تنفتح القصيدة على عنوانٍ مشبع بالدلالة يخلخل المعنى الشائع للترف، وينقله من ضفاف المادة إلى أفقٍ وجداني نادر، ترفٌ لا يُقاس بالامتلاك، بل بالفيض، ولا يُحصى بما يُؤخذ، بل بما يُمنح. أن تُرزق أمومتين فذلك ضربٌ من الغنى لا تُدركه الحسابات ولا تُجيده المقاييس.
منذ العتبة الأولى يعلن النص انحيازه للفائض الإنساني، ويعيد تعريف الثروة بوصفها تراكمًا للعاطفة وامتدادًا للحنان، لا استحواذًا ولا تكديسًا، الأم هنا ليست ذكرى تُستعاد، بل حضورٌ يقيم في اللغة، يتشكّل عبر النداء، ويتكثف في الاستدعاء الحميم، ويظل حيًّا في كل مفصلٍ من مفاصل القول.
تسير القصيدة على خيطٍ دقيق بين الاعتراف والاحتفاء، فلا هي نشيدُ مديحٍ مباشر، ولا هي مرثيةٌ مستغرقة في الفقد، بل كتابةٌ تعرف كيف تُمسك بالمسافة الأخلاقية بين الامتنان والوعي، الأم ليست فردًا فحسب، بل قيمة تأسيسية، الحماية الأولى المعنى الأول واليقين الذي لا يحتاج إلى برهان.
وتتقدّم البنية السردية للنص بهدوءٍ واثق متكئة على الذاكرة لا بوصفها أرشيفًا جامدًا، بل كائنًا حيًا يتنفس، يتقلب، يستعيد دفأه كلما نُودي باسمه، التفاصيل الصغيرة: اللمسة، الدعاء الخافت، الخوف النبيل، العناية الصامتة، تتحول إلى علامات شعرية تُكبّر البسيط وتمنح العادي مقامًا جوهريًا، هنا تكمن إحدى فضائل النص أنه لا يطارد الدهشة المصطنعة بل يثق في طاقة الصدق حين يُقال بلا تزويق.
في صورة الأم الثانية لا يحضر البديل ولا التعويض، بل الامتداد، امتداد الحنان خارج شرط الدم وكأن القصيدة تُعيد تعريف الأمومة بوصفها فعلَ احتواء ورعاية، وانحيازًا أخلاقيًا للضعف، ومن هذا المنعطف يتحول الامتنان من شعورٍ عابر إلى موقفٍ إنساني، ومن عاطفةٍ خاصة إلى قيمة قابلة للتشارك.
لغويًا تنتهج القصيدة لغة شفيفة قادرة على الجمع بين الوضوح والعمق بين المباشرة والحُمولة الشعورية، الجملة لا تستعرض عضلاتها ولا تتباهى بزخرفها بل تؤدي وظيفتها الأسمى أن تكون وسيطًا أمينًا للشعور، وهذا ما يُحسب لسعود اليوسف الذي اعتاد أن يجعل اللغة في خدمة المعنى لا العكس، وأن يراهن على الصدق بوصفه أعلى أشكال البلاغة.
أما الإيقاع فينبع من الداخل من تكرارٍ عاطفيٍ محسوب، ومن توازي الصور، ومن نبرةٍ هادئة تُشبه الهمس أكثر مما تُشبه الإنشاد، فالأمومة كما يقترح النص لا تُقال بصوتٍ عالٍ بل تُلقى كما تُلقى الأدعية بخفوتٍ يليق باليقين.
وفي المحصلة تأتي (مترفٌ بأمومتين) قصيدة وفاءٍ رفيع لا تثقلها المراثي ولا تُفرغها المجاملات، بل تقدّم بيانًا ناعمًا عن معنى الانتماء وعن الحنان بوصفه وطنًا، قصيدة تُذكّر بأن أعظم الامتيازات الإنسانية ليست تلك التي نصنعها بإرادتنا، بل تلك التي تُمنح لنا بلا شروط.
ومن يعرف سعود اليوسف عن قرب يدرك أن خوض هذه المساحة ليس أمرًا هيّنًا، فالرجل ليس شخصًا واحدًا، ولا شخصيةً مفردة، بل كيان مركب من طبقاتٍ إنسانية متعددة، والكتابة عنه أو منه مغامرةٌ في تعدد الأصوات، وفي اتساع القلب، وفي امتحان الصدق حين يُعرّى من الادعاء.
** **
- معبر النهاري