إن الطابع الذي ظهرت فيه البلاغة الغربية باسم البلاغة الجديدة على يد شاييم بيرلمان وربطها بالدرس الحجاجي المعاصر، يدفعنا إلى العودة إلى البلاغة العربية لإبراز قيمتها والكشف عن آليات الحجاج في ثناياها، وإنْ قيل ما قيل عنها بأنها تحجرت وبقيت محصورة في جمال الأسلوب، إلا أن مقاربة الموروث البلاغي العربي تشير إلى إسهاماته في إثراء الفكر البلاغي المعاصر.
وإذا حاولنا استقراء المحطات البلاغية في التراث العربي واستكناه مكامن الحجاج فيها، نجد أن للحجاج بذورا وأصولا في كتب التراث، وقد أشار إليه عدد من النقاد والبلاغيين العرب في مؤلفاتهم مثل الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني، في حين رأى بعض النقاد في بلاد المغرب العربي من الباحثين المعاصرين في الدرس الحجاجي أن البلاغة العربية بلاغة أسلوبية، وليست حجاجية، وهذا القول يحتاج إلى إعادة النظر فيه، وبالرجوع إلى كتب التراث البلاغي عند العرب نجد أنهم اهتموا بالجانب الحجاجي للبلاغة إضافة إلى الجانب الأسلوبي، وإذا طرحنا تساؤلا: هل البلاغة العربية بلاغة تداولية حجاجية ؟
نجد أن التعريفات تجيبنا، فإذا كانت التداولية «تهتم بقضية التلاؤم بين التعابير الرمزية والسياقات المرجعية والمقامية» فإن أحد تعريفات البلاغة العربية أنها: «مطابقة المقال لمقتضى الحال»، ونلحظ تطابقا مع قضية التلاؤم بين التعابير التي هي المقال، والسياقات التي تمثل الحال.
ونأتي لمفهوم الحجاج حيث عرّفه «بيرلمان»: بأنه «دراسة تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يُعرض عليها من أطروحات أو تزيد في درجة ذلك التسليم «، فهي عملية اتصالية قوامها الحجة المنطقية وغايتها إمتاع السامع والتأثير في سلوكه، وبالتالي يتداخل الحجاج تداخلا شديدا مع مبحث «البلاغة الجديدة» ويتقارب مع الخطاب .
وبمقارنة تعريف الحجاج مع بعض التعريفات الأخرى للبلاغة نلحظ تطابقا وتوافقا في المعنى ، فالجاحظ يعرّفها «جماع البلاغة البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة»، وأما حازم القرطاجني فيبين مفهوم البلاغة بقوله: « لما كان علم البلاغة مشتملا على صناعتي الشعر والخطابة، وكان الشعر والخطابة يشتركان في مادة المعنى ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع ، وكان القصد في التخييل والإقناع حمل النفوس على فعل شيء أو اعتقاده أو التخلي عن فعله واعتقاده».
وإذا تلمسّنا مظاهر الأسلوب الحجاجي في التراث البلاغي العربي نجد أنه يتجلى في الخطابة التي احتلت مكانة رفيعة عند العرب ولا سيما في صدر الإسلام ، وتميزت عن غيرها من الفنون الأدبية لحاجتهم إليها، فقامت بدور وسيلة الإعلام الأهم في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن الخطابة تحتاج إلى خيال وبلاغة، وللبلاغة وقعٌ كبير في نفوس العرب، وما زاد الخطابة قوة هو أن الإسلام زادها بلاغة وحكمة، وأصبح الخطيب مقدَّما لحاجة المسلمين إليه، وقد استعان الخطباء بأسلوب القرآن الكريم للتأثير والإقناع، فوظّفوا آليات الحجاج البلاغية من استعارة وبديع وفنون علم المعاني لما لها من أثر في إحداث التغيير وإذعان المتلقي، وهذا هو الهدف الجوهري للحجاج.
كما أدّت إستراتيجية الإقناع وفق آليات الحجاج وظيفة مهمة في الخطاب العلمي البلاغي الذي بدأ في البحث في الإعجاز القرآني، وكيف وظّف النصُ القرآني الأسلوبَ الحجاجي لإقناع الناس بالدِّين الجديد، فبذلت جهود جلية بدءا من الجاحظ الذي احتج للقرآن الكريم في جلّ مؤلفاته، مرورا على من جاء بعده كابن وهب والعسكري وصولا إلى عبد القاهر الجرجاني ، الذي اتخذ من الحجاج والبرهنة منهجا له، وصرّح بذلك في دلائل الإعجاز- كتابه الذي يشير اسمُه إلى الحجة والدليل-فهو يقول:» واعلم أنه ليس للحجج والدلائل في صحة ما نحن عليه حد ونهاية ، وكلما انتهى منه باب انفتح باب آخر، وقد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج، ومن البسط والشرح، فتأمل ما أكتبه لك»
ونعود إلى الجاحظ الذي تنبه إلى وظيفة الأطراف المشاركة في العملية التخاطبية، في جعل النص بليغا مؤثرا مقنعا، وعلى هذا بنى نظريته في البيان، وأقام مشروعه البلاغي على دعامتين: الإفهام والإقناع ، واستعان بكل الأدوات المصاحبة للخطاب، ليكون «أول مفكر عربي نقف في تراثه على نظرية متكاملة تقرر أن الكلام ينجز بالضرورة في سياق خاص، يجب أن تراعى فيه بالإضافة إلى الناحية اللغوية المحض جملة من العوامل الأخرى، كالسامع والمقام وظروف المقام»، وقد تداخلت المعطيات البلاغية مع اللسانية في مؤلفات الجاحظ.
فالكلام عند الجاحظ له وظيفتان: وظيفة خطابية تهتم بالإلقاء والإقناع والمنازعة، ووظيفة إفهام تهتم بالتواصل، وقد اهتم بالخطابة وأدواتها، فيرى أن «رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدُربة وجناحاها روية الكلام وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ»، بهدف استمالة المخاطبين وإقناعهم، ف الخطابة عنده صورتها الإبداع، وهدفها الإقناع، وأساسها البيان ، وبذلك يكون الجاحظ هو من أرسى بلاغة البيان التي تُعدّ من الحجاج.
وأما حازم القرطاجني فيشير إلى ملامح الحجاج في البلاغة العربية من خلال تمييزه بين جهتين للكلام، فيقول: «لما كان كل كلام يحتمل الصدق والكذب، إما يرد على جهة الإخبار والاقتصاص، وإما يرد على جهة الاحتجاج والاستدلال» فهو يقرّ أن للكلام دورا تأثيريا إمتاعيا، إقناعيا، وقد ميز بين الشعر والخطابة على أساس المكون الأساس لكل منهما، فالشعر يُبنى على التخييل، وقد يحدث استعماله عناصر الإقناع الخطابي، وكذلك الخطابة مبنية على العناصر الإقناعية، وتدخل العناصر التخييلية في خدمتها، وهو يرى أنه ينبغي لكل صنعة منهما ألا تستكثر مما ليس أصيلا فيها.
لقد أولت البلاغة العربية منذ نشأتها الجانب الحجاجي اهتماما كبيرا ، فكانت وظيفتها الرئيسة هي الإقناع، ونجد فيها تفصيلا عن مقامات المخاطب مثل الخالي الذهن والشاك والمنكِر، والأسلوب الذي يلائم كل واحد منهم من درجات التأكيد لإقناعهم، فضلا عن إشارة النقاد العرب لآليات الحجاج وأدواته في معرض حديثهم عن جوهر البلاغة ومفهوم الشعر ومقومات الخطابة ودعائمها، وإن كان المصطلح لم يتبلور تماما وتتضح صورته إلا في عصرنا، أما مفهوم الحجاج فقد عرفه النقاد العرب وتطرقوا إليه في مؤلفاتهم، فقد كان الحجاج حاضرا في خطب الخلفاء والعلماء ، وبارزا في قصائد الشعراء، وكان عنصرا مهما ومقوّما محوريا قامت عليه البلاغة العربية .
وحريٌّ بنا إعادة قراءة التراث العربي بآليات معاصرة تكشف عن ثرائه المتجدد، قراءة واعية بتأنٍّ ودقة، وبعَين مُحِبة تبحث عن مكامن الجمال والإبداع فيه لمحاولة اكتشاف لفتاته البارعة ولمحاته النقدية اللافتة التي وردت في ثنايا مؤلفاته، فكانت تصريحا مرةً وتلميحا مرة أخرى، ثم المطابقة والمقاربة بينها وبين المناهج النقدية الحديثة والنظريات الغربية التي يتبين لنا بعد التمحيص والمدارسة أن لها بذورا في تراثنا العربي، ونحن -إذ نهتم بهذا الأمر- ليس تقليلا من شأن علماء الغرب المعاصرين، بل إننا نقرّ بإضافاتهم العلمية وإثراءاتهم اللافتة، ولكن بهدف إبراز قيمة النقاد العرب وجهودهم العلمية في هذا المجال، وما سبقوا إليه غيرهم من علوم بقوة بديهتهم وسلامة فطرتهم ونبوغ ملكاتهم وسعة مداركهم.
** **
ردينة أحمد إدريس - ماجستير أدب وبلاغة - جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن.