تتبعت مفهوم المروءة بهدف الوصول إلى أولى الكُتب التي تناولت المفهوم، وقادني البحث إلى كتاب بعنوان صارخ وسمت به المقال. الشيء المشترك والمفارقة تلتصق بالمؤلف الذي كتب في (المروءة) وكتب في (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب). واسمه: محمد بن خلف المرزبان (ت 309هـ)، الذي أردف العنوان اللافت بمقدمة مٌدوية في ذم الزمان، وفساد الناس، وانحطاط الأخلاق في عصره. الكتاب فيه كلام من جهة ثبوته ونسبته إليه. وقدّم كتابه بهذه الكلمات يقول: (ذكرت أعزّك الله زماننا هذا وفساد مودة أهله وخسَّة أخلاقهم ولُؤم طباعهم وأن أبعد الناس سَفراً من كان سفره في طلب أخٍ صالحٍ، ومن ابتغى صاحبا يأمن زلته ويدوم اغتباطه كان كصاحب الطريق الحيران الذي لا يزداد لنفسه إتعاباً إلا ازداد من غايته بُعداً). وذكر أثر يروى عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- أنه قال: (كان الناس ورقاً لا شوك فيه فصاروا شوكاً لا ورق فيه).
وساق أبياتا لبعض الشعراء في مديح الكلاب، كقول الشاعر:
«إنّ في الكلبِ فاعلمنَّ خِصالاً
من شريف الفعال يعددن خمسا
حِفظُ من كانَ مُحسناً ووفاءٌ
للذي يتَّخِذهُ حرباً وحرسا
واتباعٌ لرحله وإذا ما
صار نطقُ الشجاع للخوفِ همسا».
عنوان الكتاب نقطة جوهرية، أفصحت عن المضمون، وخلّدت الكتاب في التراث العربي، وأبان عن قدرة الأدباء والكُتّاب في تمرير الأفكار وتذليل الحقائق. أعود إلى الدافع الذي أوقفني على الكتاب، والمحرك كان سؤال ماهي أولى الكُتب التي تحدثت عن مفهوم المروءة؟
في طليعة الكُتب كتاب بعنوان (الأدب والمروءة) لصاحبه: صالح بن جناح اللخمي، وتلاه الجاحظ (ت 255هـ)، في رسائله في (المعاش والمعاد)، ثم كتاب (مكارم الأخلاق) لابن أبي الدنيا (ت 281هـ)، وكتاب (مرآة المروءات)، للثعالبي أبو منصور (ت 429 هـ)، وغيرها. والمروءة من الأخلاق، والمفاهيم الجامعة، والسمات المميزة في ثقافتنا العربية والإسلامية، ونال نصيبًا من الاهتمام، وبُث في كتب العلماء في مجالات مختلفة؛ في التفسير، والحديث، والفقه، وكتب السِّير والرقائق والأدب. وجاء المفهوم بدلالات فيها عموم وخصوص تنبئك عن أهمية الموضوع من جهة، وتشعبه من جهة أخرى، وتتصاعد أهمية الموضوع في زمننا الذي اجتاح فيه التفكير المادي الجاف عقول الكثير؛ حتى خفت مفهوم المروءة في الأذهان، وكاد يغيب. ومن خلال بحثي المحدود وقعت على دراسات حديثة نسبيًا في الموضوع منها: كتاب:(المروءة) لسيد عاصم، صدر عام: 1410ه، وكتاب: (المروءة وخوارمها) لمشهور حسن آل سليمان، صدر عام:1420ه، ورسالة ماجستير في جامعة الإمام بالرياض بعنوان:(قيمة المروءة في الإسلام) لغادة عبد الله الزامل. صدرت عام:1432ه. الدراسات السابقة مضى عليها زمن، والزمن عامل يؤثر في مفهوم المروءة ويلصق بالمفهوم معاني مدحٍ وقدح؛ فقديمًا الأكل في الطرقات والأسواق، والرطانة بالأعجمية، من خوارم المروءة، وبمقاييس اليوم الأمر يختلف تمامًا؛ وعائد الاختلاف صيرورة الزمان، وتحول العادات، وتغيّر الأعراف. ويقابل الجانب المتغيّر في مفهوم المروءة جانب كلي ثابت؛ فالمروءة في كل زمان ومكان هي (كمال الرجولية والإنسانية). وقبل أن ألقي القلم أشير لأهمية طَرق هذا المفهوم وبثه في واقعنا، وفي هذا السياق أذكر كتاب حديث أسهب وأمتع وبسط نماذج معاصرة جسدت مفهوم المروءة بواقعنا، عنوانه: (فقه المروءات)، للأستاذ الدكتور: محمد بن إبراهيم الحمد. صدر عام: 1447ه / 2025م، من دار ابن الجوزي.
** **
- إبراهيم بن أحمد الجنيدل
ibrahiem1994@