بعيدًا عن الحِجاج الأخلاقي والدفاع الأيديولوجي الذي هيمن على معظم النقاشات الرقمية، تُقدِّم بنات الرياض مادة واضحة للنقد الفني المباشر بوصفه نصًا سرديًا قبل أن يكون قضية اجتماعية. فاعتماد الرواية على بنية الرسائل الإلكترونية يمنح السرد طابعًا تواصليًا سريعًا يتناسب مع طبيعة الحكي، لكنه في المقابل يحدُّ من العمق النفسي للشخصيات؛ إذ يغلب السرد الإخباري والتقريري على البناء الدرامي، فتبدو الشخصيات أقرب إلى نماذج اجتماعية تمثيلية منها إلى ذوات سردية تنمو بالصراع الداخلي. هذا الاختيار البنيوي يفسِّر شعور بعض القرَّاء بأن الرواية «تحكي كثيرًا وتُجسِّد قليلًا».
لغويًا، تمزج الرواية بين الفصحى والدارجة في محاولة لمحاكاة الواقع التداولي للشخصيات، غير أن هذا المزج، رغم مشروعيته السردية، يفتقر أحيانًا إلى الانضباط الأسلوبي، فيتحول من تقنية تعبيرية إلى سطحية لغوية تُضعف التوتر الجمالي للنص. كما أن اعتماد (الفضح التدريجي) محرِّكًا للسرد يجعل عنصر الإثارة يتقدَّم على التطور الفني، وهو ما يفسِّر نجاح الرواية جماهيريًا وإعلاميًا أكثر من نجاحها جماليًا، وهو مأخذ نقدي لا علاقة له بالموقف الأخلاقي من العمل، بل بأدواته الفنية وحدودها.
غير أن هذا المستوى من القراءة يكاد يغيب في التغريدات التي ناقشت الرواية. فبدل مساءلة البنية السردية أو اللغة، انشغل الخطاب بحِجاجٍ قيمي مباشر، كما في تغريدات من قبيل: «بنات الرياض لا تمثِّل المجتمع السعودي، وهي تشويه متعمَّد له»، أو» هذه ليست رواية، بل تطبيع مع سلوكيات مرفوضة». هنا يُستبدل النقد بالاحتكام إلى معيار خارجي ثابت، ويُحاكم النص على ما يُفترض أنه يقول عن المجتمع، لا على كيفية بنائه فنيًا، وهو حِجاج يهدف إلى الإدانة لا الفهم.
في المقابل، وقعت تغريدات دفاعية في اختزالٍ مضاد، حين رُفع العمل إلى مستوى الشعار، كما في قول بعضهم: «الهجوم على الرواية سببه الخوف من الحقيقة»، أو»من ينتقد بنات الرياض يرفض صوت المرأة». هذا النمط لا يقل حِجاجية عن سابقه؛ إذ يستبدل التحليل الفني بتأويل نوايا الخصم، ويحوِّل النص إلى أداة اصطفاف أيديولوجي، لا موضوع قراءة نقدية.
بين هذين الطرفين، غابت التغريدة التي تسأل: كيف اشتغل السرد؟ كيف بُنيت الشخصيات؟ ما وظيفة اللغة؟ وتحول النقاش من نقدٍ يقرأ النص إلى حِجاجٍ يوظِّفه، ومن تفكيكٍ للأدوات إلى محاكمةٍ للنتائج. وهذا الخلط بين ما تقوله الرواية وكيف تقوله هو ما يحذِّر منه تزفيتان تودوروف حين يؤكد أن قيمة النقد الأدبي تكمن في تفكيك آليات الخطاب وفهم منطقه الداخلي، لا في تسخيره لإثبات موقفٍ أخلاقي أو اجتماعي مسبق.
في المحصلة، لا تكمن أزمة الجدل حول بنات الرياض في الرواية ذاتها بقدر ما تكمن في طريقة تلقيها؛ إذ طغى الحِجاج القيمي على النقد الفني، فتحوّل النص إلى ساحة إثبات مواقف لا موضوع قراءة. وحين يُختزل الأدب في سؤال: ماذا يقول عنَّا؟ يُغلق باب السؤال الأهم: كيف كُتب؟ إن استعادة هذا السؤال ليست ترفًا نقديًا، بل شرطٌ لعودة النقاش من الضجيج إلى الفهم، ومن الاصطفاف إلى القراءة.
فالأدب لا يُنصفه الدفاع ولا الإدانة، بل يُنصفه النقد الذي يشتغل على أدواته قبل أن يحاكم نتائجه.
** **
- د.راشد خليفة الرحيمان