يهتم علم الجمال الأدبي بدراسة الظاهرة الفنية، بحيث يرتكز بحثه على ركيزتين أساسيتين أولهما: «كيفية تولُّد العمل الأدبي في نفس الكاتب، وهي الدراسة التي تقوم على أسس المبادئ النفسية، وهي دراسة تحليل وفهم ومعرفة إنسانية يسعى إليها لذاتها، وهذه الدراسة غذَّت الأدب والنقد بكثير من النظريات مثل نظرية الصياغة التي تذهب إلى أن الأديب يسعى لخلق صيغ جميلة لذاتها إشباعًا لحاسة فطرية في النفس، وهي حاسة الجمال. ونظرية الصياغة هي التي نادى بها «البرناسيون» دعاة «المذهب البرناسي»، وهي التي انتهت بنظرية «الفن للفن».
فعلم الجمال الأدبي قبل أن يتناول الظاهرة الأدبية في ذاتها، يبحث أولًا في كيفية تشكُّلها في نفس الأديب، وهذه الخطوة تقوم على أساس التحليل النفسي لفهم شخصية المبدع، وكيف تتم عملية الإبداع الأدبي، وهي دراسة معمَّقة ومعقدة، وقد نجح فيها في أوروبا إلى حد ما «فرويد» وتلامذته في «مدرسة التحليل النفسي».
أما الركيزة الثانية فتدرس كيف يؤثر الإبداع الأدبي في المتلقين، وتتناول هذه الدراسة علاقة الأدب بالفرد وعلاقته بالجماعة، حتى ليقول بعض النقاد: «إن الأدب تعبير عن المجتمع». ونلاحظ أن هذا المبدأ يتنافى مع رأي «البرناسيين» القائل بنظرية «الفن للفن»، فهؤلاء النقاد يرون أن المبدع لا يعيش في قمقم أو في برج عاجي، بل يعيش مع الجماعة، وبالتالي فهو يؤثر فيهم ويتأثر بهم، وكأنهم بهذا الرأي يؤمنون بنظرية الانعكاس، التي ترى أن الأدب صورة للواقع، فهو يُصوِّر الحياة بكل إيجابياتها وسلبياتها. فعلم الجمال الأدبي – عطفًا على ما سبق– يدرس الظاهرة الأدبية مثقلة بهموم الفرد والجماعة، ويرى كيف يكون تأثيرها في المتلقي.
إن مصطلح الجمالية ينحو في صورة أولى منحى المصدر الموظَّف في الدلالة المعرفية، فيكون مجانسًا لعبارة «علم الجمال»، والجمال يحيل على جملة من المعاني منها: معنى البهاء والحسن في الفعل والخَلْق، قال تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)).
وأيضًا معنى الكمال في الجمال. فالجُمَّال بالضم والتشديد: أجمل من الجميل، ومنه الحديث: «إن الله جميل يحب الجمال»، أي حسن الأفعال، كامل الأوصاف.
ومن معاني الجمال عند العرب: الإبقاء على المودَّة. قال الفرَّاء: المُجَامِل: الذي يقدر على جوابك فيتركه إبقاءً على مودتك.
وتكاد تتفق جهود الباحثين الذين اهتموا بموضوع الجمالية على صعوبة البحث في هذا الموضوع لأنه يتركز على الأعمال الإبداعية باعتبارها بُنى مقدودة من علامات مجازية مفعمة بالمعاني الضمنية والمقاصد الخفية التي تتحكم فيها ذاكرة تاريخية، فضلًا عن تنوع الظروف التي أسهمت في نشأة هذا المصطلح وتبلوره قبل أن يأخذ شكله الذي انتهى إليه.
فدراسة الأبعادِ الجمالية لا تتقيد بالكلام الأدبي، بل تهدف إلى دراسة مظاهر الإحساس بالجمال في الطبيعة وفي الفن بمختلف أنواعه، وهي بهذا المعنى عمل دؤوب لاستخلاص مقومات الجمال في المواضيع الطبيعية والثقافية والنصوص الأدبية والشعرية.
والوظيفة الجمالية في اللغة والأدب هي الخاصية التي يجب أن تجذب الانتباه إليها، والتي تكتسب معها قيمة ذاتية. في هذا المعنى؛ الكلمة تعني في الوقت ذاته التعبير؛ أي أن لها أهمية موضوعية خارجة عليها. وفي الوقت ذاته؛ لها معنى خاص يتجاوز الهدف، وهو هنا التأثير والاستمالة والإقناع. لذلك يمكن للكلمة أن تقول شيئًا ما وأن تُظهِرَ شيئًا مختلفًا تمامًا في الوقت ذاته.
إن الرؤية الجمالية للنصوص الأدبية تخطُّ مجالات تَفَتُّحٍ وَتَكَوِّن، وصيرورة وإيحاء، عن طريق الوصف والتصوير بالتشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو البديع وغيرها. فمهمتها الإمتاع والتأثير، ومن خلال هذه المتعة وذاك التأثير يأتي الإقناع والاقتناع.
يقول ابن الأثير: «لا انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة، ولا المعاني اللطيفة الدقيقة، دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطِب لها».
وهذا يعني أنه كلما ازداد التأثير بأساليب التعبير، ذَكَتْ الرغبة في الاستيلاء على العواطف والأهواء، وقويت البلاغة وضعف المنطق. لذلك كان حد البلاغة الجديدة وقوة تأثيرها أن تخاطب الإنسان عقلًا وقلبًا ووجدانًا، فلا نتوسل العنف لتحقيق المقاصد، ولا نستولي على الأهواء ظلمًا، ولا ندرس الأشكال التعبيرية في ذاتها مؤثرين متعة الفن، مفتونين بجمال الصياغة في معزل عن وظائفها. فلا بد في الكلام من الجمع بين المقاصد التأثيرية والممارسة الفعلية والعملية.
ويظهر هدف البعد الجمالي بصورة واضحة في محاولة استمالة المتلقي وعواطفه، واستدراجه للذَّة النص ومتعة البلاغة مما يقوده في النهاية إلى الاستسلام والإذعان، أي أن وسائل التعبير الجمالي موظفه في استمالة المتلقي، وفي تحقيق المقصد التأثيري الإقناعي معًا.
وهذا الاستدراج يصفه ابن الأثير بقوله: «وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، والكلام فيه - وإن تضمن بلاغة - فليس الغرض ها هنا ذكر بلاغته فقط، بل الغرض ذكر ما تضمنه من النّكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، وإذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه».
وقد استطاع الروائي خالد الحقيل في رواية «فارس» وهي من أدب الخيال العلمي تحقيق قدر كبير من الإمتاع والإفادة، فبلاغة الإمتاع راجعة في الأساس إلى تمكُّن اللغة عنده من الإحاطة بكثير من المعاني واستقصاء فروعها. أما الإفادة فتتحقق من خلال اكتساب المعلومة والمعرفة، ومن هذه الزاوية تتجلى الأبعاد الجمالية، إذ إنها ومن خلال تصوير الأشياء ومحاكاتها تحقِّقُ للقارئ تلك اللذَّة وذلك الإمتاع.
يذكر الحقيل في رواية الخيال العلمي «فارس» علاماتٍ جمالية طبيعية، ويتطرّق لتصوير الطبيعة الخضراء والجبال وهي من علامات الطبيعة الجميلة الفاتنة للنفس، راسمًا بها صورًا جمالية في تراكيب روايته، كما يكثر من ذكر الكواكب والنجوم والفضاء والسماء والضياء والإشراق والتي بدورها ترمز إلى الجمال الباهر والبعيد. ويصف جمال التكنولوجيا الحديثة المتطورة وآخر ما توصل له العلم في الابتكارات والأضواء والأشعة ذات الألوان وذات الوظائف المعينة في أدب الخيال العلمي، كما أنه يؤدي بالألوان الأسود والأخضر والأحمر والأصفر والأبيض وغيرها وظائف جمالية متعددة، كما أن ألوان البلاغة كالتشبيه والاستعارة وألوان البديع تمنح تراكيب النص أبعادًا جمالية من خلال إتقان تصويرها ونظمها، مما يتبيِّنُ لنا من كل ذلك جانبًا ثريًا من الأبعادِ الجمالية في هذه الرواية.
ومن أبرز الأبعاد الجمالية الطبيعية في الرواية وصف جمال طبيعة محافظة «دانبا» في مقاطعة «سيتشوان» الصينية، يقول خالد الحقيل: «تقع محافظة دانبا في شرق منطقة تسي بمقاطعة سيتشوان الصينية، وتلتقي جبال «بايانكالا» وجبال «قونغلا» وغيرهما في هذه المحافظة، كما تنبع منها أنهار «قهشيتشا» و»ماونيو» و»جينتشوان الكبير والصغير، وتمر بها بعض الأنهار الأخرى، ولذلك تسمى دانبا بـ «المدينة الواقفة على الجبال» و»المدينة الواقعة بجانب الأنهار المشهورة». وتتسم هذه المحافظة بكثرة البحيرات والتلال الممتدة والغابات الواسعة، فيصف أهل «التبت» هذا المنظر البهيج الذي تتميز به هذه المحافظة بقولهم: «قمة جبل مغطاة بثلج أبيض»، وتنتشر في وسط الجبال أشجار خضراء، أما سفوح الجبال فمحاطة بأنهار ذهبية». من هذا الوصف الجمالي لطبيعة هذه المحافظة يتجلى لنا بعدٌ جمالي يأخذ بالألباب.
ويقول الحقيل في موضع آخر: «وصلت مركبتهم إلى منطقة شبه مستوية، تحيط بها إحدى البحيرات من جهة، بينما تحتضنها إحدى الغابات من الجهة الأخرى، لتُكوِّن منظرًا من أبدع ما يمكن مشاهدته على سطح الأرض، ما دعا نور إلى إطلاق شهقة واللواء فهد ترتفع حاجباه من جمال المنظر وصفاء الجو».
وإذا تركنا الطبيعة الأرضية جانبًا، يظهر لنا البعد الجمالي أيضًا من خلال الظواهر الكونية والجو والطقس والسماء، يقول الحقيل: «لم تكد تنقضي نصف ساعة حتى قاربت الشمس على الغروب، واحمرّ الشفق وأصبح منظر المياه مخيفًا حيث امتدت ظلال اليخت عليها لترسم طابعًا يثير القشعريرة في الأبدان».
كما يقول واصفًا السماء والنجوم مؤديًا بعدًا جماليًا جليًا: «استلقيا على ظهريهما يتطلعان إلى النجوم التي كانت تلك الليلة في أبهى حللها، ما دعا عبد العزيز إلى أن يقول لأخيه سعود دون أن يلتفت إليه: سبحان الله، ما أجمل خلقهن ألا توحي تلك النجوم بعظمة صانعها.. رد عليه سعود وهو يتأملها أيضًا بتمعُّن: «سبحان الله».
ويتجلى البعد الجمالي في بيئة أخرى، هذه المرة من داخل البحر حيث يقول الحقيل: «كان ثلاثتهم يعتقدون أنهم قضوا نحبهم خاصة أن منظر المياه وهي تغمرهم وأولئك المخلوقات الشبيهة بشياطين البحار تركب تلك الموجات ثم تحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم قبل أن تحملهم كالأطفال وتتقافز بهم إلى المياه وتتجه إلى بقعة مضيئة على شكل أسطوانة ضخمة أشبه بالغواصة منها للسفينة غير أنها وكما هو واضح متقدمة تمامًا تكنولوجيًا، حيث وبمجرد اقترابهم توهّجت بالأنوار قبل أن تحيط بهم هالة حمراء جعلت أطرافهم تبدأ بالبرودة إلى أن شارفت أجزاؤهم على التجمّد قبل أن ترتفع بهم تلك الغواصة لتبرز ثلاثة مقاعد متصل بها عشرات الأسلاك الدقيقة، ومن ثم سقط ثلاثتهم في غيبوبة كاملة قبل أن يُفيقوا بين مُصدِّق ومُكذِّب لما مرُّوا به».
ويظهر لنا بعدٌ جماليٌ فاخر في وصف الكاتب لجمال تلك الحورية وحسنها الأخّاذ حيث يقول: «لتبرز أجمل امرأة قد تطأ عليها عين بشر على كوكب الأرض، واسعة العينين، غجرية الشعر، ناعمة العود، دقيقة الأنف».
كما يُشِعُّ علينا بعدٌ جماليٌ بديعٌ أثناء وصفه لأمواج البحر ولحركة الأمواج وأصواتها القاسية وأثرها على النفس البشرية وكأنه يبث مشهدًا مرئيًا للقارئ: «كل تلك الأسئلة تدور في رأس فهد حتى انقطعت على صوت الأمواج وهي تصطك ببعضها بقسوة في مشهد أثار القشعريرة».
ويصف مياه البحر ورحلة الغوص فيها وجمال أعماق البحر الأحمر فيقول: «إلا أنه تجاوز ذلك وهو يتعمّق بقلب المياه وبجواره هشام، وتلك المناظر البديعة من الشعب المرجانية تسلب لبّهما، ما جعل فارس يحدّق بها بشكل مطوّل».
وفي وصف العلم والتكنولوجيا المتطورة التي طالما كانت موضوعًا لأدب الخيال العلمي وإبهارها وجمال روعتها بمكوناتها وطريقتها وكُنهها يقول الحقيل: «ثم أشار إلى الجميع بالجلوس على تلك الطاولة المستديرة ثم أومأ بيده لتُغلق الأنوار وينسدل ستار إحدى واجهات الجدار الغربي للحجرة لتعمل آلات عرض شبيهة بتلك التي بدور السينما المتقدمة، والفريق سالم يشير بيده إلى الجميع للصمت والمتابعة».
وفي وصف تلك القاعة التي اُسر بها فارس ورفاقه يقول: «ليكتشف أنه مقيد اليدين والقدمين بإحكام على سرير يشبه المائدة البيضاوية وعشرات الأسلاك تلتصق بذلك السرير لتتصل بجهاز عملاق يشبه الحاسوب، وخلفه ثلاثة مقاعد بيضاوية مطلية بمادة خضراء قاتمة، ويحيط بكل منها إطار دائري ضخم تسري به شحنات شبيهة بالتيار الكهربائي المعروف بشريًا، والأدهى والأمر أن تلك الحجرة كانت نصف مملوءة بالمياه الشفافة كالكريستال الخالص، وأن كل ما فوقها بما فيه سريره وتلك الأجهزة المتطورة كان طافيًا على تلك المياه..!!». وفي موضع آخر يقول: «لم تجبه هذه المرة تلك الحورية إنما اتجهت إلى طرف تلك الحجرة البيضاوية وبمجرد وقوفها بدأت بالصعود تلقائيًا إلى الأعلى وكأن الهواء يرفعها، ليتموّج سقف الحجرة العجيب بعدة ألوان من قوس قزح ويُفتح للأعلى وتختفي مجددًا». وفي تصوير آخر بديع لهذه التكنولوجيا المتطورة يقول أيضًا: «واتجهت إلى ركن بعيد بالحجرة لتقف بموازاة أحد الأجهزة الضخمة وتقوم بتحريك أصابع يدها بحركة معينة لتظهر شاشة عملاقة ترصد من خلالها السريرين اللّذين يحويان بطلانا فارس وهشام».
ويتجلّى البعد الجمالي أيضًا في قول الحقيل واصفًا تلك القاعة المتطورة بشكل جمالي أسطوري: «كانت تلك القاعة التي زُجَّ بها أبطالنا بالفعل ملكيّة، بل تتجاوز هذا الأمر إلى الأسطورية (وهنا نجد بعدًا جماليًا أسطوريًا)، كانت قاعة ترتفع زهاء العشرين مترًا، وتنسدل كما الخيمة ولكن بأضلع رباعية، والأعجب من هذا أنها شفافة، ومن شفافيتها أن بعض الأسماك ترتطم بها اعتقادًا بأنها من ضمن المجال المائي»!
وإذا تركنا هذا الجمال الإلكتروني المتطور جانبًا، ودلفنا إلى إبعادٍ جمالية أخرى، سنجد توظيفًا جماليًا للَّون في ثنايا الرواية، فاللونُ يمثّل ملمحًا جماليًا في الأدب، ويعد عنصرًا مهمًا من عناصر البناء الفني بما يحمل من دلالات ذات علاقة مباشرة بالرؤية الفنية والرمزية، «وفي معظم الأحيان لا يراد اللون فيما وُصِفَ له، بل يكشِفُ عن إحساس المبدع؛ فهو مبعث للحيوية والنشاط والراحة والاطمئنان، ورمز للمشاعرِ المختلفةِ مِنْ حُزنٍ وفرح».
واللون من أهم ظواهر الطبيعة ومجالاتها، ومن أهم العناصر التي تشكِّل الصورة الفنية للعمل الأدبي، لما يشتمل عليه من الدلالات الفنية والنفسية والاجتماعية والرمزية والجمالية. لذلك ينبغي دراسة اللون من خلال ربطه بسياق النصوص الأدبية، فالسياق الأدبي هو الذي يحدد وظيفة اللون وفاعليته ودلالته.
تتناثر الألوان المستخدمة في ثنايا رواية فارس، مؤديًا بها الكاتب أبعادًا جمالية مختلفة، ولسنا بصدد حصر تلك الألوان في هذه القراءة النقدية، بل سنذكر بعضًا منها على سبيل المثال فقط، فلربما تحتاج تلك الاستخدامات اللونية - إن جاز لنا التعبير- إلى دراسة علمية بحثية كاملة شأنها شأن غيرها من العلامات التي تحتاج توغلًا دراسيًا في خباياها ومؤشراتها.
يرمز اللون الأسود كثيرًا في الفلسفة إلى «الخوف من المجهول والميل إلى التكتم، ولكونه سلبي اللون يدل على العدمية والفناء»، كما يرمز الأسود أيضًا إلى «الحكمة والرزانة»، ومن دلالاته الحزن والتشاؤم وسواد الحياة، فقد كان العرب يتشاءمون حتى من مجرَّد النطق بهذا اللون أو أحد مشتقاته. يقول الحقيل ذاكرًا اللون الأسود: «يقول هامسًا وكأنه يخاطب البحر الذي اكتسى أمام ناظريهما في هذه الساعة المتأخرة من الليل باللون الأسود المخيف». وهو كما نرى لا يتعدى تلك المعاني السابقة من حيث الخوف من المجهول والميل إلى التكتم والستر.
أما اللون الأحمر فهو من أوائل الألوان التي عرفها الإنسان في الطبيعة، فهو من الألوان الساخنة المستمدة من وهج الشمس واشتعال النار والحرارة الشديدة، وهو لون البهجة والحزن، ولون العنف ولون المرح، ومن أكثر سمات هذا اللون ارتباطه بالدم، فهو لون مخيف نفسيًا. يقول الحقيل: «إلا أن فارس قد تصلبت يداه واحمرَّ شدقاه وهو يقبض بيديه على تلك السكين الشبيهة بالسيف وقد تشبَّث بها بكلتا يديه»، ويقول في موضع آخر «كان وجه مارينا قد اكتسى باللون الأحمر تمامًا وبدأ يتصبب عرقًا». وفي موضع آخر يستخدم اللون الأحمر أيضًا بقوله: «لم تكد تنقضي نصف ساعة حتى قاربت الشمس على الغروب، واحمرَّ الشفق وأصبح منظر المياه مخيفًا..». ويقول في توظيف آخر للون الأحمر: «توهّجت الأنوار قبل أن تحيط بهم هالة حمراء جعلت أطرافهم تبدأ بالبرودة...». نجد فيما سبق دلالات اللون الأحمر تتراوح بين دلالة الثوران والاشتعال والحرارة ومعاني الحرج والحزن ومعانٍ فلسفية تتعلق بالحياة والوجود والنهاية في مناظر ذات أبعاد جمالية وجودية.
ويُعد اللون الأصفر من أشد الألوان فرحًا؛ لأنه منيرٌ للغاية ومبهج، ويُعد أكثر الألوان إضاءة ونورانية، لأنه لون الشمس مصدر الضوء وواهبة الحرارة والحياة والنشاط والسرور.
كما أن للّون الأصفر دلالات أخرى تُناقض ما سبق، وهي دلالته على الحزن والهمّ والذبول والكسل والموت والفناء؛ وربما الدلالة هذه ترتبط بالخريف وموت الطبيعة والصحاري الجافة وصُفرة وجوه المرضى. وظل اللون الأصفر يحمل الدلالة السلبية، ففي عالم النبات يكون اللون الأصفر هو المعاكس للون الأخضر؛ وبالتالي فإنه يتحمّل الدلالة العكسيّة له من جدبٍ ومحولٍ وشحوب وقُرب فناء.
ومن توظيف اللون الأصفر في دلالات جمالية إيجابية منيرة نورانية ومبهجة قول الكاتب: «التفتتْ إليه بشكل سريع ليتناثر شعرها الأصفر على مقدمة عينيها وتصبح بالفعل فاتنة».
أما اللون الأخضر فهو لون الحياة والحركة والسرور؛ لأنه يهدئ النفس ويسُرُّها، وهو تعبير عن حياة الخصب والنماء والأمل والسلام والأمان والتفاؤل، وهو لون الربيع والطبيعة الحية الجميلة والحدائق والأشجار والأغصان. ووظّف الحقيل اللون الأخضر في وصف جمال الطبيعة والغابات والسهول في الصين وغيرها وفي الإشارة إلى الحُسن والجمال مشكلًا بذلك أبعادًا جمالية في الرواية، ومن تلك الأوصاف قوله يصف جمال عيون مارينا: «شاركتها مارينا الحزن والدموع تحتبس بعينيها الخضراوين..». واستخدم اللون الأخضر أيضًا في وصف الجمادات عندما قال: «ثلاثة مقاعد بيضاوية مطلية بمادة خضراء قاتمة». والقتامة هنا لها معنىً فلسفي يطول ذكره.
كما ذكر الحقيل مجموعة من الألوان في استخدام واحد في الوقت ذاته: «ليتموّج سقف الحجرة العجيب بعدة ألوان من قوس قزح ويُفتح للأعلى وتختفي مجددًا». وكذلك ذكر ألوانًا أخرى لا تتسع القراءة لحصرها، ولكل لون منها أبعاده الجمالية ودلالاته الفلسفية العميقة.
كما تتجلى الأبعادُ الجمالية في النصوص الأدبية من خلال الاستخدام الرائع لأصناف علوم البلاغة والبيان العربية كالتشبيهات والاستعارات وألوان البديع كالطباق والمقابلة والجناس وكذلك صور بلاغية مشهورة قريبة لمناهج السيميائية والحِجَاج كالتكرار والتناص والتضافر النصي وغيرها.
ومن توظيف علوم البلاغة لإنتاج أبعادٍ جمالية لنصوص الأدب توظيف التشبيه - على سبيل المثال - كقول الحقيل في رواية فارس: «إلى أن وصلوا إلى كوخٍ أنيق المظهر، كأنه مصمم مع تلك الغابة ومفصَّل عليها تفصيلًا».! حيث وظّف هذا التشبيه البلاغي البديع لإنتاج بعدٍ جمالي ووظيفة جمالية لهذا الاستخدام البلاغي. كما يقول في تشبيه آخر: «ما جعلها تطلق صوتًا من ذلك الجهاز الذي يتدلَّى من صدرها كالسلسال..»! هذا على سبيل المثال لا الحصر ولضرب الأمثال والمرور السريع على هذه الوجوه البلاغية، فهذه مقالة لقراءةٍ نقديةٍ لا دراسة بحثية وأطروحة تتقصى التفاصيل، والكلام يطول.
وبعد.. استطاع خالد الحقيل في رواية الخيال العلمي «فارس» من خلال توظيف التراكيب النصية والأسلوب الجميل في الوصف واستخدام وجوه البلاغة العربية والآليات الفنية والعلامات اللونية؛ استطاع إظهار أبعادٍ فنية جمالية تشد انتباه القارئ وتُعمل الفكر وتحضّ على التصوّر والتأمل البعيد لديه.
فالأبعاد الجمالية في النصوص الأدبية تشدُّ انتباه القارئ وتعمل على التأثير فيه واستمالته من خلال الوصف وجمال التراكيب والجمل الأدبية والبلاغية الجمالية والفنية التي تحمل طاقة جمالية وإبداعية تأثيرية تجذب انتباه القارئ لنصوص الأدب ومنها النصوص السردية، وهذا ما وظّفه بدقة خالد الحقيل في رواية الخيال العلمي «فارس».
** **
د. ساير الشمري - دكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة
@Drsayer_