أولاً: مقدمة لا بد منها
أهداني الصديق العزيز (عيد الحجيلي) قبل زهاء عشر سنوات ديوانين شعريين هما (قامة تتلعثم وجوامع الكمد)، وبقدر اعتزازي بهذا العطاء الإبداعي الرائع، فقد أخذتني كما الآخرين سنوات الجدب إلى متاهات لم نستطع الفكاك منها، لنبقى في متاهات التعب اليومي، وننأى عن الجمالي بفعل واقع اتسع للمرارة أكثر منه للجمال. ومع ذلك فقد بقي الديوانان حاضرين في ذاكرتي، على أن أعود لهما في وقت الحنين إلى الروح، ونداء الكلمة، وما يستحق أن نقف عليه ونرتوي منه، لننسل ولو قليلاً من جدب السنين، وهنا وقع في نفسي نص بالغ الأهمية، بعد أن قلبت صفحات الديوانين متأملاً متمعناً لأجد شاعراً ثرياً، لغته مكثفة نابضة، تومئ ولا تفصح، تغافل القارئ وتناوش أفكاره، تأتيه دفعة وتفر منه ليلحق بها، ويقف أمامه، ليعرف مكامنها وأبعادها، التي لا تواتي القارئ بسهولة ويسر.
والحقيقة أنني وجدت القصائد أكانت طويلة أو في شكل ومضة شعرية، جميعها تلتف في لغة تبرق من بعيد، وتمطر عن قريب حين نتهجاها ونفتح مغاليقها.
في نص (عيد) (هذيان لن يكتمل) كما في نصوصه الأخرى، دهشة وحضور ذهني عاصف، وقدرة على التوغل في مجاهيل الحرف واستحضاره بروح المبدع المتمكن الرائي لأبعاد الكلمة واعتمالاتها إنسانياً.
أنا هنا أحاول استكناه بعض مما يشي به النص (هذيان لن يكتمل) لأجد الهذيان» في سياق النص لا يعني فقدان العقل، بل هو «وعي حاد» يصعب التعبير عنه باللغة المنطقية المرتبة. الشاعر يشعر أن العالم (الخواء، المدينة النائمة، الجراح) غير منطقي، لذا يصبح «الهذيان» هو اللغة الوحيدة «المنطقية» لوصف هذا العبث. إنه صوت الروح حين تعجز القوالب الجاهزة عن احتوائها.
وإذا وصف الهذيان بأنه «لن يكتمل» يعطي انطباعاً بأن الحالة الإبداعية هي حالة «مخاض مستمر».
إذ إن الاكتمال يعني الموت أو السكون، وبما أن الشاعر لا يزال «يحرث جدران الأبجدية»، فإن هذيانه يظل مفتوحاً على التأويل، كأنه يدعو القارئ ليكمل معه هذا الهذيان. وقد استجبنا لهذه الدعوة
ثانياً: نص (هذيان لن يكتمل)
هذيان لن يكتمل
صاعداً
من رذاذ التهاويم والأغنيات الكسيحة
قلت لمن عبرت وجل الذاكرهْ
منذ عشرين عاماً تولت ملامح وجهيَ
إذ بزغ الثلج في مقلتي
وفي شرفات الرؤى
والدروب التي امتشقت نزوة الماء
والنار والجرأة الناعمهْ
والحكايا التي أثثت لغتي غادرت قاعة الرقص واستوطنت مربطاً شيد من نزق العرب البائدهْ
ساورتني كثيرا نيوب التآويل
والحكمة اليابسهْ
منذ عشرين عاماً أقاوم جوعي
على مسمع القطة القرمزية
كل مساء
أسير على هامة العطش /الكهل كل صباح
ولم تنبت الأرض عشباً وما التفتت لطنين الخطى غيمة هاربهْ
كل شيء يكمم شقشقة الخطو
تحت عباءة هذا الخواء
الرياح التي أجهضت
والعيون التي طمست
والقلوب التي صوّحت
والحروف التي دفنت
نصف أصواتها
في المساحيق كيما تمر على مرمر الوجل
الفذ مثل الهباء
والذين اكتووا بأهازيج أسلافهم
فاحتموا بأناشيد أطفالهم
ورأوا شجرا
طاعنا في النعاس
يرتل للبيد أوراده الذاهلهْ
والدموع التي علمتهم
طقوس القيافة
تطهو شفافة أشجانهم
فتسيل التجاعيد
من بركة الحكي أغنية ذابلهْ!
فسلام عليهم إذا نسجوا حلمهم
وإذا نكثوا غزلهم
وإذا عشقوا
وإذا انتشروا في جيوب المدى جثثا ناصعهْ!
كل شيء يرنق زنبقة القلب
تحت عباءة هذا الخواء:
لي عينان زائغتان
وسبعون أذنا
وعائلة من حروف النداء!
إن هممت ببرج الكلام استعار فمي الراقصون
على وتر الأرض
والعرض
والفرض
و الرفض
والغيمة القادمهْ
وإذا هيأت نخلة فتنة الطلع للريح
سيقت إلى جهة سائلهْ
آبق من خطاي إلى نفق الأبجدية
أحرث جدرانه الصفر
أفتحه للهواء
ثم أغسل دربي ثلاثا
وأهتف باسم الجراح ثلاثا
وهذي المدينة نائمة في سرابيل ليل سمين
ينظف أشداقه الزرق من لغتي الناحبهْ
في دمي حرقة عرضها مثل عرض الغوايات والصمت
قالت: تدثر بأهداب أرض تموء
وتوق سماء تنوء
فهذي الوجوه سواسية في اللظى
والهوى
وقميص الطوى
وابتلاع القناديل إذ يبلغ الخوف سطوته
مثل أسنان مشط تبسق في الهاويهْ
قلت: يا.........
فتهادت على رغوة الوقت
تنساب بين شهيق المرايا النحيلة والريح كالذكرياتْ
ثالثاً: قراءة في نص( هذيان لن يكتمل)
من الوهلة الأولى يتبدى النص بوصفه «مونولوجاً وجودياً» يرتدي عباءة التيه، حيث تتشابك فيه الدلالة مع الصورة الجمالية لتشكل «هذياناً منظماً» يسعى لترميم ذات متشظية. من الناحية الدلالية، يتأسس النص على ثنائية (الزمن/ الفقد)، فالعشرون عاماً ليست قيداً زمنياً بقدر ما هي مسافة نفسية أفضت بالشاعر إلى «بزوغ الثلج في المقل»، وهي استعارة بصرية تعبر عن الصدمة أو العجز عن الرؤية بغير منظار الحزن. وتتحول اللغة من أداة تواصل إلى «كائن مستوطن» في مراكض العرب البائدة، مما يمنح النص بُعداً تراثياً قلقاً، يزاوج فيه بين «نزق» الماضي و»خواء» الحاضر.
أما جمالياً، فإن النص يعتمد «شعرية القسوة» وتراسل الحواس؛ فالحلم يُنسج ويُنكث، والجوع يُقاوم، والعطش له هامة، وهي انزياحات لغوية تنقل المحسوس إلى مجرد، والمجرد إلى محسوس، مما يخلق حالة من «السريالية الوجدانية». تبرز المقابلة الموسيقية في قوله (الأرض، العرض، الفرض، الرفض) كنوع من التكثيف الوجداني الذي يختزل صراع الإنسان مع ثوابت الوجود في جرس موسيقي متصاعد، ينتهي بالارتماء في «نفق الأبجدية» كخلاص أخير.
وتتوج التجربة الصوفية هذا المشهد بوصفها «مقاماً» لا مجرد فكرة؛ فالشاعر هنا يمارس «رياضة صوفية» قوامها الجوع والعطش (المجاهدة) للوصول إلى الكشف. إن استخدام الأعداد (سبعون أذناً، غسل الدرب ثلاثاً) والرموز الطقسية (حروف النداء، الجثث الناصعة، الوضوء بالجراح) يحيل النص إلى «خلوة» يسعى فيها السالك للتطهر من «الليل السمين». تظهر «الأنثى الرمز» في الختام لتلعب دور «المرشد» أو «الحقيقة المطلقة»، التي تذكره بوحدة الوجود في المعاناة (سواسية في اللظى والهوى)، داعية إياه للتدثر بالأرض، وهو ما يمثِّل «الفناء» الصوفي في التراب للتحرر من عبء السماء (الرؤى الثقيلة).
إن هذا النص، في مجمله، هو رحلة من «غواية اللسان» إلى «صمت العرفان»، حيث تصبح الكتابة هي «الرغوة» التي تطفو فوق وقت هارب، ويتحول الهذيان إلى الطريقة الوحيدة لقول ما لا يُقال في مدينة «تنظف أشداقها» من وجع الشعراء.
وإذا فنص «هذيان لن يكتمل» غني بالصور السريالية والمجازية، يتميز بلغة موسيقية متدفقة تشبه الهذيان الشعوري أو حلم اليقظة الطويل. الصور البصرية والصوتية تتشابك لتخلق إحساساً بالغربة، الفراغ، الحنين، والمعاناة الداخلية، مثل «ثلج في مقلتي»، «الحروف التي دفنت نصف أصواتها»، و»المرايا النحيلة». هذا التدفق اللغوي الطويل والمتكرر يعكس إيقاعاً صوفياً داخلياً، يشبه الذكر الروحي أو التدفق الشعوري للوعي، حيث يتنقل النص بين الحواس والروحانيات بسلاسة فنية عالية.
من الناحية الدلالية، النص يحمل بعداً صوفياً واضحاً؛ فهو يبدأ من الذات الفردية المتأملة في هذيانها وذكرياتها: «قلت لمن عبرت وجل الذاكرة»، حيث تعكس الرموز الأولية (الماء، النار، الثلج، الريح، المرمر) مراحل الصعود الروحي والتجربة الداخلية، من الطهارة والتطهير إلى الألم والتحول والانعتاق. الذات هنا تعيش تجربة فردية عميقة، لكنها مرتبطة بالزمن والذاكرة، ما يعطي النص بعداً إنسانياً وفلسفياً معاً.
ثم ينتقل النص إلى الجماعة: «والذين اكتووا بأهازيج أسلافهم / فاحتموا بأناشيد أطفالهم»، فيتحول الوعي من تجربة فردية إلى تجربة مشتركة، حيث التاريخ والذاكرة الجمعية ينسجان تجربة روحية وأخلاقية. هذا التحول يعكس وعياً صوفياً اجتماعياً، إذ إن رحلة الفرد الروحية تصبح مرآة لوعي الجماعة، وتربط بين الذات والفعل الجمعي.
كما يظهر النص حركة دقيقة بين المفرد المذكر والمفرد المؤنث: المفرد المذكر («قلت: يا...») يمثِّل الفعل، البحث، والسعي الروحي، بينما المفرد المؤنث («فتهادت على رغوة الوقت») يمثِّل الاستجابة، الانسياب، والجانب العاطفي/الروحي للنص. هذا التباين لا يرمز للجنس البيولوجي فحسب، بل يمثِّل القوى المتكاملة للروح: الفاعل والمتلقي، العقل والوجدان، اليقظة والحلم، ما يعزِّز بعد النص الصوفي والفلسفي.
النص يعتمد على الرمزية المكثفة، حيث كل عنصر طبيعي أو بشري يتحول إلى رمز: الماء للطهارة والروحانية، النار للألم والتجربة، الريح للتحول والحركة، الثلج للصفاء والنقاء، والمرايا للانعكاس والتأمل. أما الخواء والمدينة النائمة فيمثلان اللا وعي والفراغ الروحي، وهو فضاء الاختبار والتحول الداخلي الذي يتيح للنفس الصعود نحو الوعي الكلي.
تجربة صوفية وشعرية متكاملة، تبدأ من الذات، تتسع لتشمل الجماعة، وتنتقل بين الفعل والانفعال عبر المفرد المذكر والمؤنث، لتجسد رحلة الروح بين السعي والاستجابة، الفعل والتلقي، اليقظة والحلم. لغة النص، صورته، رموزه، وإيقاعه يجعلونه ليس مجرد سرد شعوري، بل رحلة وجدانية صوفية متكاملة، تمزج الهذيان الفني بالمعراج الروحي.
واضح هنا أن الشاعر (عيد الحجيلي) يمتلك ثروة لغوية، وفضاءً تخيلياً، يمكنه من القدرة على صياغة المعنى الشعري، بما يكتنزه من دلالات ببعدها التاريخي، وحضورها النفسي في سياق الحاضر، بما يشي من تحولات يرتقي فيها الشاعر إلى مدارج الروحي، برؤية تتسق مع تكوينات الذات في عالمها. إن (عيد الحجيلي) شاعر يقتنص الكلمة، يموضعها، يعرف كيف يطارحها شعريا، ويسبكها لتنبض حياة وألقاً وفعلاً حاضراً في الواقع والذات. نحن إذا مع شاعر له فرادته كصوت إبداعي متميز، يفض تخوم اللغة يقبض عليها، يجاهر بها، يشعلها لنكتوي بمعانيها ونخوض فيها نقلبها بأكثر من معنى، وأكثر من تشظٍّ، لنجدنا فيها في حالة خطف، أو لنقل جذب روحي، يداخلنا الصوفي وندخل معه لنرى ما يستحق التأمل.
«طاعنًا في النعاس يرتّل للبيد أوراده الذاهلة»
هو إذا سالكٌ متعب، يخوض معركة الوعي ضد الغفلة، يستعين بحكمة الفناء، ويذكر الله بلسان الشعر، لا من مقام الاطمئنان، بل من مقام الانكسار الجميل.
وهذا من أصدق المقامات الصوفية:
فالذكر لم يعد طلب طمأنينة، بل مواجهة مباشرة مع القفر، إنه خطاب موجّه إلى العدم بوصفه امتحانًا.
(عيد الحجيلي) لقد رحلنا معك في معراجك الشعري الجميل لنستكنه أبعاد ودلالات الغامض في حرفك.
هل استطعنا ذلك ربما. لكنه شجن القصيدة، روحها مدارج تحولاتها، جعلتنا ننقاد إليها نقلبها فنرى ما يستحق أن يأخذنا إليه.
** **
- محمد علي اللوزي