حاورته - سارة العَمري:
منذ صدور «حالات نادرة» والعمل حاضر في النقاش الأدبي كنص مليء بالغموض، يترك القارئ داخل منطقة شك مقصودة، وعندما انتقل إلى الشاشة بعد من تداوله كثيراً بين شركات الإنتاج، تحول إلى اختبار مباشر لعلاقة الأدب بالدراما، وللمدى الذي تستطيع فيه الصورة حمل الأسئلة من دون أن تحسمها.
في هذا الحوار، يتوقف الروائي الكويتي عبدالوهاب السيد الرفاعي أحد أبرز الأصوات العربية في السرد النفسي، عند تجربة التحويل الدرامي، ويتأمل ما أضافته الصورة إلى النص، وما خسره حين تحولت الأسئلة المفتوحة إلى إجابات محسومة، متحدثاً عن المسافة التي لم يتدخل في رسمها، وعن عالم كُتب ليقرأ دوماً كنص بعيداً عن الحسم الدرامي.
دون شروط مسبقة
* عند تحويل «حالات نادرة» إلى مسلسل، ما الشرط الأساسي الذي حرصت عليه للحفاظ على روح العمل؟
- بصراحة، لم أضع أي شرط أساسي عند تحويل «حالات نادرة» إلى مسلسل، فالدافع كان حماسي الخالص لرؤية العمل ينفذ أخيراً؛ فمنذ عام 2011 وأنا أسمع وعوداً من شركات إنتاج تتحدث عن رغبتها في التعاون، من دون أن يتحقق شيء فعلي لذلك، حين ظهرت شركة إنتاج جادة وتمضي بخطوات واضحة، وافقت مباشرة وكان الأمر بالنسبة لي أقرب إلى حلم مؤجل يتحقق، أكثر من كونه مشروعاً مشروطاً بتفاصيل أو اشتراطات مسبقة.
حرية كاملة للمعالجة
* المسلسل لم يقدم كاقتباس حرفي من الكتاب؛ كيف حدَّدت المسافة بين النص الأدبي والمعالجة الدرامية؟
- في الواقع، لم أحدد مسافة بعينها بين النص الأدبي والمعالجة الدرامية؛ ما حدث أنني بعت القصص إلى شركة MBC، ومنحت فريق العمل حرية كاملة في التعامل معها والتعديلات التي طرحت جاءت بما يتوافق مع السياق الدرامي ومتطلبات الشاشة، كما شاهدها الجمهور؛ ودوري اقتصر على القصص المكتوبة، أما المعالجة التلفزيونية فكانت مسؤولية الفريق الإنتاجي، ولم أضع أي شروط أو قيود على هذا التحويل.
ملء الفراغات الدرامية
* كثير من الحالات تقوم على الغموض والإيحاء أكثر من الفعل؛ كيف تعامل المسلسل مع هذا النوع من الالتباس؟
- صحيح، كثير من الحالات في الكتاب قائمة على الغموض والإيحاء أكثر من الفعل المباشر في المسلسل، وجرى التعامل مع هذا الجانب عبر إضافة أحداث وخطوط درامية جديدة لملء الفراغ الزمني؛ ولو نفذت الحالات كما هي في النص، لكانت الحلقات قصيرة جداً، لذلك أُضيفت حياة موازية للشخصيات، مثل جعل الطبيب النفسي متزوجاً ولديه ابنة، وإضافة خط متعلّق بوالده.
بصراحة، هذه الإضافات لم تعجبني ووجود الطبيب كشخص أعزب كان عنصراً مفصلياً في تصوري للشخصية، وأرى أنه يخدم طبيعتها النفسية بشكل أعمق مع ذلك، أتفهم أن السياق الدرامي للعمل التلفزيوني يختلف عن الرواية، وأن متطلبات الشاشة تفرض خيارات مختلفة عن النص الأدبي.
أترك القارئ داخل منطقة الشك
* ما الذي أضافه التحول إلى الصورة من حيث التوتر والتلقي، وما الذي شعرت بأنه فقد شيئاً من مساحته التأملية؟
- التحول إلى الصورة أضاف توتراً مباشراً وسريعاً في التلقي، لكنه في المقابل سحب جزءاً من المساحة التأملية التي كانت متروكة للقارئ في الكتاب، حيث أتعمد ترك الأسئلة مفتوحة: هل ما يحدث حقيقي أم من وحي المرض؟ هل الشخصية ترى ما تراه فعلاً أم تعيش وهماً؟
في المسلسل، تم حسم هذا الالتباس في بعض الحالات، خصوصاً في الحلقة الأولى، حيث انتهت الحلقة ونحن نعرف بشكل واضح أن البطلة تعاني اضطراباً نفسياً هذا الحسم، من وجهة نظري، أضعف عنصر الغموض وقتل جزءاً من الإثارة، لأن قوة النص كانت في عدم الإجابة، وفي ترك القارئ داخل منطقة الشك.
الصورة بطبيعتها تميل إلى التحديد، بينما النص يحتمل الاحتمال، وما فُقد هنا هو تلك المساحة الرمادية التي كنت أراها جوهرية في حالات نادرة.
كاتب النص الأقدر على ضبط التفاصيل
* بدت بعض الحالات في المسلسل بلا جذور واضحة أو مسار تشكل سابق؛ هل كان هذا الغموض خياراً فنياً أم نتيجة لاختصار درامي؟
- بعض الحالات ظهرت بلا جذور واضحة، وأعتقد أن ذلك كان نتيجة اختصار وتسريع في المعالجة أكثر من كونه خياراً فنياً مقصوداً ولو كان هناك تواصل مسبق، كان بالإمكان ترتيب مسارات بعض الحالات بشكل أدق، خصوصاً أن بناء هذا العالم يحتاج إلى معرفة بتفاصيله الداخلية.
من وجهة نظري، العمل أُنجز بسرعة فالكاتب الذي صنع هذا العالم يملك مفاتيحه، والرجوع إليه كان سيساعد على ضبط كثير من التفاصيل، أو على الأقل الوصول إلى نقاط اتفاق تخدم النص والدراما معاً.
فما حدث هو أن التعديلات أُجريت وفق رؤية فريق العمل من دون أي نقاش معي، فخرج المسلسل بهذا الشكل؛ وبالتالي هناك من تفاعل معه وهناك من لم يفعل، وهذا أمر طبيعي، لكنه يظل مرتبطاً بخيارات اتُّخذت خلال التنفيذ.
المرأة أكثر تعرضاً للأمراض النفسية
* لوحظ تركز عدد كبير من الحالات النفسية حول شخصيات نسائية؛ هل تقرأ ذلك بوصفه انعكاساً لطبيعة نفسية، أم لضغوط اجتماعية وبيئية؟
- نعم، التركيز على الشخصيات النسائية مقصود، وقد كتبته بهذا الشكل حتى في السلسلة نفسها، المرأة في مجتمعاتنا تتحمَّل قدراً أكبر من الضغوط الاجتماعية والنفسية، ومفاهيم العار والعيب تسقط عليها أكثر من غيرها، وتبدأ الرقابة عليها منذ سن مبكرة بطريقة تفوق ما يمارس على الذكور؛ وفي كثير من البيئات، تعامل الفتاة بوصفها عبئاً أو مشروع خطأ يجب احتواؤه مبكراً، وهذا فهم خاطئ فالخطأ إنساني، لا يرتبط بجنس دون آخر.
وحين تتراكم هذه الضغوط على الفتاة وحدها، يصبح ظهور الاضطرابات النفسية نتيجة متوقعة، لا استثناء، وهذا ما حاولت رصده في العمل، باعتباره انعكاساً لواقع اجتماعي أكثر من كونه توصيفاً لطبيعة نفسية مختلفة.
من المهم إعادة البطل إلى العزوبية
* إذا امتد العمل إلى موسم جديد، ما أبرز ما ترى ضرورة معالجته بشكل أعمق مقارنة بالموسم الأول؟
- إذا امتد العمل إلى موسم جديد، أتمنى قبل كل شيء أن يكون هناك تواصل حقيقي معي بوصفي صانع هذا العالم، فيمكن عندها ترتيب كثير من التفاصيل بشكل أدق، وإعادة إعطاء القصص أولوية واضحة على حساب الخطوط الجانبية.
أرى أن من المهم إعادة البطل إلى وضعه الأصلي كشخص أعزب، حتى لو تطلب الأمر إنهاء خط الزوجة تماماً، وكذلك إغلاق ملف الأب نهائياً، لأن الأب في الأساس متوفى في العالم الذي كتبته.
التركيز، من وجهة نظري، يجب أن يعود إلى الحالات نفسها، إلى جوهر القصص، لأن هذا هو القلب الحقيقي للعمل، وكل ما عداه تفاصيل يمكن الاستغناء عنها أو تقليصها.
جمهور الكتاب والمسلسل مختلفون بالأسئلة
* كيف تقرأ تفاعل الجمهور السعودي والعربي مع العمل بعد عرضه على منصة جماهيرية مثل «شاهد»؟ وهل اختلفت الأسئلة عن تلك التي رافقت الكتاب؟
- تفاعل الجمهور السعودي والعربي جاء متبايناً بوضوح فالقرَّاء الذين عرفوا «حالات نادرة» كنص مكتوب لم يتقبلوا كثيراً التغييرات التي طرأت على الأحداث في المسلسل، وشعروا أن الروح الأصلية للعمل تبدلت.
في المقابل، الجمهور الذي شاهد المسلسل من دون معرفة مسبقة بالكتاب تفاعل معه بشكل إيجابي، حتى مع وجود أسئلة معلقة لم يجد لها إجابات داخل العمل التلفزيوني، وبالمناسبة هذه الأسئلة كانت مطروحة ومجاباً عنها في النص المكتوب، لكنها لم تنتقل إلى الشاشة.
الفارق الأساسي أن الكتاب يترك مساحات أوسع للتأمل والتفسير، بينما اختار المسلسل تقديم إجابات أكثر مباشرة، وهو ما خلق اختلافاً واضحاً في نوعية التلقي والأسئلة بين جمهور القراء وجمهور المشاهدين.
المسلسل لا يصلح للاستمرار
* بعد هذه التجربة، هل ترى «حالات نادرة» مشروعاً قابلاً للتوسع الدرامي، أم أن قوته الأساسية تظل مرتبطة بالنص المكتوب؟
- أنا لا أرى «حالات نادرة» مشروعاً قابلاً للتوسع الدرامي بالمعنى المتعارف عليه في رأيي، قوته الحقيقية تبقى مرتبطة بالنص المكتوب لأن هذا العالم صمّم أساساً ليقرأ لا ليمدّد عبر مواسم متتابعة، حيث كنت أتمنى لو جرى الالتزام بالنص الأصلي بدرجة أكبر، مع إمكانية إضافة تفاصيل غير جوهرية تخدم الإيقاع التلفزيوني من دون المساس بروح العمل.
ومع ذلك، أتعامل مع ما حدث بوصفه تجربة مكتملة، وأنا سعيد بأنها خرجت إلى النور، حتى مع اختلاف الرؤية بين الكتابة والدراما.
يضع هذا الحوار «حالات نادرة» أمام سؤال يتجاوز نجاح التجربة أو اختلاف الآراء حولها؛ أين تقف حدود النص حين ينتقل إلى الشاشة؟ بين عالم كتب ليبقى مفتوحاً على الاحتمال، وعمل درامي اختار الإجابة بدل ترك السؤال.