رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» للكاتب السعودي سالم الصقور، تنشغل بسؤال الأبوة ليس تجسيد كشف عن رغبة شخصية فحسب، ولكن باعتباره اختبارًا لعلاقة الفرد بالبنية التي تحتضنه وتعرّفه. فحالة العقم في النص لا تُقدَّم كحادثة طبية، إنما كخلل يصيب شبكة الانتماء ذاتها.
هنا نجد الكاتب يتجه إلى بناء سردي على ثلاثية لافتة: رحم المرأة، رحم الطائفة، رحم القبيلة، باعتبارها مسارات تتقاطع وتشكل كينونة الفرد.
الرحم الأول يمنح الولادة البيولوجية، ويؤسس الانتماء الطبيعي القائم على النسب والامتداد الجسدي. غير أن تعثّر هذا الرحم في الرواية لا يعني غياب طفل فحسب، ولكن يكمن في تعثّر استمرارية السلالة الفردية، وكأن الجسد نفسه يعجز عن تثبيت حضوره في الزمن.
أما رحم الطائفة فهو ولادة من نوع آخر؛ ولادة رمزية داخل منظومة معتقد وقيم وطقوس. هنا لا يُولد الجسد بل يولد المعنى. الطائفة تمنح الفرد تفسيرًا للعالم، وحدودًا للهوية، وإطارًا أخلاقيًا يحدد موقعه من الجماعة. بهذا المعنى يقترب النص من تصور “الضمير الجمعي” عند إميل دوركايم، حيث يولد الإنسان داخل شبكة من القيم السابقة عليه، فيتشكل وعيه من خلالها.
في المقابل، يمنح رحم القبيلة الانتماء التاريخي؛ الامتداد الزمني الذي يربط الحاضر بالماضي. القبيلة ليست مجرد جماعة معاصرة، بل سلسلة من الأسلاف والذكريات والسرديات التي تتطلب الاستمرار. هنا يصبح الإنجاب ضرورة رمزية، لأن كل مولود هو حلقة جديدة في قصة قديمة. انقطاع النسل لا يهدد فردًا فقط، بل يترك فجوة في السلسلة الجماعية.
بهذا البناء، يصبح الفرد وليد ثلاث حواضن متداخلة: الجسد الذي يمنحه الحياة، والمعتقد الذي يمنحه الهوية، والجماعة التاريخية التي تمنحه الامتداد. وحين تتعثر الأبوة، فإن الخلل لا يصيب الرحم البيولوجي وحده، إنما ينعكس على المستويين الرمزي والتاريخي معًا. فالمجتمع في الرواية لا يضغط على البطل لأنه يريد له طفلًا فحسب، بل لأنه يريد استمرار ذاته من خلاله.
هذا التصور يضع الفرد في موقع الوسيط بين الماضي والمستقبل، ويطرح سؤالًا حادًا: هل الإنسان قيمة قائمة بذاتها، أم حلقة في بنية أكبر؟ الرواية تميل إلى إبراز قوة البنية الجماعية، لكنها تترك في لحظات الصراع الداخلي هامشًا للتساؤل، يقترب من أفق وجودي يمنح الفرد إمكانية مساءلة التعريفات الجاهزة.
أيضًا تنقلب في الرواية معادلة المراقبة الاجتماعية؛ فبدل أن تكون المرأة وحدها تحت مجهر العقم، يصبح الرجل هو من يعلن هشاشته ويبحث عن تفسير لخلله. السرد هنا يتبنى لغة الرجل ومصطلحاته، كاشفًا أن أزمة الأبوة ليست أزمة أنثوية بقدر ما هي اهتزاز في مفهوم الذكورة ذاته. وبذلك يتحول العقم من وصمة اجتماعية ملتصقة بالمرأة إلى سؤال يمس صورة الرجل عن نفسه داخل منظومة الانتماء.
تحافظ استعارة “الرحم” على فعاليتها حين تبقى متجسدة في العلاقات اليومية: بين الزوجين، وبين الفرد ونظرته إلى ذاته، وبين الذات ونظرات الجماعة. وبهذا تقدم الرواية قراءة دقيقة لعلاقة الجسد بالهوية، وتكشف أن الأبوة في هذا السياق ليست مجرد فعل إنجاب، ولكن فعل انتماء واستمرار، تتقاطع فيه البيولوجيا بالتاريخ، والذات بالجماعة.
** **
دلال خضر الخالدي - ماجستير في الأدب المسرحي