تُعدُّ اللغة العربية، ببيانها الساحر واتساع مجازها، وعاءً استثنائيًا لاحتواء المتناقضات، لا بوصفها عيوبًا في التفكير، بل بوصفها كمالًا في التصوير؛ فالعربيّ لم يرَ في الأضداد صراعًا ينتهي بإقصاء أحدهما الآخر، بل رآها وجهين لعملة الوجود الإنساني، إن المتأمل في معمار القصيدة العربية عبر عصورها المتطاولة، يدرك أن «البيان» لم يكن لدى العربي مجرد أداة للوصف، بل كان وسيلةً لسبر أغوار النفس البشرية ومحاولة فك شفرات الوجود، وفي قلب هذا البيان تتجلى «المفارقة البلاغية»؛ كأداة لتعميق المعنى، حيث تلتقي الأضداد في بيت واحد أو التقابل في قصيدتي شاعر، فتخلق توترًا فنيًا يجسد حيرة الإنسان وقلقه الوجودي، فالأشياء في تراثنا لا تُعرف لذاتها فحسب، بل «بأضدادها تتبين الأشياء»، وهو ما يمكن تسميته: « فلسفة المفارقة في الشعر العربي».
لقد كان الشاعر العربي فيلسوفًا بالفطرة، أدرك أن النفس لا تستقيم على حال واحدة؛ فهي ساحة معركة بين الخوف والرجاء، وبين نضارة الشباب ووقار المشيب، وبين قيد العقل وحرية الجنون، وصولًا إلى المعركة الكبرى بين صخب الحياة وسكون الموت.
تعد ثنائية «الخوف والرجاء».. أجنحة الروح وميزان قلقها؛ ففي رحاب الوجد وشعر الزهد، نجد أن الخوف والرجاء ليس مجرد مشاعر عابرة، بل هما «جناحا الطائر» الذي يحلق بهما المؤمن في سماء الحقيقة، يتجلى هذا التضاد في مناجاة الخالق جل وعلا، حيث يرتعد القلب هيبةً ويطمع رحمةً، يقول «أبو نواس» في مفارقة عجيبة تجمع بين رهبة الذنب وأمل الصفح، في توتر فني يجسد الحيرة الإنسانية:
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلَّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
هنا تتصادم عظمة الخوف والمعصية بعظمة الرجاء، لتخلق حالة من التوازن النفسي بين الرهبة والرغبة.
وفي ثنائية «الفرح والحزن».. يصبح الضحك كالبكاء؛ يرى الشعراء أن الحزن والفرح خيطان ينسجان ثوب العمر، فالشاعر لا يصف الحزن بمعزل عن الفرح، بل يصف الحزن الذي يفتك بالقلب في لحظة كان يُتوقع فيها السرور، وهنا تكمن بلاغة المفارقة، بل إن أبلغ الفرح هو ما ولد من رحم المعاناة، وأقسى الحزن هو ما جاء بعد غفلة السرور، ولعل أصدق تصوير لهذا المعنى هو قول «المتنبي» في قصيدته الشهيرة يوم العيد، حيث جاء العيد (موسم الفرح) فعمّق جراحه بدل أن يداويها:
عِيدٌ بِأَيَّةِ حَالٍ عُدتَ يَا عِيدُ
بِمَا مَضَى أَم بِأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ
أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبَيْدَاءُ دُونَهُمُ
فَلَيتَ دُونَكَ بِيدًا دُونَهَا بِيدُ
وهو القائل أيضًا في وصف الفرح الخادع الذي يخفي خلفه أرقًا مريرًا:
لا تَحْسَبُوا أنَّ رَقْصِي بَيْنَكُمْ طَرَبًا
فَالطَّيْرُ يَرْقُصُ مَذْبُوحًا مِنَ الأَلَمِ
الغربة والبقاء؛ لطالما صارع الشاعر العربي ضرورة الرحيل (الغربة) مع الانتماء أو حنين للمكان (البقاء)، إنها مفارقة «الاغتراب لأجل الاستقرار» أو طلبًا للعلا أو هروبًا من ضيم، فالغريب يشتاق للبقاء في موطنه، والمقيم يشعر أحيانًا بغربة الروح وسط أهله، يقول «أبو تمام» في غربة الروح وهو بين ظهراني قومه:
وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ
لِديباجَتَيهِ، فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ
فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ زيدَت مَحَبَّةً
إِلى الناسِ أَن لَيسَت عَليهم بِسَرمَدِ
كما تُنسب أحيانًا أبيات مشابهة لـ«الشريف الرضي» تحمل ذات المعنى:
يَا طَائِرَ الأَيْكِ مَا غُرِّبْتَ عَنْ سَكَنٍ
يَوْمًا وَلَا كُنْتَ عَنْ مَأوًى بِمَطْرُوْدِ
لَيسَ الغَريبُ الَّذي تَنأى الدِيارُ بِهِ
إِنَّ الغَريبَ قريب غَيرُ مَودودِ
أما «القاضي الفاضل» فيصور لوعة الاغتراب الذي يسكن الجسد حتى وإن استقر في المكان:
وَمِن عَجَبٍ أَنّي أَحِنُّ إِلَيهِمُ
وَأَسأَلُ عَنهُم مَن أَرى وَهُم مَعي
وَتَطلُبُهُم عَيني وَهُم في سَوادِها
وَيَشتاقُهُم قَلبي وَهُم بَينَ أَضلُعي
وجد الشعراء في المفارقة بين «الشباب والشيب».. نذير الصبح في ليل العمر؛ ففي الموروث العربي، الشيب رمز الوقار، والشباب رمز الجهل أو الطيش، تعد هذه الثنائية من أشجن المفارقات؛ فهي ليست صراع ألوان (بياض وسواد)، بل صراع بين «الإقبال والإدبار»، مما يخلق فجوة مؤلمة بين جسد يشيخ وقلب يرفض الهرم، لقد جعل الشعراء من «بياض الشيب» ليلًا للنفس، ومن «سواد الشباب» نهارًا للروح، يقول «البحتري» في قلب مذهل للمعنى في سياق حديثه عن الشيب:
وسواد العيون لو لم يملّح
ببياض ما كان بالموموق
أي ليل يبهى بغير نجوم
وسحاب يندى بغير بروق
وهي ذاتها المفارقة التي دفعت «دُعبل الخزاعي» لاعتبار الشيب ضيفًا محبوبًا؛ فق ال:
أحبّ الشّيب لما قيل: ضيفٌ
لحبي للضيوف النّازلينا
بل جعله «أبو تمام» علامة بارزة تدل على الحكمة والأدب؛ فقال:
ولا يروعك إيماض القتير به
فإن ذاك ابتسام الرّأي والأدب
تكشف الأضداد (دومي/ ترحلي – الحلول/ الإرتحال – الجزع/ الولع) رؤيا الشاعر «أبو الفتح البستي» الذي جعلها في مفارقة بليغة حين استعملها على خلاف ما يؤمن به الآخرين؛ فقال:
يا شيبتي دومي ولا تترحّلي
وتيقّني أنّي بوصلك مولع
قد كنت أجزع من حلولك مرّةً
والآن من خوف ارتحالك أجزع
من أعجب المفارقات في وصف الشيب أن الشعراء أطلقوا عليه «النور» و»الوضح» و»الصبح»، لكنه كان نورًا يبعث على الكآبة لا الضياء؛ فكان «الصبح» الذي هو مبعث الاستبشار في الطبيعة، أصبح في جسد الشاعر نذير هلاك وغروب، لقد استخدم الشعراء «الطباق» ليبرزوا بشاعة التحول، و»المقابلة» ليقارنوا بين عزة الإقبال وذلة الإدبار؛ وبذلك ظل الشيب في قصائدهم بياضًا يورث السواد، ونورًا يطمس البهجة، وفجرًا يعلن اقتراب الغروب.
أما التضاد البلاغي بين «العقل والجهل» يكمن في كون التيه رشادًا، إن مفارقة «العقل والجنون» في الشعر العربي هي رحلة من «العِقال» إلى «الانطلاق»، وغالبًا ما يتم تبادل الأدوار؛ فيغدو العقل قيدًا، ويصبح الجهل سبيلًا للتحرر من ضغوط الواقع وقيوده، ومن هنا انطلقت المفارقة البلاغية: كيف يمكن للقيد (العقل) أن يورث الشقاء، وكيف يمكن للجهل أن يكون نعيما؟! يبرز هذا عند المتنبي، فقد صاغ قانونًا فلسفيًا للمفارقة بين العقل والشقاء:
ذو العَقْلِ يَشْقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ
وَأخو الجَهَالَةِ في الشّقاوَةِ يَنْعَمُ
إنها «المفارقة المعكوسة»؛ العقل يشقى بوعيه، والجنون يبتسم في تيهه! حيث انقلبت الوظائف البديهية، وبينهما نُسجت أروع القصائد التي تحاكي اضطراب الروح البشرية.
يمثل التضاد «التوازن القلق» مفارقة بلاغية داخل القصيدة الواحدة؛ فنجد الشاعر يبني صرحًا من التناقض (التوازن والقلق) ليحقق وحدة شعورية، ولعل أبرز نموذج هو «أبو ذؤيب الهذلي» في رثائه لأبنائه، حيث يجمع بين عظمة الصبر ومرارة الفقد، وبين بقاء الدهر وفناء الإنسان، يقول أبو ذؤيب الهذلي:
وتجلدي للشامتين أُريهِمُ
أني لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ
المفارقة هنا تكمن في إظهار القوة الجسدية (التجلد) أمام ضعف الروح المطلق أمام الموت، الشاعر يرتدي قناع البقاء وهو يوقن بالزوال، وهذا التضاد هو ما يمنح القصيدة حرارتها الصادقة.
تكتمل الدائرة بمفارقة الوجود الكبرى «الحياة والموت».. نظر الشعراء إلى «الفناء والخلود» نظرة شاعرية؛ جعلوا فيها الموت ليس مجرد نهاية بيولوجية؛ ففي ديوان العرب، يقف الموت والحياة وجهًا لوجه، لا كعدوين، بل كشريكين في صياغة الحقيقة، لقد برع الشعراء في صيد «المفارقة» الكامنة في أن الإنسان يبدأ الموت لحظة الولادة، وأن بعض الموتى هم في الحقيقة أكثر حياةً من الأحياء؛ حيث الموت ليس نقيضًا للحياة، بل كان أحيان شرطا لخلودها، نجد ذلك في «الحياة في الموت» عند الأبطال والشهداء، وفي «موت الحي» عند من فقدوا كرامتهم، يقول «أبو تمام» مصورًا الموت كجسر للراحة:
بَصُرْتَ بِالرَّاحَةِ الكُبْرَى فَلَمْ تَرَهَا
تُنَالُ إِلاَّ عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ
وعند «المعري» نجد المفارقة العبثية حيث الأرض التي تمنحنا الحياة هي ذاتها رفات الموتى، نحن نمشي على أمواتنا لنعيش، وهي مفارقة تثير الرهبة والخشوع في آن واحد:
خَفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَدِيمَ الـــ
ـــأَرْضِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَجْسَادِ
لقد طوّع الشعراء اللغة ليثبتوا أن الموت ليس نهاية الخط، بل هو وجه آخر للحياة؛ فبينما يرى الجاهل في الموت فناءً، يرى الشاعر فيه خلودًا للذكر، أو راحةً من العناء، وبذلك ظل البيت الشعري العربي «حيًا» رغم «موت» صاحبه.
إن هذه المفارقات البلاغية في ديوان العرب لم تكن ترفًا لفظيًا، بل كانت محاولة بليغة لاحتواء التناقض الإنساني، لقد طوّع الشعراء «الطباق» و»المقابلة» ليثبتوا أن كمال الشيء لا يظهر إلا بظهور ضده، وبدون هذه المفارقات، لظل الشعر العربي مسطحًا يخلو من العمق الإنساني الذي يجعله صالحًا لكل زمان ومكان، لقد استطاعوا بهذا أن يحولوا التناقض النفسي إلى وحدة فنية، تجعل القارئ يشعر بصراع الشاعر وكأنه صراعه الخاص، إننا ونحن نقرأ هذه الكلمات اليوم، نعيش المفارقة الأكبر: أن هؤلاء الشعراء قد «ماتوا» جسدًا، لكنهم بهذه الأضداد ظلوا «أحياءً» في نبض قصائدهم التي ما زالت نقرأها إلى يومنا.
** **
د. أحمد بن سالم آل سالم - دكتوراة في فلسفة النقد والبلاغة