الثقافية - كُتب:
صدر كتاب: «من نافذة الأحداث: الهوية العربية والإسلامية في عالم مضطرب»، الذي يقدم قراءة تحليلية للأحداث الكبرى التي شهدها العالم العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة.
ومؤلف الكتاب هو د.يوسف طراد السعدون الحاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1990م، من جامعة إنديانا. وعمل في القطاع العام السعودي لأكثر من أربعين عاماً: كعضو في مجلس الشورى، ووكيل لوزارة الخارجية للعلاقات الاقتصادية والثقافية، وعضو هيئة التدريس في معهد الإدارة العامة.
ويتناول كتابه مزيجًا من التوثيق والرصد الدقيق لتلك التحولات، إلى جانب تحليل عميق لجذور التحديات التي واجهت المنطقة، بما في ذلك ما يُطرح من تدخلات ومخططات خارجية. كما يسلط الضوء على العوامل الداخلية والأخطاء التي أسهمت في تفاقم الأزمات ومهدت لنجاح تلك التحديات.
ويأتي هذا الإصدار في إطار محاولة لفهم واقع الهوية العربية والإسلامية في ظل عالم يشهد اضطرابات متسارعة، مقدمًا رؤية تجمع بين الخبرة العملية والتحليل الفكري.
وصدر الكتاب في 261 صفحة من القطع المتوسط، في جزأين تناول فيهما بناءً منهجيًا متدرجًا، يبدأ بالإهداء وكلمة الشكر والتقدير، ثم مقدمة تمهيدية تضع القارئ في سياق الأطروحة العامة، قبل أن ينتقل إلى محورين رئيسيين يعالجان قضايا الواقع والتحديات المستقبلية.
ففي الجزء الأول، يقدّم المؤلف قراءة معمّقة لما يصفه بـ«ضلال عالم مضطرب»، متناولًا جملة من القضايا السياسية والعسكرية، حيث يناقش إستراتيجيات التدخل الخارجي، مثل سياسات «فرق تسد»، وإثارة النزاعات الطائفية، إلى جانب ظواهر الانقلابات والحروب الأهلية، وما يصاحبها من تضليل وكسب سياسي واقتصادي. كما يتطرق إلى فرض القناعات والبرامج الإصلاحية من الخارج، والابتزاز السياسي الدولي، واستغلال بؤر التوتر.
ويفرد الكتاب مساحة خاصة لـ القضية الفلسطينية، مستعرضًا أبعادها السياسية والإنسانية، وما يرتبط بها من جدل حول العدالة الدولية وازدواجية المعايير، إضافة إلى مواقف المؤسسات الدولية.
وفي سياق متصل، يناقش المؤلف التدخلات الاقتصادية، مثل سياسات الإغراق في الديون والهيمنة الاقتصادية، وتصدير الفساد، واستغلال احتياجات الدول عبر أدوات الضغط المختلفة. كما يتناول الحروب النفسية والإعلامية، مسلطًا الضوء على إدارة الوعي المجتمعي، والدعاية، والتلاعب بالمعلومات، وتأثير الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يغفل الكتاب جانب التحديات الأخلاقية والفكرية، حيث يناقش مظاهر الانحلال الأخلاقي، وانتشار المخدرات، إضافة إلى قضايا مستجدة مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. كما يتناول ظاهرة ازدراء الأديان، وتحليل مواقف الغرب من الإسلام، وما يرتبط بها من إشكالات ثقافية وفكرية.
أما الجزء الثاني، فيركّز على إشكالية الهوية ومستقبل الأمة، من خلال طرح تساؤلات جوهرية حول ماهية الهوية العربية والإسلامية، وعلاقتها بالدين واللغة والتاريخ، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتفكك والصراعات الداخلية، وتأثير التدخلات الخارجية. كما يناقش واقع التراجع الثقافي والفكري، واستشراف مستقبل العرب والمسلمين في ظل المتغيرات العالمية.
ويُختتم الكتاب بخاتمة تلخص أبرز النتائج، تليها قائمة بالمقالات، ثم المراجع التي استند إليها المؤلف، وصولًا إلى نبذة تعريفية عنه.
ويكشف السعدون في مطلع الكتاب الأسباب والدوافع التي جعلته يؤلف هذا الكتاب، إلى جانب رؤيته حيال ما طرحه في هذا الإصدار حيث يقول: «كلما قلبنا صفحات التاريخ، تردّد أمامنا صدى الحقيقة الكبرى: لا شيء في حياة الأمم يقع مصادفة، ولا حدث جسيمًا يمر عبثاً.
فالأمم لا تنهض من فراغ، ولا تسقط بلا أسباب. وكما تولد الحضارات من رحم الإيمان والوعي والعزيمة، فإنها تموت حين يغيب عنها الوعي ويتسلَّل الوهن إلى روحها.
ومن بين أعظم مشاهد التاريخ وأصدقها دلالة، ما شهده العالم يوم بزغ فجر الإسلام. في غضون عقود قليلة، وحد قبائل متفرِّقة ومتناحرة في جزيرة العرب وضم أمماً غير عربية، ليصوغ من مجموعها أمة متماسكة قادت الدنيا وأنارت للإنسانية درب العدالة والعلم والكرامة.
لم تكن الحضارة الإسلامية مجرّد توسّع سياسي أو انتصار عسكري، بل كانت بناءً إنسانيًا راقيًا جمع بين نور العقيدة، وميزان العدل، وشرف العلم، وصدق العمل. ومن هذا المزيج النادر، ولدت حضارة امتدت من تخوم الصين شرقًا حتى شواطئ الأندلس غرباً، تفيض عدلاً وعلماً وجمالاً. فأصبحت نموذجاً راقيًا في الإدارة والسياسة والاقتصاد، وأرست ركائز نهضة فكرية وعلمية أثرت في العالم أجمع.
لكن التاريخ، كما يمنح دروس المجد، لا يخلو من فصول الألم. فما من أمة بلغت العظمة إلا وامتحنها الزمان بمحنة. والأمة العربية والإسلامية، رغم سمو رسالتها، لم تسلم من الانكسارات والانقسامات، وتحولت في مراحل عديدة إلى ساحة لصراعات القوى الكبرى وميدان لتصفية الحسابات الدولية، حتى كاد يُطمس صوتها وتشوّه صورتها.
اليوم، ونحن نعيش زمن التحولات العاصفة، تبدو أمتنا مرةً أخرى عند منعطف تاريخي حاسم فتن تتناسل من رحم الفتن، وحروب تُشعلها أيد لا نراها، وتحالفات تتبدّل كما تتبدّل الفصول. وعالم يسوده التضليل الإعلامي، وتتقدم فيه الأكاذيب على الحقائق، ويُعاد فيه تشكيل العقول كما تعاد صياغة الخرائط.
فما جرى ويجري في عالمنا العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة، من فتن وانقسامات وصراعات دامية، لم يكن وليد لحظة عابرة ولا نتيجة خطأ في التقدير السياسي؛ بل هو نتاج مخططات عميقة ومؤامرات مدروسة نسجت بخيوط أجنبية وصهيونية، استهدفت ضرب هوية الأمة في الصميم وتشويه صورتها وإضعاف إرادتها، حتى تقاد لا أن تقود.
لقد تحولت منطقتنا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، وميدان لتجارب القوى الكبرى التي وجدت في ضعف الداخل العربي والإسلامي مدخلاً لتحقيق مطامعها. فالحروب لم تُشعل عبثاً، والانقسامات لم تتفجَّر صدفة، والتطرف لم يولد من فراغ. كل ذلك كان ثمرة تآمر خارجي متقن التوقيت والتنفيذ، وجد تربةً خصبةً في أخطائنا الذاتية وتناحرنا الداخلي.
وفي خضم هذا الاضطراب، لم يعد السؤال: هل هناك مؤامرة؟ إنما كيف نجعل وعينا أقوى من مؤامراتهم؟ وكيف نُحصن الداخل قبل أن تدين الخارج؟
وما يلفت النظر، أن البعض من خارج العالم العربي والإسلامي وداخله باتوا يتهمون العرب والمسلمين بأنهم أسرى نظرية المؤامرة». هؤلاء يرون أن ثقافتها الفكرية محكومة بهذا المنظور، وأنها لا تفسر الأحداث إلا من خلاله، وأن ذلك دليل على لا عقلانية متأصلة، أو انعكاس لتراكمات تاريخية وإخفاقات اجتماعية وإعلامية.
والحقيقة أن هذا الاتهام غير منصف. فالميل إلى تفسير بعض الأحداث بنظرية المؤامرة ليس خاصية عربية ولا سمة إسلامية، إنه ظاهرة إنسانية عامة.
فالمجتمع الغربي، والأميركي خصوصًا، لم يزل حتى اليوم يربط أحداثاً مفصلية بنظريات المؤامرة: اغتيال الرئيس كينيدي، وظروف وفاة الأميرة ديانا، وانتحار مارلين مونرو، والجدل حول الهبوط على سطح القمر، وانتشار جائحة كوفيد 19 (كورونا)، وغيرها.
وإذا عدنا إلى التاريخ البشري الأول، وجدنا أن أول جريمة وقعت على وجه الأرض، بين ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل، كانت في جوهرها مؤامرة دفعتها الغيرة والحسد.
إذن فالمؤامرة جزء من تاريخ البشر، تتجلَّى كلما تباينت المصالح أو تنافرت الرؤى أو تنازعت القوى.
غير أن الخطر لا يكمن في وجود المؤامرات، بل في تحويلها إلى تفسير شامل لكل إخفاق فيغيب عنا الوعي الذاتي ويضيع الفرق بين السبب والنتيجة.
فالمؤامرة لا تهزم أمةً تعرف نفسها، ولا تسقط حضارة ما دامت تملك شجاعة النقد وإرادة الإصلاح. أما الأمم التي تهرب من مواجهة أخطائها وتلقي بكل أوزارها على الآخرين، فهي التي تهزم مرتين مرة من الخارج، ومرة من داخلها. إنَّ اليد التي تهدم من الداخل أخطر من ألف يد تمتد من الخارج.
وما بلغ حال العالم العربي والإسلامي هذا المدى من الضعف إلا حين تراكمت عيوب غياب الوعي، وتراجع القيم، وانقسام المجتمعات، وضعف المؤسسات، وتنازع القوى السياسية والفكرية فيما بينها، حتى صار الجدار هنا تتسلّل منه الرياح.
ولأننا في عالم جديد تموج فيه الفتن وتشتعل فيه الحروب بالوكالة وتُدار فيه العقول من خلف الشاشات، يصبح التمسك بالهوية والإيمان واستشراف المستقبل بعقل بصير وإيمان راسخ، ضرورة وجودية. فالأمم تُصان بوعيها لا بشعاراتها، وتسترد مجدها بقدرتها على فهم الواقع ومواجهة تحدياته بشجاعة وصدق وإرادة حرة.
من هنا، ولدت فكرة هذا الكتاب. وهو ليس صرخة غضب، ولا نشيد حنين إلى الماضي، بل محاولة لقراءة الأحداث الكبرى التي عصفت بعالمنا العربي والإسلامي. قراءةً تتجاوز سطح الخبر وتبعد عن ضجيج السياسة.
قراءة تجمع بين التوثيق والتحليل، وتبحث في جذور المؤامرات التي نسجت حولنا، وتسلّط الضوء على أخطاء الداخل التي سمحت لها أن تنجح.
يضم الكتاب خلاصة واحد وأربعين مقالاً كُتبت على مدى نحو خمسة عشر عاماً، ونشرت في الصحافة السعودية. ثم أعيدت صياغتها وتحديثها وتبويبها لتخرج في ثوب واحد يجمع بين التوثيق والتحليل والتأمل. وينقسم إلى جزأين متكاملين.
الجزء الأول: يتناول أبرز الأحداث التي عصفت بالعالم العربي والإسلامي، من الحروب والصراعات الداخلية، إلى مشاريع الفوضى الخلاقة»، والتدخلات الأجنبية السياسية والعسكرية والاقتصادية، والقضية الفلسطينية. مرورًا بدور الصهيونية والإعلام الموجّه في تشكيل الوعي وإدارة الفتن، والحملات المغرضة التي استهدفت الدين الإسلامي والأخلاق. ولم يكتف بوصف تلك الأحداث، بل سعى إلى تأصيل جذورها وبيان مكامن خطرها، واقتراح السبل الممكنة للتعامل معها.
الجزء الثاني: يغوص في الداخل العربي والإسلامي، محلِّلا مواطن الخلل الذاتي التي جعلت الأمة عرضةً للانكشاف من ضعف الهوية، وهجر اللغة العربية، إلى التناحر السياسي والاجتماعي، وتغلغل التأثير الأجنبي في مفاصل الحياة العامة، إلى الصراعات الفكرية التي مزَّقت النسيج الاجتماعي. ويؤكد أن النهضة الحقيقية تبدأ من إصلاح الداخل قبل صد الخارج، وأن المعركة الكبرى هي معركة وعي وإيمانٍ قبل أن تكون معركة سلاح.
ويخلص الكتاب إلى أنَّ:
المستقبل لا يُمنح للأمم، إنما تنتزعه بإرادتها، وتكتسبه بوعيها وصدق أبنائها.
نكون يقظين في مواجهة الأحداث، وأن نقرأ التاريخ والواقع بعين فاحصة لا بعين غافلة.
العدو الخارجي مهما بلغ دهاؤه، لا يمكنه أن يُسقط أمةً تعرف ذاتها وتصلح خللها وأنَّ طريق النجاة يبدأ من نقد الذات بصدق، وبناء الوحدة الداخلية على أساس العدل والإيمان والوعي الحضاري، والاعتزاز بالهوية، والانفتاح على العصر.
الطريق إلى المستقبل يبدأ من معرفة الذات، والوعي هو المعركة الحقيقية التي لم تُحسم بعد.
أمة ولدت لتكون شاهدةً على الناس، لا يمكن أن تبقى غافلة أو منكسرة، فلا بد من النهوض واستعادة الوعي.
وفي الخاتمة تختصر قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي: «الدَّهرُ يقظان والأحداث لم تنم»، جوهر رسالة هذا الكتاب للأمة العربية والإسلامية:
اليقظة هي سبيل النجاة، والوعي هو الحصن المنيع للأمم».
كما قدم شكرًا وتقديرًا توج به هذا الإصدار عبّر فيه عن امتنانه لله تعالى، سائلاً أن يكون عمله خالصًا لوجهه ونافعًا للقراء.
ووجّه السعدون في مستهل كتابه شكره العميق لأسرته، مشيدًا بدور زوجته التي وصفها بالداعم الأكبر في مسيرته، وبمساندة أبنائه وبناته، حيث أسهمت ابنته يارا في مراجعة مسودة الكتاب، فيما قدَّمت ابنته سارا دعمًا تقنيًا في إعداد العمل وإخراجه.
كما ثمّن المؤلف دعم عدد من الشخصيات الأكاديمية والرسمية الذين أسهمت ملاحظاتهم ومقترحاتهم في تطوير الكتاب وصياغته، من بينهم بدر بن عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود، ونزار بن عبيد مدني، ود.عبدالعزيز السبيل، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والمثقفين.
وأعرب السعدون عن تقديره للصحافة السعودية التي احتضنت مقالاته على مدى سنوات، مشيرًا إلى دور صحف صحيفة عكاظ، وصحيفة الجزيرة، وصحيفة الشرق الأوسط، وصحيفة الاقتصادية، في نشر كتاباته التي شكَّلت الأساس لهذا الإصدار.
وتعكس هذه الكلمة، التي تصدَّرت الكتاب، البعد الإنساني والتشاركي في تجربة المؤلف، حيث أشار إلى أن هذا العمل جاء ثمرة سنوات من الكتابة والتفاعل الفكري، مدعومًا بإسهامات محيطه الأسري والمهني.
وهذا الكتاب هو خلاصة خبرة إدارية وعلمية تجاوزت الأربعين عامًا قدم فيها د.يوسف بن طراد السعدون رؤية عميقة، وقراءة فاحصة للهوية العربية والإسلامية.