي ويمكنه أن يقدم لنا صورة حقيقية للواقع الذي أصبح مشوهاً في واقعه الأول وحقيقياً في محاكاته.
وعلى الرغم مما قلنا فإن الرواية تماشت مع قول أرسطو فهي لا تنقل الواقع بحَرفيته، بل تحاوره بذكاء، وتعيد تشكيله من جديد في حلل فنية راقية. فهي ليست مرآة تعكس ظلال الواقع فقط، بل هي عين مجهرية تقف على التفاصيل الخفية، ومتوجسة تعيد الشك في اليقينيات المألوفة، فالرواية وسيلة لنقل الواقع بكل تناقضاته وصراعاته عبر مكوناتها ومن ضمنها الطعام، ثم تولد منه عالماً جديداً وفق نظامها السردي الخالص، وبالرغم من أن هذا الواقع من صنع الخيال أحياناً، إلا أنه يمنحنا فهماً للواقع يفوق أحياناً فهمنا للحياة، لأننا عند قراءتنا للرواية نرى الواقع بعين المحيط بكل الأمور.
4. وصف البناء:
كتاب «مطبخ الرواية: الطعام الروائي من المشهدية إلى التضفير» للكاتب والناقد الدكتور سعيد العوادي الصادر عن دار إفريقيا الشرق بالدار البيضاء 2024م، من الأعمال النقدية الطموحة التي سعت إلى إلقاء الضوء على موضوع غريب، قابع بين ثنايا المنجز الأدبي الإنساني، منتظراً من يكتشف حيله الماكرة في التخفي ليخرجه إلى العلن، والرواية العالمية من بين هذا المنجز الأدبي، وحضور الطعام في الرواية وتوظيفه السردي والدلالي، يسمح بقراءة الطعام باعتباره «نصاً صغيراً ضمن نص سردي كبير» حاملاً لشفرات ثقافية تحتاج منا إلى فك وتأويل.
وقد صنف الدكتور سعيد العوادي كتابه اعتماداً على مقاربة موضوعاتية منفتحة على القراءة الثقافية والتناول البلاغي الموسّع، مع تقسيم الدراسة ضمن ثلاثة فصول رئيسة، يقدم في أولها «روافد الطعام الروائي» التي استقت منها الرواية العربية هذا المكون، سواء من التراث السردي العربي (أخبار الطفيليين والبخلاء، والمقامات)، أو من الرواية الغربية والأمريكية اللاتينية: رواية «إيزابيل جيلبرت»، و»روزيك بوستورينو»، و»لاورا إسكيبيل»، و»أفروديت».
وعُني الفصل الثاني الموسوم بـ»الرواية العربية والطعام المشهدي»، حيث يتتبع الحضور الوصفي للطعام في ست روايات عربية تمثل أربعة فضاءات: فضاء مصر: (رواية: «بين القصرين» لـ «نجيب محفوظ»، ورواية: «الإفطار الأخير» لـ»هشام شعبان»)، وفضاء المغرب (رواية: «بعيدا عن الضوضاء، قريبا من السكات» لـ»محمد برادة»، ورواية: «جيران أبي العباس» لـ «أحمد التوفيق»)، وفضاء سوريا: (رواية: «المهزومون» لـ»هاني الراهب»)، وأخيراً فضاء تونس: (رواية: «الطلياني» لـ»شكري مبخوت»)، ويحلل الكتاب كل هذه الإنتاجات الروائية عبر ثلاثة أنساق دلالية كبرى: «الطعام هوية»، «الطعام رسالة»، «الطعام سلاح».
أما الفصل الثالث للطعام «التضفيري» الذي لم يعد مجرد وصف أو مشهد، بل أصبح بنية سردية تحيك العلاقات والشخصيات والفضاءات، من خلال ثلاث روايات عربية معاصرة، وهي: رواية: «كحل وحَبَّهان» للروائي المصري «عمر طاهر»، ورواية: «برتقال مرّ» للروائية اللبنانية «بسمة الخطيب»، ثم ثالثاً وأخيراً رواية «خبز على طاولة الخال ميلاد» للروائي الليبي «محمد النعّاس».
5. المنهج:
وما يميز هذا الكتاب هو مقاربته الثقافية والبلاغية المفتوحة كما أشار الكاتب في مقدمة كتابه، والتي تجعل من الطعام مدخلاً لقراءة أعمق للرواية العربية، وتكشف عن طبقاتها الرمزية والاجتماعية والنفسية والذوقية. فالأكل ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل هو «جسر عبور إلى الأبنية الخفية» للنص الروائي، كما يرى المؤلف.
ويقدم الكاتب سعيد العوادي قراءة ثرية ومفصلة لأعمال روائية متنوعة، مظهراً كيف يمكن للطعام أن يكون وسيلة لبناء الهوية، أو رسالة حب، أو سلاحاً للسيطرة أو الانتقام، فالكتاب يجمع بين العمق الأكاديمي واللغة المباشرة الواضحة، ويُعد إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية، لا سيما في ظل ندرة الدراسات التي تهتم بالبعد الطعامي في النقد الروائي. وهو يستحق القراءة ليس فقط من قبل المتخصصين، بل وأيضاً من قبل كل قارئ مهتم بكيفية تحويل الحياة اليومية إلى مادة سردية غنية.
6. ما مصدر مكونات الطعام الروائي؟ وما طرق طهوه؟
قبل الحديث عن كيفية أكل الطعام وجب الحديث عن مصدر اقتناء مكوناته الأولية، ثم الطريقة المتبعة لتحضيره داخل الرواية، والكاتب أشار إلى وجود تفاعل نصي بين المسرودات العربية القديمة والروايات الأجنبية الحديثة والمعاصرة، فهي السوق الذي ابتاع منه الروائيون المكونات الطعامية الأولى، فمن الأسواق الداخلية نجد تراثنا العربي القديم المتمثل في الأخبار والمقامات، ومن الأسواق الخارجية نجد الرواية الغربية والرواية الأمريكية اللاتينية.
أما طرق تحضير هذه المكونات فتكمن في إتقان صنعة وصف الطعام وتسريده، بغرض دمجه في عوالمه السردية لينهض بغايات جمالية وثقافية وفكرية مختلفة، ومن بين هذه الغايات بيان الهوية العقدية والثقافية من خلال الطعام، وتحميل الطعام بعداً قيمياً وأخلاقياً يبلغ القارئ داخل الخطاب الروائي، إضافة إلى كشف عورات المجتمع.
7. كيف تأكل الشخصيات الروائية الطعام؟
يأخذ طرح هذا السؤال القارئ إلى دروب الخيال، لأن سؤال الكيف هنا ليس مباشراً إنما أجاب عنه الكاتب سعيد العوادي من خلال وقوفه على وصف الطعام وتسريده عبر مجموعة من الروايات التي سبق وأشرنا إليها في البناء، وقد وفق في توظيف مقاطع وصفية منها تجيب عن هذا السؤال الذي يعتريه الغموض.
ورواية «المهزومون» تظهر لنا أن الطعام آلية لتشييد العلاقة الاجتماعية والحميمية منها بالخصوص، فأقرب طريق لقلب الرجل معدته، والأنثى التي تُحسن إعداد الطعام تكون ناجحة في التأثير على جنس الذكور، بإثارة مشاعر الحب والعشق عندهم، والمرأة كانت ولا تزال أشد توظيفاً لهذا الرمز من الرجل، و»ثريا» وظفت هذه الآلية قصد تقوية العلاقة التي جمعت بينها وبين عشيقها «بشر»، بسلك الطريق الأقرب إلى معدته عندما وصلتها معلومات سرية بأنه يفضل طبق العُصعُص.
ومن الحقائق الخفية التي كشفها كتاب مطبخ الرواية أن المُضيف يتلذذ بمنظر الطعام، والضيف يتلذذ بمذاقه، فالطرف الأول يجد نفسه فيما قدّم؛ فالطعام يفصح عن شخصه ومكانته الاجتماعية، وهو قناة إعلامية تخبر الآخرين من حوله برفعة شأنه وعلو مقامه، أما الطرف الثاني فالطعام يُمكن أن يُعلي من شأنه أو يُسفله، بحسب الغرض من إطعامه، وبحسب نوعية الثقافة السائدة، والمستوى الاجتماعي الذي ينتمي إليه الشخص المستضاف.
ورواية «بعيداً عن الضوضاء، قريباً من السكات» لمحمد برادة، تظهر أن الطعام رسالة يمكن من خلالها معاقبة الآخر، إذا كان مستواه الاجتماعي أدنى من المضيف، فالإسراف في تقديم الطعام وأنواعه وأصنافه، يحقر الضيف في هذه الحالة، ويقزم حجمه ويجعله متوتراً وغير مرتاح، كما قال الدكتور سعيد العوادي، ويرسل للآخر رسالة مشفرة تظهر له شساعة الفوارق الاجتماعية بين الطرفين، فيصبح المضيف بذلك شخصاً سادياً يَعُدُّ ولائمه أدوات يعذب بها ضحاياه.
أما رواية «الإفطار الأخير» لهشام شعبان، فكان النص الطعامي بها مسرحاً واقعياً يكشف عمق المعاناة التي تعيشها قرية صهرجت الفقيرة، ورائحة الفساد التي تفوح من داخل هذا المجتمع الصغير الذي أحاط به الفساد من جميع الجوانب، ليصبح مرتعاً للخيانة بشتى أنواعها، وللنفاق الاجتماعي بكل تلويناته، ورغم ذلك فهم يقدسون أسطورة الإيمان بعدم خيانة الملح في حين نجد أن الخيانة موغلة في مختلف جوانب حياتهم (خيانة الدين والصداقة والأمانة).
فقد وظّف «محمد البياض» وهو إحدى الشخصيات الرئيسة بالرواية الطعام رشوةً يجر بها البطون الجائعة بالقرية للتصويت عنه في الانتخابات، ليتسلسل الفساد منه إلى من حوله من المتواطئين، بداية بمن نظم المأدبة ومن حضّر طعامها نهاية إلى من يأكلون انتقاماً من فاقتهم من جهة ومن تفرد الأغنياء بالخيرات من جهة أخرى، راسماً من خلال هذه المشهدية نهاية هذا القوم الفاسد الذي مسّ فساده طعام العشاء، الذي كان آخر عشاء، ورفع بذلك السارد شعار «الموت للجميع».
والقول بأن المعدة بيت الداء، جعل من الطعام سلاحاً يمكن امتطاؤه لإلحاق الداء بالآخر، ورواية «الطلياني» لشكري مبخوت جعلت من هذا الأمر حقيقة، عندما تعرضت «زينة» للاغتصاب في منزلها بالقرية تحت جنح الظلام وهي شابة فتية، مما دفع بها للشك في أن الفاعل من داخل البيت، فقد شمّت أنفاس أبيها وأخيها في مغتصبيها، مقررة شن هجوم انتقامي ولأنها ضعيفة أمام الأجساد الذكورية الهائجة، ابتعدت عن المواجهة المباشرة، وقررت شن الهجوم من وسط مطبخ المنزل، وبطريقة ناعمة استطاعت الانتقام من خلال الطعام الفاسد الذي كانت تطعمهم، حتى تنخر الأمراض والتعفنات أجسادهم من الداخل، وبطريقة لن يشكوا بها أبداً، وتتلذذ بالانتقام وهما يأكلان حتى الشبع ويتجشآن رائحة البول ومكونات أخرى فاسدة جعلتها جزءا من الوصفة.
8. الطعام حدث أساس في الرواية (التضفير الطعامي):
استطاع الطعام في الرواية العالمية الانتقال من كونه موضوعاً للوصف داخل خطاب السرد، إلى اعتباره موضوعاً أساسياً يرتكز عليه البناء الروائي في شموليته، على حدِّ قول الدكتور سعيد العوادي. وهذا الانتقال أثَّر في الروائيين العرب بالضفة الأخرى، ليصبح الطعام حدثاً أساسياً في الرواية العربية، يتدخل في بنائها السردي وانتقاء شخصياتها وفضاءاتها.
فرواية «كحل وحَبَّهان» للروائي المصري عمر طاهر، جعلت من الطعام الحدث الرئيس الذي يحرك الأحداث ويطورها. وأظهرت بأن الطعام ليس مجرد أطباق يومية نجد أنفسنا مدفوعين بقوة الجوع لتحضيرها، بل موضوعٌ أساسي فطنت إليه الشخصية الرئيسة «عبد الله»؛ إذ أدرك أن الحياة في جميع تجلياتها تدور من حوله، خصوصاً وأنه سارد مشارك يدير دفة الأحداث والعلاقات بمنظور سردي يتكئ على الرؤية من الداخل.
ووجد «عبد الله» في الطعام قناة سهلة لتوطيد العلاقة مع أمه؛ فهو من يقترح عليها الأطباق اليومية بعد أن تخلّى الأب عن هذا الدور. ومما ساعده على ذلك تمهُّله أثناء صعود الدرج حتى يتسنّى له شمّ رائحة طعام الجيران، ليحترف هذا الفعل التَّجسسي ويصبح نوعاً من الشغف يستطيع من خلاله جمع معلومات طعامية مهمة تساعده في تقوية علاقته بأمه. وقد تطور الأمر عندما قرر توسيع دائرة اقتناصه للمعلومات باستهلال حوارات عن الطعام مع من يحيط به.
وقد أصبح مذاق طعام أم «عبد الله» في الرواية مفتاحاً للسعادة، يختزنه في ذاكرته ويبتسم عند الحديث عنه أو تذكّره في حالات استرجاع الماضي. ليتحول الطعام بذلك جسراً لتبادل المشاعر الأسرية، تارة بين الابن والأم وتارة بين الأب والابن. ثم يتطوَّر داخل الرواية ليصبح محوراً تدور حوله مجموعة من الألعاب الشعبية المبتكرة مثل: (لعبة الناس والرائحة). ويستمر الطعام في التطور ليصبح دواءً تداوي به الأم «ابتسام» مرض الاكتئاب جراء وفاة زوجها، «وظلت تداوي اكتئابها المتكرر ببلسم الأكل».
وامتدت العلاقة بين عبد الله والطعام، وإن اختلفت الأطراف المشاركة في رحلته الطعامية؛ فبعد أن غابت الأم حضرت الزوجة. وزاد تقديسه للطعام حين اعتبر أن شهية الطعام تعادل شهية الحياة. وقد وَسَمَ السارد من خلال الطعام كل شخصية: فالأب «ذواق» وليس «أكولاً»، والزوجة «صفية» وصفت بأن في طعامها «حياة الروح». فهي بديل للأم، أودعت بداخله روحاً طعامية جديدة تسعفه على استمرار الحياة من جديد.
أنسنة الرواية للطعام جعلت أطباقها تنضح بما تحمله من حمولة ثقافية في لاوعي السارد، فأصبح كل طبق يُبلِّغ رسالة لمتلقِّيه؛ فهي لغة جديدة مشفرة لا يفهمها إلا الجياع. والسارد من الجياع الذين استهواهم الطعام، مما جعل حركية الطعام تجري في حياة شخصيات روايته، واتخذ بذلك المطبخ المصري مسرحاً لكل هذه الأحداث.
أما بخصوص رواية «برتقال مرّ» للروائية اللبنانية «بسمة الخطيب»، فقد لامس الكاتب سعيد العوادي فيها حركة طعامية فاعلة، حيث إن المطبخ كان عالماً للبطلة «مي» تتحصن دا خله من عذاباتها الجسدية والروحية. وقد انتقل حبها للطهي من كونه ممارسة يدوية إلى ممارسة عقلية ورمزية، وبدأت تبرر الأمر لنفسها وللآخرين من منظور جندري يضفي على الأمر صورة اعتيادية. فهي ترى أن الطبخ عصا سحرية متعددة التخصصات: فهو يشفي آلام الجسد، ويكسب الثقة لمواجهة أعاصير الحياة، وأداة للتعبير عن الحب، ووسيلة للانتقام ممن أساء إليها، وطريقة للتذرع والهروب من الآخر.
ورواية «خبز على طاولة الخال ميلاد» للروائي الليبي «محمد النعّاس»، حيث اتخذ الدكتور سعيد العوادي الخبز مدخلاً للقراءة، يكشف من خلاله عن أحوال كل من «ميلاد» البطل ومجتمعه والشخصيات الأخرى المتفاعلة معه. فالخبز نال مكانة أكبر من مكانة الشخصية البطلة، وكان حلم البطل هو صناعة أكبر عدد من الخبز وبأشكال متعددة، لكن العمَّ لعب دور العنصر المعارض الحائل بين تحقيق هذا الحلم، وقد شبّهه الكاتب سعيد العوادي بأنه رمز المجتمع القاسي.
وأصبح كل شيء يراه «ميلاد» عجيناً يُفجِّر فيه انتقاماته العنيفة من المجتمع الذي طارده باتهامات تجرده من رجولته، ومن زوجته التي قابلت إحسانه لها بالخيانة الزوجية، ومن رسوبه في مهمة تمرير صنعة الخبز لأبنائه كما فعل أبوه، ومن انتقامه من ذاته بعدما فشل في العمل بنصيحة أبيه القائلة: «الملح لا يختلط مع الخميرة». فهو ملح وقد اختلط بالنساء، وجالسهن، وقام بأعمالهن البيتية، متجاهلاً نظرة المجتمع ونصائح أبيه.
9. خاتمة:
وختاما نجد أن رحلة الطعام في الرواية العربية، كما يتبعها كتاب «مطبخ الرواية» بحرفية نقدية لافتة، هي رحلة من الهامش إلى المركز. فقد أوضح الدكتور سعيد العوادي بأن الطعام قد تحرر من قيود الوصفية ليتحول إلى مُكون سردي حيوي، يصوغ الهويات (كحل وحبَّهان)، ويكشف عن الصراعات الجندرية (برتقال مر)، ويعبر عن الأزمات الاجتماعية والذاتية (خبز على طاولة الخال ميلاد)، وبذلك لم تعد وظيفته تقتصر على إشباع جوع الشخصيات، بل صار وسيلتها لإشباع الرغبات، وإعلان الحرب، ومد جسور الحب، وترميم الذات المهشمة.
يتركنا هذا التتبع النقدي الثري مع إدراك عميق: بأن «مطبخ الرواية» هو في الحقيقة مختبر لفحص المجتمع الإنساني. فمن خلال تحليل «وصفات» الروائيين و»أطباق» شخصياتهم، نستطيع فك شفرات ثقافية معقدة، وفهم ديناميكيات القوة، وقراءة تاريخ من العلاقات والانفعالات. الكتاب، بهذا المعنى، لا يفتح شهيتنا للأدب فحسب، بل يمنحنا أدوات جديدة للتذوق؛ حيث يصبح كل طبق روائي مشفرا بمعان تحتاج إلى قارئ ذواق، قادر على اكتشاف أن أعمق الحقائق عن الإنسان قد تُقدم، أحيانا، على صحن من الطعام.
** **
- هشام سطنبولي