الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
في لحظةٍ تشهد فيها المدن السعودية تحوّلات عمرانية وثقافية متسارعة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز المعمار بوصفه بناءً ماديًا إلى المعنى بوصفه ممارسة ثقافية: أين تتجسّد الهوية على نحوٍ أعمق وأكثر استدامة؟ أفي المدن ذات الامتداد التاريخي العميق مثل جدة التاريخية والعلا، حيث تراكمت أنماط العيش والعمران عبر القرون؟ أم في مشاريع المدن المستقبلية مثل نيوم، التي تُشيَّد من الصفر وفق رؤى تخطيطية طموحة؟
هذا الحوار مع د. مشاري النعيم، أستاذ النقد المعماري في كلية العمارة والتخطيط بجامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل لـ«الثقافية» يقترب من العمارة لا باعتبارها صورةً أو منتجًا بصريًا، بل بوصفها نتيجةً لنظام ثقافي غير منطوق، تشكّل عبر الزمن من تفاعل الناس مع المكان، ومع المناخ، والمواد، والعلاقات الاجتماعية. وينطلق الحوار من تفكيك المدن التاريخية بوصفها حواضن لـ«شفرات» ثقافية كامنة، لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُفهم عبر السلوك اليومي، والذاكرة الجمعية، وأنماط استخدام الفضاء.
ويمتد النقاش مع د.مشاري النعيم ليشمل أمثلة معاصرة في قلب المدينة، من مشاريع تستعيد التراث بوصفه مشهدًا جاذبًا، إلى رموز معرفية راسخة مثل «دوّار الكتاب» في جامعة الملك سعود، وصولًا إلى تحوّلات علاقة المجتمع بالفضاء العام، وكيف انتقلت المدينة من فراغات مُعدّة بلا حياة، إلى أماكن نابضة حين تغيّر المجتمع نفسه وتبدّلت ذائقته وأنماط حضوره.
وفي هذا السياق، لا تُطرح العمارة بمعزل عن الموسيقى والدراما والفنون، بل بوصفها جزءًا من منظومة سردية وإيقاعية تعبّر عن التجربة الإنسانية وتعقيداتها. كما يُعاد فتح ملف الهوية بوصفها عملية متغيّرة لا قالبًا ثابتًا، ويُطرح سؤال التعليم المعماري ودوره في تخريج مصممين قادرين على قراءة المعنى قبل الشكل، وفهم الثقافة قبل الاكتفاء بالصورة.
التراث والمدينة
عند المقارنة بين «جدة التاريخية «و»العلا « كنماذج لإحياء التراث، وبين «نيوم» كنموذج لبناء مدينة مستقبلية، أين ترى أن دور الثقافة أكثر حضوراً واستدامة في تشكيل هوية المكان؟ وهل يمكن برأيك أن تُغرس الثقافة في مدينة جديدة مثل «نيوم» بالقوة نفسها التي تتجذر بها في المدن ذات الامتداد التاريخي العميق؟
عند المقارنة بين» جدة التاريخية» و»العلا» كمدينتين تاريخيتين تراكمت فيهما الثقافة عبر القرون، فإنه يجب علينا أولًا التفريق في «العلا» بين «مدائن صالح «المرتبطة بالعمارة والحضارة النبطية، وبين «العلا «التاريخية.
إن «العلا التاريخية» ذات نسيج عمراني عفوي وعضوي، نشأ من حياة الناس وثقافتهم اليومية وأسلوب عيشهم. وغالبًا ما نجد في مثل هذه المدن – سواء في جدة التاريخية أو العلا – نظامًا من «الشفرات» الكامنة لدى السكان؛ وهي شفرات غير منطوقة وغير مكتوبة، لكنها تمثّل العُرف المنظِّم الذي قامت عليه المدينة وتطوّر من خلاله جانبها الثقافي.
وإذا كنا نعتبر المنتج المعماري هو الجانب الثقافي المرئي، فإن هذا المنتج في الأصل ثمرة لوجود الثقافة ذاتها؛ فعندما ترتبط «المادة» (عملية البناء) بالثقافة، تبرز الخصائص الجوهرية التي تميّز عمارةً عن أخرى.
لذا، حين نتحدث عن «العلا» أو «جدة التاريخية»، فإننا نستشعر وجود «نظام شفرات» خاص بكل مدينة؛ مرتبط بسكانها، وأساليب حياتهم، وخبراتهم التراكمية في البناء، فضلًا عن احتياجاتهم والوظائف التي طوّروها عبر الزمن، وطبيعة المواد والمناخ المحيط بهم.
ومن هذا المنطلق، يصعب الحديث عن العمارة بمعزل عن الثقافة؛ إذ لا توجد عمارة بلا ثقافة، حتى تلك التي تبدو باهتة، فهي تحمل أبعادًا ثقافية بشكل أو بآخر.
لذا، فإن محاولة تفكيك وفهم المدن التاريخية من منظور بصري ومادي بحت هي محاولة قاصرة، ولن تؤدي إلى نتائج دقيقة.
إن مفتاح فهم هذه العمارة يكمن في إدراك تلك «الشفرات» أو «الكود» غير المنطوق الذي توارثه الناس كتقاليد راسخة. ويتدرّج هذا النظام المعماري إلى مراتب متعددة؛ تشمل أجزاءً ثابتة، وأخرى شبه ثابتة، وشبه مرنة، ومرنة. وغالبًا ما تندرج العناصر المادية والبصرية والفراغية ضمن النطاق «المرن وشبه المرن»، بينما تتركّز الجوانب القيمية التي تحكم أسلوب استخدام الفضاءات المعمارية في نطاق «الثابت وشبه الثابت»
ثقافة نيوم
إلى أي مدى يمكن لمدينة جديدة مثل «نيوم» أن تُنتج ثقافتها الخاصة: هل تتشكل الثقافة عبر الأنظمة والتشريعات وتنظيم أنماط الحياة، أم تنشأ تدريجيًا من تفاعل الناس مع العمارة والمكان عبر الزمن؟
إذا انتقلنا إلى نيوم، مدينة جديدة، هي سوف تجمع أنماط الحياة المعاصرة. هل هناك ثقافة معينة سوف تُفرض على الناس؟ لا يوجد ثقافة يمكن أن يخضع لها الناس إلا من خلال الأنظمة والتشريعات، لأن الأنظمة والتشريعات هي السلطة، والسلطة تستطيع أن تفرض نفسها وتفرض حضورها بقوة، وترتب نظام الحياة في أي منطقة جديدة.
لكن هل الناس – لأن الثقافة هي نتاج تفاعل الناس مع المادة أو مع العمارة – سوف يطبعون نيوم أو المدن الجديدة بطابعهم؟ هذا الموضوع يحتاج إلى وقت طويل، لأنه حتى يستطيع الناس وضع بصمتهم على أي مكان لا بد أن يأخذوا وقتهم. حتى لو كان هذا المكان أخذ في الاعتبار من البداية النظام الثقافي العام للمجتمع السعودي، إلا أن الناس على المستوى الشخصي، ومستوى العلاقة المباشرة بينهم وبين المحيط العمراني الذي يعيشون فيه، غالبًا يكون هناك قبول لبعض الأشياء، ورفض لبعض الأشياء، وتكييف وتطوير لبعض الأشياء.
وبالتالي، إذا سُمح للناس بالتعبير عن ثقافتهم داخل المحيط العمراني في هذه المدن الجديدة، غالبًا هذه المدن سوف تتغير وتتكيف مع ثقافة الناس. أما إذا كانت غير قابلة للتغيير، ويوجد أنظمة وتشريعات تمنع هذا التغيير، فبالتالي غالبًا الناس تكون في مكان غير متكيفة معه بشكل كامل.
لكن قد تتكيف معه الأجيال التالية، يعني الجيل المباشر الذي يسكن هذه المدن الجديدة قد يكون متنافرًا معها كليًا أو جزئيًا، لكن الجيل الذي يليه قد يكون منسجمًا معها أكثر ومتناغمًا معها، لأنه تعود عليها من البداية، وتكيف معها، وتطبع بطابعها.
قيصرية الكتاب
صُممت قيصرية الكتاب في ميدان العدل بمنطقة قصر الحكم بمحاكاة التراث النجدي، مع رواق مسقوف ووجود مكتبات ومقاهي قراءة وبرامج أسبوعية. من منظورك النقدي، إلى أي مدى نجح هذا المشروع في جعل الثقافة جزءاً عضوياً من الحياة اليومية في قلب الرياض التاريخي؟
عندما نتحدث عن «قيصرية الكتاب»، وهنا لا بد من التفريق بين العمارة بوصفها إنتاجًا ثقافيًا أصيلًا، وبين استعادة المشهد التاريخي التقليدي بوصفه فعلًا استحضاريًا قد يحرّك ذاكرة الناس ويعيدهم إلى أنماط من الحياة كانت قائمة في السابق، وقد يكون جزءًا من الترفيه المعاصر.
فثمة فرق بين عمارة حقيقية نابعة من الثقافة، وعمارة تُنشأ لدعم السياحة وتعزيز حضور المكان بوصفه فضاءً جاذبًا. ففي مثل هذه المشاريع، نحن أمام إنشاء «محطة جذب»، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل ما يُقدَّم هنا يُعد عمارة حقيقية؟ هل هو نابع من الثقافة نفسها، أم أنه مجرد نسخ لعمارة تاريخية ومحاولة لإعادة إنتاجها؟
لا أعارض نسخ العمارة التاريخية إذا كانت لأهداف سياحية محددة وواضحة، غير أننا لا نستطيع في هذه الحالة أن نعدّها إضافة إلى الحراك المعماري أو إلى الفكر النقدي في مجال العمارة. فمثل هذه المشاريع لا تمارس تأثيرًا فكريًا حقيقيًا في تطور العمارة، وإن كانت بلا شك مؤثرة من الناحية السياحية، وتنجح في خلق مساحات جاذبة للناس، وهو أمر طبيعي ومفهوم.
فالناس بطبيعتهم ينجذبون إلى هذا النوع من الفضاءات، لكن ينبغي التمييز بين عمارة تُحدث حراكًا وتشكّل نقطة تحوّل في مسار تطور العمارة، وبين عمارة موجّهة للاستهلاك. ومن هذا المنطلق، يمكن توصيف هذه المشاريع بوصفها نموذجًا لـ«الاستهلاك الثقافي» (consuming culture)، إذ تُظهر إلى أي مدى يمكن للتراث العمراني والعمارة التاريخية، بما يرتبط بهما من ثقافة وذاكرة ممتدة، بصرية واجتماعية، أن تُحرّك الثقافة على المستوى الفردي، لا على مستوى إنتاج عمارة جديدة.
فهي لا تمثل إضافة حقيقية للعمارة من حيث الابتكار أو التطوير، لكنها في المقابل تؤدي دورًا ثقافيًا من خلال جذب المثقفين والناس إلى الاجتماع والحوار ومناقشة الكتاب، وتوفير بيئة مريحة تهيّئ لقيام حوار ثقافي حي.
ومن هذا المنظور، لا أرى أن تكرار مثل هذه المشاريع على نطاق واسع أمر مطلوب، لكن وجود عدد محدود منها بوصفها محطات جذب ثقافي تشجّع على اللقاء والحوار، وتستثير الذاكرة الجمعية، يمكن النظر إليه بوصفه أمرًا إيجابيًا. غير أنه ينبغي ألا نخلط بين هذا الدور الثقافي والاجتماعي، وبين العمارة بوصفها فعلًا تجديديًا أو إضافة نوعية إلى الحقل المعماري.
دوار الكتاب في جامعة الملك سعود
كيف تقيّم دوّار الكتاب في جامعة الملك سعود بوصفه رمزاً معرفياً ذا دلالة تاريخية؟ وإلى أي حد نجح تصميمه في تحويل هذه الرمزية إلى تجربة مكانية مؤثرة في وعي الطلاب وحياتهم اليومية داخل الحرم الجامعي؟
يمكن القول إن جامعة الملك سعود افتُتحت تقريبًا عام 1984م، وهو العام الذي التحقتُ فيه بالجامعة. وعلى الرغم من أن دراستي كانت في جامعة الملك فيصل بالدمام، فإن زيارتي لجامعة الملك سعود تركت لديّ انطباعًا خاصًا، وكان أكثر ما شدّ انتباهي حينها هو «دوّار الكتاب»، لكونه يقع عند مدخل الجامعة.
وبوجه عام، تُعدّ المجسّمات الجمالية عناصر بالغة الأهمية لسببين رئيسين: أولهما تأثيرها الواضح في تغيير الذائقة الجمالية وصناعة المشهد البصري الاجتماعي؛ فمن خلال هذه المجسّمات تُثار الأسئلة لدى المتلقّي، وهذه الأسئلة ترتبط بالذائقة: كيف نرى الأشياء؟ وكيف نفهم دلالاتها البصرية؟
ويُعدّ دوّار الكتاب من المجسّمات المبكرة التي حملت دلالة واضحة، إذ إن الارتباط بين الجامعة والكتاب ارتباط مباشر وطبيعي، ومن ثمّ فإن وجود مجسّم الكتاب لا يبدو مفاجئًا لزائر جامعة الملك سعود، سواء كانت زيارته الأولى أم الزيارات اللاحقة.
وعلى مدى الأربعين سنة الماضية، كنتُ في كل مرة أمرّ بهذا الدوّار ألتفت إلى مجسّم الكتاب، وأتذكّر أنني داخل حرم أكاديمي، وأن للكتاب قدسية خاصة لدى الطالب والأستاذ على حد سواء.
وأود هنا الإشارة إلى مسألة مهمّة، وهي أن المجسّمات ترتبط في المقام الأول بتطوير الذائقة الجمالية والبصرية، وتنمية حسّ التذوّق لدى الأفراد والمجتمع. والسؤال المطروح: هل يسهم هذا المجسّم في ذلك؟ ربما يكون إسهامه محدودًا من هذه الزاوية.
أما الهدف الثاني للمجسّمات، فيتمثل في إيصال الرسائل؛ سواء كانت ثقافية، أو اجتماعية، أو تاريخية. وقد شاهدنا العديد من المجسّمات التي تناولت شخصيات تاريخية، وأخرى جسّدت أحداثًا تاريخية. ورغم أن بعض هذه الأعمال قد تكون محدودة القيمة الجمالية، فإنها تبقى ذات أهمية في استحضار الذاكرة الجماعية وتحفيزها.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الدوّار نجح بدرجة كبيرة في أداء الرسالة التي أُنشئ من أجلها. ومن الإيجابي أنه جرى الحفاظ عليه حتى اليوم، وأتمنى ألّا يُزال مستقبلًا، لا سيما في ظل ما نشهده من إزالة بعض الدوّارات وتغيير معالم شكّلت ذاكرة الناس لسنوات طويلة. فدوّار الكتاب لا يزال يحمل رسالة مهمّة، رسالة متصلة بالتعليم، والقراءة، وحرمة العمل الأكاديمي، وقيمته العالية، وهي قيم بدأت – للأسف – تتراجع في نظر كثير من الناس، في وقت لم نعد فيه نحتفي بالكتاب ودوره كما ينبغي، ولم نعد نغرس قيمته في نفوس أبنائنا بالقدر الكافي.
علاقة الناس بالمكان
إلى أي حد أسهمت التحولات الاجتماعية الأخيرة في إعادة تشكيل علاقة الناس بالفضاء العام، وما الدور الذي يمكن أن تلعبه العناصر العمرانية والثقافية - من أكشاك الكتب والمقاهي الأدبية إلى بيوت الثقافة - في صنع فضاءات نابضة بالحياة تتجاوز كونها مجرد طرق ومبانٍ؟
علاقة الناس بالمكان وبالفضاء العام (Public space / Public place) هي علاقة جدلية في جوهرها، وليست علاقة أحادية الاتجاه. وخلافًا لما يذهب إليه بعض المختصين، فإن الأساس في تشكّل الفضاء العام ليس المكان بحد ذاته، بل الإنسان والمجتمع. فليس صحيحًا أن تجهيز الأمكنة كفيل وحده بجذب الناس، بل العكس هو الأصح؛ حين يمتلك المجتمع استعدادًا للاجتماع والاحتفاء بالفضاء العام، تتشكّل هذه الفضاءات تلقائيًا وتكتسب معناها.
هذا ما شهدناه في السعودية، وتحديدًا في الرياض. فقد وُجدت لعقود ساحات عامة مميزة، مثل ساحة الكندي في حي السفارات، وساحة الوطن قرب المتحف الوطني، لكنها بقيت شبه مهجورة، لا تحتفي بها الأسرة السعودية، وإن ارتادها بعض المقيمين. لم يكن الخلل في المكان، بل في غياب الرغبة الاجتماعية في استخدامه.
ومع بدايات التحول الاجتماعي، وقبل الانفتاح الكبير، بدأ المشهد يتغير تدريجيًا. تحوّل طريق الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية) إلى فضاء للقاء الاجتماعي، وظهرت فيه نشاطات ثقافية وسياحية. كما سبقت ذلك مشاريع مسارات المشي منذ عام 2006 تقريبًا، في طريق الملك عبد الله، وهي جهود ارتبطت بمفهوم Walkability، أي قدرة المدينة على تشجيع الحركة البشرية، لا مجرد إنشاء مسارات جامدة.
لكن التجربة أثبتت أن المسارات وحدها لا تكفي إن لم يكن هناك مجتمع راغب في استخدامها. فعلى مدى ثلاثين أو أربعين عامًا، امتلكت الرياض فضاءات من أجمل ما يكون، دون أن تجد إقبالًا حقيقيًا. وعندما بدأ المجتمع يتغير، وتراجعت التابوهات الاجتماعية، وخرجت الأسرة السعودية للاحتفاء بالفضاء العام بكل فئاتها، اكتسب المكان قيمته، وظهرت فضاءات جديدة لم تكن متوقعة.
حتى المولات المغلقة لم تكن حلًا نهائيًا؛ فالمشكلة ليست في التكييف، بل في الرغبة. ومن هنا برزت الأماكن المفتوحة مثل “ذا زون” و“البوليفارد”، بوصفها نتاجًا لتحولات اجتماعية عميقة، شملت الانفتاح الثقافي، وتمكين المرأة، وتغير نمط الحياة. ومع تغيّر ذائقة الجمهور، تغيّرت العمارة والفضاء العام تبعًا لذلك.
يمكن القول إن ولادة الفضاء العام الحقيقي في السعودية لم تكن مفروضة من الأعلى، بل جاءت استجابة لتحول اجتماعي عميق، طلب المكان، فوجد المكان دوره ومعناه.
العلاقة بين العمارة والموسيقى
كيف ترى العلاقة العميقة بين العمارة والموسيقى والدراما بوصفها فنوناً مختلفة لكنها تتقاطع في قدرتها على تصوير الحياة الإنسانية، وما الذي يكشفه هذا التلازم عن دور المكان - بصورته وصوته وسرده - في التعبير عن التجربة البشرية وتعقيداتها؟
العلاقة بين العمارة والموسيقى والدراما علاقة متداخلة، ويمكن تسميتها بالدراما المكانية أو «الدراما-كان». فالموسيقى، خصوصًا الكلاسيكية، هي في جوهرها تصوير لأحداث وقعت في مكان ما، ومحاولة تصوير المكان بالصوت تمثل تحديًا إبداعيًا عاليًا. ولهذا ترتبط الموسيقى بالدراما، كما ترتبط العمارة بهما معًا.
العمارة في حقيقتها قصة درامية، لكنها تقوم في الوقت ذاته على الإيقاع. فلا توجد عمارة ذات قيمة جمالية من دون إيقاع، والإيقاع هو شكل من أشكال الموسيقى البصرية. ولهذا يُنظر إلى العمارة أحيانًا بوصفها «موسيقى بصرية»، وهو توصيف قد يبدو فضفاضًا، لكنه يعبّر عن التشابك العميق بين هذه الفنون في سعيها المشترك لصناعة الجمال والتأثير.
نحن نشعر بالجمال بالصوت كما نشعر به بالبصر، وكما نشعر به عند قراءة الشعر أو متابعة عمل درامي محبوك. والفنون التشكيلية، بدورها، ترتبط بالعمارة وتسهم في سرد القصص، شأنها شأن الموسيقى والدراما. وإذا أردنا توسيع الدائرة، فإن هذه الفنون مجتمعة تُعد من أكثر الفنون قدرة على مخاطبة حواس الإنسان وإثارة إحساسه بالجمال وتذوقه.
ولا تكتمل هذه الفنون من دون حكاية؛ فالعمارة من دون قصة تظل مجرد مبنى. والمباني، بوصفها أكثر الفنون بقاءً، تستمر بعد ذهاب الناس. هناك مبانٍ عمرها آلاف السنين ما زالت قائمة، تحمل في تكوينها تراكم وجود الإنسان وإحساسه وتذوقه للمكان.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الموسيقى الكلاسيكية بوصفها محاولة لتصوير مشهد درامي كامل عبر الصوت، لا باعتبارها نغمة أو طربًا فقط، بل كقصة تحتاج إلى متلقٍ قادر على التفكيك والفهم والتأمل.
** **
@ali_s_alq