بعد منتصف الليل شعرت بالضجر والكآبة تملأ نفسين ولهيب نار الحنين والاحتياج تشتعل في داخلي، رياح من الذاكرة تهب فتزيد اشتعال أغضان وورود مشاعر كانت مزهرة بالحياة، ونداها يعطر نسائم حياتي والليلة هي حطب نار دخانها يكاد يخنقني وجمرها يكويني. وقفت أمام رياح شباط الباردة بوجهي العاري وصدري العاري متوهماً أن رياح شباط ستمتد إلى أعماقي لتطفئ سعير حزني لكن معزوفة الريح راقصت ناري وزادت لهيبها!!
ضاقت بي غرفتي استوحشت بها رغم أنها عش عصفورة ألفتي.
كل ما فيها يذكرني أوراقي المبعثرة التي كانت بساط الريح الذي يحمل شوارد نفسي إلى نافذة قلب حبيبتي وخاطرها .. وهاتفي الأخرس الذي لم يتبقَ فيه من بعد الهمسات إلا الطنين!.
قررت في آخر الليل أن أغادر غرفتي وضجيج صمتها.. امتطيت صهوة جوادي الحديدي وبدأت أتنقل بين شرايين المدينة الباردة كأن الدفء الوحيد فيها هو خاطري المحموم!!
أسير وعتمة أعماقي تتسلق أعمدة الشوارع وفوانيس سيارتي لتطفئها.. الشجن الكفيف لا يبصر سوى ظلمة الدروب!!
أردت أن أسمع صوتاً آخر غير صوت صمتي فتحت المذياع وإذا الست أم كلثوم تغني.
كيف أنسى ذكرياتي وهيَ أحلامُ حياتي
إنها صورةُ أيَّامي على مِرآةِ ذاتي
عشتُ فيها بِيَقِيني هيا قُربٌ وَوِصالْ
ثُمَّ عاشَتْ في ظُنوني وهيَ وَهْمٌ وخيالْ
وفجأة أقفلت المذياع رغم روعة الأغنية كمن يهرب من مرارة الحقيقة!! وتابعت السير حائراً لا أدري إلى أين؟!
أحسست بالصداع رأيت سيدة على الرصيف ودخان أسود متصاعد من منبت الجمر الأحمر إنها بائعة الشاي. توقفت عندها قلت «السلام عليكم ردت التحية بصوت مجهد مبحوح!
سألتها ماذا لديك؟ فقالت: أعتذر منك سيدي الوقت متأخر والخيارات قليلة لم يتبقَ لدي سوى ما يشبهني ويشبه حياتي، تبقى لدي الشاي بلا سكر وقهوة سوداء كأنها العلقم مرارتها تكاد تكسر كل الفناجين لدي!
سألتها ما اسمك؟ قالت: أنا أختك شيخة قلت لها : أنا أخوك عبد الله.
هل أنت فيلسوفة أم بائعة شاي؟
صمتت شيخة قليلاً ثم قالت يدي بائعة الشاي وقلبي فليسوف مشاعر!
شيخة كيف المتبقي لديك من الشاي والقهوة يشبهك؟
قالت: عبد الله حياتي معتمة مقفرة مذاقها علقم.. أنا ماهرة في إعداد الشاي الحلو والزنجبيل.. والكرك.. والقهوة التي كأنها مبخرة وبعودها الهيل ولزعفران أقدمها للزبائن فنجال منقوش مع التمر من سكري عنيزة الفاخر، هذه تكون مطلوبة للعابرين في أول الليل، وعند شيخوخة الليل أعرض الشاي بلا سكر والقهوة المرة كهدية مجاناً فلا يقبلها مني أي زبون!
قلت: شيخة أنا مثلك تماماً في حياتي مرارة وأحزان ومشاعر مجهدة، ولكن أخاف أن أفقدها بقدر ما أتمنى فقدها!
ضحكت شيخة وقالت: عبد الله زبون أم فليسوف؟
قلت: أشعر أن عدد سكان المدينة اثنان أنا وأنتِ وأن هذا المكان الصغير هو بقعة من نهار في ليل كبير ..!
ناولتني شيخة فنجان القهوة بيدها التي ترتعش والقهوة الساخنة تتناثر على يدها ويدي وقالت وهي تبكي: آسفة بعتك قهوة سوداء تلوثت برماد حروقي وجراحي!
قلت: لا تعتذري فقد أسعدتني حين تخلى جرحي البخيل عن صمته وباح بسخاء.
التقينا بألفة أنستنا أننا غرباء هذا لغز وليس بالضرورة أن يكون له مثل المنامات الجميلة التي ليس لها تفسير!!
ودعتها ولوحت لي بيدها .. وداعاً بائعة الشاي.
** **
- عبد العزيز حمد الجطيلي
ayamcan@hotmail.com ** ** twitter: @aljetaily