نظمت جمعية الأدب المهنية عبر سفارتها بالوشم، محاضرة علمية مساء يوم الجمعة الموافق 16 يناير 2026م، حضرها جمع من الأدباء والمثقفين، وأدار المحاضرة د. عبدالعزيز بن عبدالله الخراشي، وقدم الأمسية د. سعود بن سليمان اليوسف ؛ ثم ألقى كلمة السفارة د. عبداللطيف بن محمد الحميد، وافتتح د. الخراشي الأمسية بكلمة رحب فيها بالضيف وبالحضور، وبعد ذلك ألقى الضيف أ.د.عبدالعزيز بن محمد الفيصل، المحاضرة وفيما يلي نصها:
«ارتبط الإنسان بحب المكان الذي نشأ فيه أو أقام فيه سنوات من عمره، والمكان يكون صحراء أو مورد ماء أو قرية أو مدينة، فحب المكان أنطق الشعراء بالشعر الجيد فتصدر المكان صدر القصيدة، والمكان في الجزيرة العربية يحل سويداء القلب، فهو باعث الشعر وجالب الرؤى وجامع التخييل، به يلتئم الشعر وتتوارد الخواطر، فكأن شياطين الشعر تقطن بجانبه، وأرواح الأحبة تطير في سمائه، لقد مالت القلوب إلى سماعه وطار الطيف إلى الحلول فيه، فما أعذب لفظه وأحلى لحن حروفه، فكلماته نغمات تجلب السرور، وذكرياته تغمر بالفرح والهناء والحبور، أنطق القريب منه بالشعر الرقيق وأوحى إلى البعيد عنه بمعاني الحب، فنسجت الأشعار فيه بالوحي وهامت الخيالات فيه بالسماع، فيا ليت شعري ما الذي أودع في المكان في الجزيرة العربية حتى يسحر الشعراء، ويضفي ظله على خيالاتهم فتجود بما لم يستطيعوا قوله في غيره، إنه سؤال يصعب الجواب عنه، ولكن المكان يُسأل فيجيب، قال مجنون ليلى:
وأجهشتُ للتُّوباد حين رأيتُه
وكَبَّر للرحمن حينَ رآني
وإن رأى الشاعر المكان صامتاً رفع صوته طالباً الكلام من المكان، قال عنترة:
يا دار عَبلةَ باِلجِواء تكلّمي
وعِمِي صَبَاحاً دارَ عَبلَةَ واسلمي
والمكان يشهد على الحوادث، قال عمرو بن الأسلع العبسي:
إن السماء وإنَّ الأرضَ شاهدةٌ
واللهُ يشهدُ والإنسانُ والبلدُ
والمكان رمز البعد، قال طرفة:
فذرني وخلقي إنني لك شاكر
ولو حل بيتي نائياً عند ضَرغَدِ
ويرمز للمكان بالخصب، قال المتلمس الضُّبَعي:
فهذا أوانُ العِرضِ جُنَّ ذُبابُهُ
زَنَابيرُهُ والأزرَقُ المُتلَمِّسُ
وقد يكون المكان رمزاً للبخل، يقول الحطيئة في الزبرقان بن بدر:
مُقيمٌ على بَنبانَ يَمنعُ ماءهُ
وماءُ وشيعِ ماءُ عطشانَ مُرمِلِ
وقد يكون المكان رمزاً للجوع، يقول يزيد بن ضابئ بن رجاء الكلابي:
بسمنانَ بولُ الجُوع مُستنقعاً به
قد اصفرَّ من طُولِ الإقامةِ حائِلهُ
ببرقائه ثُلثٌ وبالخرب ثلثهُ
وبالحائطِ الأعلىَ أقامت عَيائِلُه
لهُ صُفُرةً فوقَ العُيُونِ كأنَّها
بَقَايَا شُعاعِ الأُفقِ والليلُ شامله
ويسعف المكان الشاعر في صنع الصورة، يقول عمرو بن كلثوم:
وأعرضتِ اليمامةُ واشمَخرَّت
كأسيافِ بأيدي مُصِلِتينا
والمكان يرشد إلى نوع نباته، قال النابغة الذبياني في هجاء النعمان بن المنذر:
حدِّثوني بني الشقيقةِ ما يَمـْ
نع فَقعاً بِقَرقرٍ أن يزولاَ
فالقرقر (القاع) منبت الفقع. والمكان يرشد إلى قبر الشاعر ومكان وفاته، يقول امرؤ القيس لما أحس بقرب وفاته:
رُبَّ خُطبةِ مسحنفرة
وطعنةٍ مثعنجرة
وجَفْنَة متحيرة
حلَّت بأرضِ أنِقرة
ولا يخلو شعر شاعر من ذكر المكان، فهذا طرفة معجب بنخيل ملهم، فيقول في هجاء زوج أخته عبد عمرو بن مرثد:
وَلا عَيبَ فيهِ غَيرَ أَنَّ لَهُ غِنىً
وَأَنَّ لَهُ كَشحاً إِذا قامَ أَهضَما
وأن نِساءُ الحَيِّ يَعكُفنَ حَولَهُ
يَقُلنَ عَسيبٌ مِن سَرارَةِ مَلهَما
وهذا زهير يجعل محط ظعائنه في ماء اختاره في وادي الرس، يقول:
بَكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحْرَنَ بِسُحْرَةٍ
فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ
ولبيد بن ربيعة العامري يذكر نوار وأنها حلت بفيد يقول:
مُرِّيَّةٌ حَلَّت بِفَيدِ وَجاوَرَت
أَهلَ الحِجازِ فَأَينَ مِنكَ مَرامُها
والحارث بن حِلِّزَة يذكر ثهلان في قوله في أعدائه:
وحَمَلناهمُ على حَزْمِ ثَهْلا
نَ شِلالاً ودُمِّىَ الأَنساءُ
وعبيد بن الأبرص الأسدي يعد الأماكن الخالية ومنها عَرَدة، يقول:
فَعَرْدَةٌ فَقَفا حَبِرٍّ
لَيْسَ بِها مِنْهُمُ عَرِيبُ
والأعشى يذكر بلدته منفوحة في قوله:
شاقَتكَ مِن قَتلَةَ أَطلالُها
بِالشِطِّ فَالوِترِ إِلى حاجِرِ
فَرُكنِ مِهراسٍ إِلى مارِدِ
فَقاعِ مَنفوحَةَ ذي الحائِرِ
ويقول في نِمار:
قالوا نِمارٌ فَبَطنُ الخالِ جادَهُما
فَالعَسجَدِيَّةُ فَالأَبلاءُ فَالرِجَلُ
وجحدر اللص يذكر حَجراً (الرياض)
وَإِنَّ اِمـرأً يَـغـدو وَحَـجرٌ وَراءَهُ
وَجَــوٌّ وَلا يَــغ ـزوهُـمـا لَضَـيـعـفُ
إِذا حُـلَّةٌ أَبـلَيتُها اِبتَعتُ حُلَّةً
كَـسـَانِيَهَا بِها طَوعُ القِيادِ عَليفُ
سَعى العَبدُ إِثري ساعَةً ثُمَّ رَدَّهُ
تَذَكُّرُ تَنّورٍ لَهُ وَرَغيـفُ
وترد حَجر (الرياض) في شعر ذي الرمة، يقول:
تزاورن عن قران عمداً ومن به
من الناس وازورت سِواهُنَّ عن حجرِ
ويقول جرير ذاكراً (ملهم):
كأنَّ أحداجهمْ تحدي مقفيةً
نخْلٌ بمَلْهَمَ أو نَخلٌ بقُرّاناَ
وأبونخيلة الشاعر، قال في ملهم:
بقرّان فتيان سباط أكفّهم
ولكنّ كرسوعا بملهم أجذما
ألا تتّقون الله أن تحرموا القرى
وأن تسرقوا الأضياف يا أهل ملهما!
ومن سُلطة المكان على الشعراء أن الأبيوردي الشاعر أكثر قول الشعر في نجد، وهو لم يرها، يقول في نجد:
أُلامُ عَلى نَجدٍ وَأَبكي صَبابَةً
رُوَيدَكَ يا دَمعي وَيا عاذِلي رِفقا
فَلي بِالحِمَى مَن لا أُطيقُ فِراقَهُ
بِهِ يَسعَدُ الواشي وَلكنَّني أَشقَى
وَأُكرِمُ مِن جيرانِهِ كُلَّ طارِئٍ
يَوَدُّ وَداداً أَنَّهُ مِن دَمي يُسقَى
إِذا لَم يَدَعْ مِنّي نَواهُ وَحُبُّهُ
سِوى رَمَقٍ يا أَهلَ نَجدٍ فَكَم يبقى
ونجديات الأبيوردي تمثل نصف ديوانه، وقد شُرِح قسم النجديات شروحاً كثيرة مما يدل على أثر المكان في الشعراء سواءً البعيد عنه أو القريب منه.
وهناك شعراء حول شقراء من فحول شعراء العربية، منهم جرير في أثيفية (أثيثية)، والراعي النميري في قرماء (ضرماء)، وقصيدة جرير في الراعي النميري مشهورة، ومنهم الصمة القشيري في تبراك والريب (الرين)، والمرار بن منقذ العَدَوِي في أشىّ، وقد كان بين المرار وجرير تنابذ بالهجاء ولكن هجاء جرير في المرار أقسى من هجاء المرار في جرير.
والمرار أخو زياد بن منقذ صاحب القصيدة في شقراء، يقول جرير في هجاء المرار:
فإن كنتمُ كَلْبىِ فعندي شِفاؤكمُ
وللجنّ إن كان اعتراكَ جنونُ
وما أنت يا مرارُ يا زبد استها
بأول من يشقى بنا ويحين
تقلِّب يا مرَّار عينيك سادرًا
وكبشة وسط الشاربين زفون
بوادى أشىّ الخبث يا آل منقذ
معاذر فيها سرقة ومجون
ومن الشعراء حول شَقْرَاء زياد بن منقذ العدوي صاحب القصيدة في شقراء، وأورد القصيدة كاملة لأن المصادر تورد جزءاً منها، ويندر أن تجدها كاملة في مصدر، يقول زياد بن منقذ العدوي:
لا حَبَّذا أَنتِ يا صَنْعاءُ مِن بَلَدٍ
ولا شَعُوبُ هَوىً مِنِّي ولا نُقُمُ
ولَنْ أُحِبَّ بِلاداً قد رَأَيْتُ بِها
عَنْساً، ولا بَلَداً حَلَّتْ به قُدُمُ
يَرْضَخْنَ صُمَّ الحَصَى في كُلِّ هاجرَة
كما تَطايَرَ عن مِرْضاخِهِ العَجَمُ
يَغْدُو أَمامَهُمُ في كُلِّ مَرْبَأَةٍ
طَلاَّعُ أَنْجدَةٍ في كَشْحِهِ هَضَمُ
وقوله:
وحَبَّذَا حينَ تُمْسِي الرِّيحُ بارِدَةً
وادِي أُشَىَّ وفِتْيانٌ به هُضُمُ
وقوله:
مَتَى أَمُرُّ على الشَّقْراءِ مُعْتَسِفاً
خَلَّ النَّقا بِمَرُوحٍ لَحْمُهَا زِيَمُ
والوَشْمُ قَد خَرَجَتْ مِنْه وقابَلَها،
مِن الثَّنايا التي لَمْ أَقْلِها، ثَرَمُ
بَلْ لَيْتَ شِعْرِيَ عن جَنْبَيْ مُكَسَّحةٍ
وحَيْثُ يُبْنَى مِن الحِنّاءةِ الأُطُمُ
وفد نسبت الحروب إلى المواضع، فالحرب بين عرب الشمال بقيادة كليب بن ربيعة وعرب الجنوب بقيادة سلمة بن الحارث بن آكل المُرار الكندي، نسبت الحرب إلى جبل خزاز، وكان السفاح التغلبي (واسمه سلمة بن خالد) يوقد النار في قمة جبل خزاز بأمر كليب، قال السفاح التغلبي:
وَليْل بِتُّ أوقِدُ في خَزَازي
هَدَيْتُ كَتَائِبًا مُتَحَيِّراتِ
وقال عمرو بن كلثوم التَّغْلِبي في يوم خزاز:
وَنحنُ غَداةَ أُوقد في خَزَازى
رَفَدْنا فَوْقَ رَفْدِ الرَّافِدِينا
وقال شاعر القبائل اليمنية ابن الحائكِ:
كانَتْ لَنا بِخَزَازَى وقْعةٌ عَجَبٌ
لمَّا التقينا وحادِي المَوْتِ يحْديهَا
مِلْنا على وائِلٍ في وَسْطِ بلْدتها
وذُو الفَخَارِ كُلَيْبُ العِزِّ يَحْميها
وقوله:
وحَبَّذَا حينَ تُمْسِي الرِّيحُ بارِدَةً
وادِي أُشَىَّ وفِتْيانٌ به هُضُمُ
وقوله:
مَتَى أَمُرُّ على الشَّقْراءِ مُعْتَسِفاً
خَلَّ النَّقا بِمَرُوحٍ لَحْمُهَا زِيَمُ
والوَشْمُ قَد خَرَجَتْ مِنْه وقابَلَها،
مِن الثَّنايا التي لَمْ أَقْلِها، ثَرَمُ
بَلْ لَيْتَ شِعْرِيَ عن جَنْبَيْ مُكَسَّحةٍ
وحَيْثُ يُبْنَى مِن الحِنّاءةِ الأُطُمُ
وتنسب الممالك إلى المواضع فمملكة كندة تنسب إلى عقيق تمرة في جنوبي نجد، ومملكة أكيدر تنسب إلى دُومة الجندل، في شمالي نجد، ومملكة حُجْر والد امرئ القيس تنسب إلى القنان في وسط نجد.
وإذا كان حديثنا عن المواضع وشقراء موضع وماء قبل أن تكون قرية ثم مدينة فالذين استوطنوا شقراء قبل ظهور الإسلام أو أول ظهوره استوطنوا ماء شقراء، وأول من استوطن هذا الماء قبيلة لام الطائية القحطانية، فقبيلة لام نزلت من جبلها أجاً وسلمى وكثرت حروبها مع القبائل المختلفة فهزمت عدة هزائم مما قلل عددها وأضعف شأنها، وقد استوطنت شقراء في آخر أمرها فاصطدمت بالقبائل العدنانية بني نمير في الجنوب وبني كلاب في الشمال والغرب، هذه القبائل الثلاث اثنتان عدنانيتان وواحدة قحطانية، وكل واحدة ترد ماء شقراء فيحصل النزاع ثم الحروب، وبما أن قبيبلة بني نمير لها شأن في قرما وقرقرى فلم تحرص على حصتها من ماء شقراء فقد تركته لقبيلة بني كلاب التي استطاعت أن تبعد (لام) عن ماء شقراء، هذا قبل أن تستوطن تميم الوشم، وفي أول ظهور الإسلام كان ماء شقراء لبني كلاب، يقول ياقوت الحموي: (الشقراء بالمد تأنيث الأشقر ماءة بالعريمة بين جبلين، وقال أبو عبيدة: كان عمرو بن سلمة بن سكن بن قُرَيْط بن عبد بن أبي بكر بن كلاب قد أسلم وحسن إسلامه، ووفد على النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستقطعه حِمىً بين الشقراء والسعدية وهو ماء هناك، والسعدية والشقراء ماءان، فالسعدية لعمرو بن سلمة والشقراء لبني قتادة بن سكن بن قُرَيْط وهي رحبة طولها تسعة أميال في ستة أميال، فأقطعه إياها فحماها زماناً ثم هلك عمرو بن سلمة، وقام بعده ابنه حُجْر بن عمرو بن سلمة فحماها كما كان أبوه يفعل وجَرَى عليها حروب يطول شرحها. والشقراء ناحية من عمل اليمامة بينها وبين النباح والشقراء ماء لبني كلاب، والشقراء قرية لعدي وإنما سميت الشقراء بأكمة فيها، وفي القرن الثالث والرابع كانت شقراء لربيعة وهي قرية، قال الهَمْداني من رجال القرن الثالث والرابع: (والديار كلها رَبعيَّة، إلى أن قال: إلى أقصى الوشوم فهي من عويند بني خديج فالرَّغام فرملة الحصادة فمنفوح فالبَرَدان فثرمدا فذات غسل فالشقراء وأشيقر، إلى أن قال: فإلى (مَرَأة) وفي القرن الرابع والخامس الهجريين استوطنت تميم شقراء يقول الهمداني : قال الجرمي: الوشم من أرض اليمامة وهو للقرارشة من بني نمير، وأول الوشم ثرمدا وأثيفية وهي لمعشر عُمارة بن عَقيل وذات غسل، ثم قال: وأشيقر والشقراء وهما لبني تميم)، وقال لغدة الأصفهاني واسمه الحسن بن عبدالله الأصفهاني: وقال أبو المُسلّم: قرى الوشم بين ثرمدا وهي قرية من قرى الوشمبين مراة، ثم قال: وجل الوشم لبني امرئ القيس مراة وثرمدا وأثيفية والقصيبة وذات غسل والشقراء وأشيقر، قال: وعظم بلاد تميم الوشم، (وقال لغدة في موضع آخر من كتابه: (بلاد العرب) وأعظم موضع لعدي بعد الجفر الشقراء وهي قرية من الوشم عظيمة).
ويبدو أن شقراء بعد أن تحولت من منهل ماء إلى قرية في القرن الثالث والرابع والخامس أصبح بها خليط من الناس فيهم اللَّامي والكلابي والنميري والتميمي والوائلي من بكر وتغلب بالإضافة إلى أصحاب الصنائع، فالقرية تحتاج إلى الحداد والبناء والنجار والخراز.
وممن ذكر شقراء الحطيئة يقول:
فَلما نَزَلْنا الوَشمَ حمراً هِضَابُهُ
أناخ علْلينا نَازِلُ الجَوعِ أحْمرَا
رَحَلْنا وَخَلَّفْناهُ عَنَّا مُخَيِّماً
مَقِيماً بِدارِ الهُونِ شَقْرَا وأشْقَرا
وشاعر النقائض جرير من أهل الوشم وقد أكثر القول في الوشم وما حولها يقول في نونيته المشهورة البالغة ثلاثة وسبعين بيتاً:
يَا حَبَّذ جَبَلُ الرَّيانِ مِنْ جبَلٍ
وَحَبَّذا سَاكِنُ الرَّيَّانِ منْ كَانَا
ويكثر من ذكر ساجر وثرمدا وحَجْر والقصبات وأشيقر واليمامة وتبراك وقرماء وملهم وقرقرى والوشم، وموقع شقراء في ملتقى الطرق أتاح لها التحول من القرية إلى المدينة فهناك طريقان يلتقيان في شقراء بل ثلاثة طرق، الطريق الأول طريق العراق إلى نجد ثم اليمن فهو يجتاز العتك الصغير ثم العتك الكبير ويمر بشقراء، الطريق الثاني طريق الشام إلى اليمامة والأحساء فهو ينطلق من بُصْرى ويمر بدُومة الجندل فحائل فالقصيم فشقراء، الطريق الثالث طريق الحجاج من الشرق الإسلامي والعراق فهو ينطلق من البصرة ويمر بشقراء ومن ثم يتجه إلى مكة المكرمة.
هذا الموقع أتاح لها التربع على تجارة نجد بعد أن ضعف سوق حَجْر (الرياض) في زمن الأخيضريين ثم القرامطة، فقد أثقل الأخيضريون تجار السوق بالمكوس، وفي زمن الحرب بين الأخيضريين والقرامطة في اليمامة نهبت سوف حَجْر، وكانت تُقَام في العاشر من محرم إلى العشرين من محرم، وسوق حجر يشبه سوق عكاظ فهو مقصود من العرب جميعاً ففيه البيع والشراء والتناشد بالشعر وكان له شأن في الإسلام، فالشاعر جرير له بيت في حجر وله مجلس معروف عندما تقم سوق حجر، كان يوماً جالساً في مجلسه في سوق حجر فإذا براكب يفد على السوق فقصد جرير وسلم عليه، فقال الوافد إنني أحمل خيراً يهمك، فقال جرير وما هو؟ فقال الوافد موتِ الفرزدق، فقال جرير:
هَلَك الفَرَزْدقُ بَعَدَمَا جَدَّعْتُهُ
ليْتَ الفَرَزْدقَ كانَ عَاشَ قَليلاَ
وكان المهاجر الكلابي والي اليمامة جالساً في السوق بقرب جرير فقال: بئس ما قلت، أتهجو ابن عمك بعدما مات، لو رثيته كان أحسن، ثم فكر قليلاً وقال: والله إني لأعلم أن بقائي بعده لقليل، ثم قال في رثاء الفرزدق:
فَلا وَلَدتْ بَعْدَ الفَرَزْدقِ حَامِلٌ
وَلا ذَاتُ بَعْلٍ مِنْ نَفاسٍ تَبَلَّتِ
هُوَ الوَافِدُ المَأْمُونُ والوَاثِقُ الرَّضِيّ
إذَا النَّعْلُ يَوْماً بالعَشِيرَةِ زَلتِ
وهكذا شهد سوق حَجْر قُطْبيْ النقائض جرير والفرزدق بعد ما انشغل عشاق الشعر ونقاده بمتابعة القطبين في الشام والعراق والجزيرة العربية، وقد شهد سوق حجر وفود ذي الرمة على هذه السوق في أيام انعقادها في محرم، ويرتاد السوق الشاعر البعيث وعمران بن حطان وتجرى في هذه السوق المنافرات والمفاخرات مع وجود والي اليمامة في السوق إبراهيم بن عدي عامل الوليد بن عبدالملك، لأنهم يعدون نقيضة جرير عندما يلقيها في السوق أو المنافرة التي يرفع بها الرجل صوته من الأمور التي تعزز السوق فيكثر رواده في السنة القادمة، وقد دلف إلى سوق حجر رجل عليه مقطعات خز وهو على نجيب مُهْرِي، وهو رجل في هيئته وحالته يجلب الأنظار إليه فأخذ يرفع صوته ويقول: من يفاخرني من ينافرني بِبَنِي عامر بن صعصعة فرساناً وشعراء وعدداً وفعالاً!
فخرج رجل من المستمعين وقال: أنا، قال طالب المفاخرة: بِمَنْ؟ قال الذي برز للمنافرة: ببني ثعلبة بن بكر بن وائل، قال طالب المفاخرة: أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنافرة، فَضَجَّتْ السوق بالضحك، وفي هذا الخضم ولىَّ طالب المفاخرة هارباً، وقد تساءل الحاضرون عن طالب المفاخرة؟ فقال رجل من الحاضرين: هو عبدالعزيز الكلابي.
أقول إن سوق شقراء هو خليفة سوق حجر منذ زوال سوق حَجْر في القرن السادس الهجري، فقد تربعت شقراء على تجارة نجد وعزز ذلك موقعها المتميز، ثم إن التجارة مهنة شريفة مارسها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبوبكر وعمر وعثمان وعبدالرحمن بن عو ف، ومن المعروف أن قريشاً قبل الإسلام أهلُ تجارة، وفي القرآن الكريم ذِكْرُ تجارتهم ورحلاتهم إلى الشام وإلى اليمن، وكان أهل مكة في أيام جَدلِهِم مع من دخل في الإسلام يقولون: لِمَ لا يُوحَى إلى محمد أثمانُ السلع فنشتريها حين ترخص ونبيعها حين تغلو فتزداد أموالنا!
أقول إن رجال قريش أهلُ تجارة فأبوطالب والعباس عما النبي - صلى الله عليه وسلم - يتاجران إلى الشام، وقد أخذ أبو طالب ابن أخيه محمد - صلى الله عليه وسلم - في تجارته إلى الشام، وكان عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- خَمْسة عشر عاماً، وتجارة أبي طالب لم تربح فقد مرَّ عشر سنوات وأبو طالب في شدة وفاقة، فأشار على ابن أخيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج في تجارة لخديجة بنت خويلد، وكان عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- خَمْسةً وعشرين عاماً، فخرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تجارة خديجة إلى الشام وباع بضاعته في بصرى، واشترى غيرها وقدم بها إلى مكة فربحت تجارته، والخلفاء الثلاثة أبوبكر وعمر وعثمان يشتغلون في التجارة قبل البعثة، فأبوبكر تجارته في البَزّ يجلبه من الشام، وعمر تجارته في الإبل يبيعها في غزة وعثمان تجارته في البّزّ، وبعد البعثة وهِجْرةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة كانت التجارة في المدينة في أيدي اليهود والأنباط، فالأنباط يجلبون الزيت من الشام ويبيعونه في المدينة، ومن تجار اليهود في المدينة أبو رافع الخيبري فكان يحمل التمر والقمح والشعير من المدينة إلى الشام ويشتري من الشام الأقمشة ويبيعها في المدينة، ومن تجار المدينة في سنوات الإسلام في المدينة دُحَية بن خليفة الكلبي وقد قدم من الشام ببضاعته وفيها زيت وطعام، فاستقبل أهل المدينة بضاعته بالطبول والتصفيق وقد حط رحاله في البقيع، وكان الرسول يخطب فخرج الناس من المسجد خشية أن يفوتهم الربح، ولم يبق مع الرسول إلا اثنا عشر رجلا، فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)، وجاءت التجارة أيضاً في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)، وبما أن التجارة تُحْفظُ بالكتابة فقد تعلم القرشيون الكتابة من بشر أخي أكيدر بن عبدالملك ملك دُومةِ الجندل، وأول من تعلم منهم حرب بن أمية وكان حرب إذا رجع من الشام عرض تجارته في دومة الجندل، وكان له صحبة ببشر بن عبدالملك فخطب بشر الصهباء بنت حرب ثم سافر مع حرب إلى مكة ليتم الزواج، فأقام بشر في مكة مما أتاح لبعض القرشيين تعلم الكتابة، وقد قال رل كندي من أهل دومة الجندل يمن على قريش بتعلم الكتابة من بشر:
لا تَجْحَدُوا نَعْمَاءَ بِشْرٍ عَلَيْكُمُ
فَقَدْ كَانَ مَيْمُونَ النَّقِيبةِ أزْهَرَا
أَتَاكُمْ بِخَطِّ الجَزْمِ حَتَّى حَفِظْتُمُ
مِن المَالِ مَا قَدْ كَانَ شَتَّى مُبعْثّرا
وأتْقَنْتُمُ مَا كَانَ بِالمَالِ مُهْمَلاً
وَطَامَنْتُمُ مَا كَانَ مِنْهُ مُنَفِّرا
فَأَجْرَيْتُم الأَقْلامَ عَوْداً وَبدْأَةً
وَضَاهَيْتُمُ كُتَّابَ كِسْرَى وَقَيْصَرا
وَأَغْنيتُم عَنْ مُسْنَدِ الحَيِّ حِمْيَرٍ
وَمَا زَبَرَتْ فِي الصُّحْفِ أَقْيَالُ حِمْيرَا
وتجارة قريش أثَّرت في أمثالهم وفي شعرهم وفي ألفاظ اللغة العربية، فمن الأمثال: الحمد مَغْنَم والذم مَغْرم، خير مالك ما نفعك، من العجز نتجت الفاقة، كلب طواف خير من أسد رابض، كمُستَبْضِع التمر إلى هجر، أحشَفاً وسُوءَ كَيْلَةْ ومن الشعر قول عروة بن الورد:
ذَرِيني لِلغِنى أسْعَى فإنِّي
رَأيْتُ النَّاسَ شَرُّهُمُ الفَقِيرُ
وقوله:
دَعِيني أطوِّفُ في البلادِ لَعَلَّني
أُفِيدُ غِنى فِيهِ لِذِى الحَقِّ مَحْملُ
وقول الشاعر:
إذا ذُقتُُ فاهاً قُلْتُ طَعْمُ مُدامةٍ
مُعَتَّقةٍ مِمَّا يجيء بِهِ التَّجْرُ
وقول الآخر:
فَسِرْ فِي بِلادِ الله والْتَمِسِ الغِنى
تَعِشْ ذَا َيَسَارٍ أوْ تَمُوتَ فَتُعْذَرا
ومن أثر التجارة في اللغة العربية دخول ألفاظ في العربية عن طريق التجارة منها: الديباج والإبريسم والطيلسان والمسك.
وعد العرب التجارة مهنة شريفة، جاء في أمالي القالي: قال معاوية لصعصعة بن صوحان صف لي الناس فقال: خُلِق الناس أخيافاً: فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورجرجة بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق، وقد نجد من يغض من شأن التجارة فهذا شاعر يقول في مكة:
وَلا مَرْتَعٌ لِلْعَيْن أوْ مُتَقَنَّصٌ
وَلَكِنَّ تَجْرًا والتِّجارَةُ تُحْتَقَرْ
ويقول ابن الزَّبَعْرىَ:
أَلْهَى قُصَياً عَنِ المَجْدِ الأسَاطِيرُ
وَقَوْلُها: رَحَلَتْ عِيرٌ أَتَتْ عِيرُ
وتجارة قريش في الشام وهي لا تتجه للعراق لأن الوسائل التي تحميها في العراق ليست متاحة لقريش وبما أن التجارة مخاطرة، فقد خرج أبو سفيان في جماعة من قريش يريدون العراق بتجارة، فلما ساروا ثلاثاً جمعهم أبو سفيان فقال لهم: إنَّا من مسيرنا هذا لعلى خطر، ما قدومنا على ملك جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه، وليست بلاده لنا بمتجر! ولكن أيكم يذهب بالعير فإن أصيب فنحن براء من دمه، وإن غنم فله نصف الربح؟ فتقدم رجل من القافلة اسمه غيلان بن سلمة وقال أنا لها، وسار إلى كسرى وهو يقول:
إمَّا بَقِيتَ على مجدٍ ومكرمُةٍ
أو أُسوةً لكِ فيمن يهلِكُ الوَرِقُ
ثم خرج في العير حتى جلس بباب كسرى يطلب الإذن حتى أُذنَ له، ودخل على كسرى فقال له كسرى ما أدخلك بلادي بغير إذني؟
فقال غيلان: لست من أهل عداوة لك ولا أتيتك جاسوساً إنما جئت بتجارة، فإن أردتها فهي لك وإن أذنت لي ببيعها فهو تكرم منك، ثم سأله كسرى ألك ولد قال نعم، قال: أيهم أحب إليك؟ قال الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يؤوب، ولما سمع كسرى كلامه أذن له ببيع تجارته فباعها ورجع إلى قومه وأخذ نصف الربح بعد هذه المخاطرة.
وأول الحروب في الإسلام بين المسلمين وقريش حرب اقتصادية، فمعركة بدر تهديد اقتصادي لتجارة قريش، فقد قطع المسلمون الطريق بين الشام ومكة وكانت القافلة التي يقودها أبوسفيان فيها تجارة لكل بيت في مكة، ويقدر ثمن البضائع القادمة من الشام إلى مكة بخمسين ألف دينار، فالقافلة نجت ولكن التهديد الاقتصادي أرهب مشركي مكة؛ مما أحدث معركة بدر بين المسلمين والمشركين. والتجارة تجري في عروق القرشيين، فبعضهم اشتغل في التجارة بعد استقرار المهاجرين في المدينة، فالصحابي عبدالرحمن بن عوف أثرى من التجارة في الإسلام، فعندما قدم المدينة آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فاشترى وباع فربح.
تحدثت فيما تقدم عن شعراء المكان، والمكان له مكانة عند أهله وتحدثت عن شعراء حول شقراء لهم مكانتهم في الشعر العربي، بل إن جريراً من أقطاب الشعر في العصر الأموي والراعي النميري من فحول الشعر في العصر الأموي، والصمة القشيري لشهرته رثاه جرير وهو بعيد عنه، والمرار بن منقذ العدوي من الشعراء الذين وقفوا في وجه جرير وزياد بن منقذ العدوي الذي ذكر شقراء في قصيدته.
وذكرت طرفاً من تاريخ شقراء قبل الإسلام. وفي أول ظهور الإسلام عُرِفت شقراءُ ماءً لبني كلاب. وأشرت إلى تاريخ شقراء القرية وأنها لربيعة ثم لتميم في القرن الخامس الهجري، وَوُصِفَتْ شقراء في هذا التاريخ بأنها قرية عظيمة وأشرت إلى أن شقراء بعد أن أصبحت قرية عظيمة بها أخلاط من الناس فيهم اللامي والنميري والكلابي والتميمي والواثلي، بالإضافة إلى الموالي. وقلت إن شقراء في ملتقى الطرق وذلك عامل مهم في نجاحها في التجارة فقد خلفت سوق حَجْر، وقلت إن قدوة شقراء في التجارة مكةُ وأهلُها من قريش، وقرنت المخاطرة في التجارة بالمخاطرة في الحرب وأن غيلان بن سلمة من المخاطرين في التجارة.
وأقول إن هذه الكلمات لا تفي بشقراء، ولعلها تفتح باباً لتاريخ شقراء وموقع شقراء وتجارة شقراء.
وفي نهاية الأمسية سلم د.الحميد كرم الضيف د.الفيصل، ومدير الأمسية د.الخراشي، وقدم لهما الشكر والتقدير.