تقوم رواية «أغنية التمر والتين» للكاتب السعودي عبدالله الحوَّاس على راوٍ مركزي هو محيميد الطفل الأبكم، الذي يتولى سرد حكايته منذ ولادته وحتى مرحلة الشباب. هذه الرحلة السردية لا تُبنى على التتابع الزمني وحده، إنما ترصد تشكّل الوعي داخل ذات مهمَّشة، وفي موازاة تحولات بيئة الأحساء عبر السنين. فمحيميد يرى العالم بجهل الطفل أولاً، ثم يعيد تأمله بوعي الشاب، لتتجاور الرؤيتان داخل النص، كاشفتين عن تناقضات المكان والمجتمع والعلاقات الإنسانية من حوله.
ويكتسب عنوان الرواية دلالته السيمائية من هذا التوازي بين الذات والمكان. فنجد التمر والتين لا يحضران بوصفهما مفردتين بيئيتين فقط إنما كعلامتين رمزيتين تحكمان حركة الشخصيات داخل النص، فنجد التمر مرتبطا بالنخلة يجسد الثبات، والجذور، والصبر الطويل، وهو ما ينعكس في شخصيات ظلَّت أسيرة أدوارها الاجتماعية، وفي محيميد نفسه، الذي بقي ثابتاً في موقعه، محاصَراً بالصمت، ينتظر دون قدرة على التغيير. في المقابل نجد التين الفاكهة الموسمية تجسد التحول في المشاعر والعلاقات العاطفية، والعلاقات التي تتغيَّر حدتها وملامحها مع الزمن، كما لو أن بعض الشخصيات تعيش وفق إيقاع الانفعال لا الاستمرار.
وتضيف كلمة أغنية بعداً وجدانياً إلى هذا النسق الرمزي؛ فالأغنية خطاب غير مباشر، يُقال بالإحساس أكثر مما يُقال بالكلام، وهو ما ينسجم بعمق مع شخصية محيميد، الذي لا يملك الصوت المنطوق، لكنه يملأ السرد بوعي داخلي كثيف، يتحول إلى أغنية طويلة بين ثبات النخل وتقلُّب مواسم التين.
يبني النص عالمه كذلك على ثنائيات متضادة، أبرزها مفارقة الحرية والعبودية. فقرار عتق العبيد، بوصفه فعلاً حكومياً، لا يقود إلى تحرّر كامل؛ إذ يظل الماضي ثقيلاً، وتبقى أسرار العائلات التي خدموا لديها عبئاً نفسياً وأخلاقياً يدفعهم إلى البقاء. الحرية هنا تُمنح شكلاً، لكنها تُسحب مضموناً. وفي المقابل يعيش محيميد، ابن السيد وصاحب الحسب والنسب والمال عبوديته الخاصة، عبودية الصمت والتهميش والوعي المكبوت، ليغدو الامتياز الاجتماعي اسماً دون أثر وقيمة.
بذلك يعيد النص تعريف مفاهيم السيادة والحرية والانتماء، ويجعل العنوان مفتاحاً دلالياً لقراءة الرواية: ثبات قاسٍ في مقابل تحوّل هش، وصمت طويل يُغنّى ولا يُقال. ومن خلال هذا الوعي المتشكّل منذ الولادة، تتحول أغنية التمر والتين إلى شهادة سردية على أن أقسى أشكال العبودية هي تلك التي تستقر في الداخل، لا تلك التي تُعلنها القوانين.
** **
دلال خضر الخالدي - ماجستير في الأدب المسرحي