لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وامتد تأثيره سريعًا إلى عالم الإعلام وصناعة المحتوى. فمن كتابة النصوص إلى صياغة العناوين وتحسين الأسلوب، باتت هذه الأدوات حاضرة بقوة في كل ما يُنشر ويُتداول عبر المنصات المختلفة.
غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه التقنيات، بل في طريقة التعامل معها. فبينما يستخدمها البعض كأداة تساعد على تطوير الفكرة وصقل النص، تحولت لدى آخرين إلى بديل كامل للفكر والاجتهاد الشخصي. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
لقد أصبح من السهل اليوم إنتاج محتوى أنيق لغويًا، مليء بالعبارات البراقة والتعابير المنمقة، لكنه في كثير من الأحيان خال من العمق والفكرة الأصيلة. ومع انتشار هذا النمط، امتلأت المنصات بنصوص تشبه بعضها إلى حدٍ كبير؛ كلمات كثيرة، لكن المعنى محدود، وصياغات جميلة، لكن الرسالة باهتة.
ولو افترضنا -ولو نظريًا- أن أدوات الذكاء الاصطناعي اختفت فجأة، فإن المشهد سيكشف الكثير. سيبقى في الساحة من يملك الفكرة والرؤية والخبرة، بينما سيتراجع أولئك الذين اعتادوا الاتكاء على الصياغات الجاهزة والعبارات المعلّبة. فالأدوات يمكن أن تساعد الكاتب، لكنها لا تستطيع أن تمنحه صوتًا حقيقيًا أو تجربة شخصية.
الإعلام، في جوهره، ليس مجرد صناعة كلمات، بل صناعة وعي. والكلمة التي تخرج من تجربة صادقة أو موقف مهني واضح تختلف تمامًا عن كلمة كُتبت فقط لتجميل الواقع أو مجاملة الأشخاص. فالمحتوى الحقيقي لا يقاس بعدد الأسطر أو براعة المفردات، بل بقدرة الفكرة على التأثير والبقاء.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس في انتشار الذكاء الاصطناعي، بل في ألا يتحول إلى بديل عن التفكير. فالتقنية، مهما بلغت من تطور، ستظل أداة في يد الإنسان، أما القيمة الحقيقية فتبقى في العقل الذي يوجّهها والفكرة التي تقودها.
وفي نهاية المطاف، سيبقى في المشهد من يملك الفكرة الصادقة والكلمة المسؤولة، لأن التاريخ الإعلامي لم يخلّد يومًا كثرة الكلام، بل خلّد القول الذي يحمل معنى وموقفًا.
** **
- عبدالله الينبعاوي
X: @pnj5551