حين تُستعرض تحوّلات الأدب الفرنسي من الكلاسيكية إلى الوجودية، يبدو المسار وكأنه خطٌّ تصاعدي يبدأ من الانضباط العقلي، ثم يمرّ عبر التمرد العاطفي، لينتهي إلى قلقٍ وجودي مفتوح. غير أن هذا التصور، على وجاهته داخل السياق الأوروبي، يطرح سؤالًا مغايرًا حين يُقارن بالأدب العربي: هل تأخر الأدب العربي عن هذه التحولات، أم أنه عرفها بصيغة مختلفة، وربما أسبق؟
إن النظر المتأني في التراث العربي يكشف أن ما يُسمّى في الأدب الأوروبي «مدارس» و»تحولات» كان حاضرًا في الأدب العربي بوصفه تجربة حيَّة لا تنظيرًا مجردًا. فالشعر الجاهلي، كما عند امرؤ القيس، لا يقدّم لنا مجرد وصفٍ للطبيعة أو الحنين إلى الأطلال، بل يعبِّر عن ذاتٍ قلقة تعيش الزمن بوصفه فقدًا مستمرًا؛ وهي التجربة التي ستُسمّى لاحقًا في أوروبا «رومانسية»، لكنها هنا ليست ردّة فعل على العقل، بل أصل التكوين الشعري ذاته.
وعند شعراء الصعلكة، مثل الشنفرى وتأبط شراً، نجد شكلًا مبكرًا من التمرّد الفردي، حيث ينفصل الشاعر عن القبيلة، ويعيد تعريف الكرامة خارج نسقها الاجتماعي. إنها تجربة وجودية بامتياز، لا لأنها تنظّر للحرية كما فعل جان بول سارتر، بل لأنها تعيشها في أقسى صورها: عزلةً، وجوعًا، وصراعًا مع العالم.
أما ما يُعرف في أوروبا بعصر التنوير، فقد عرف له الأدب العربي نظائر مبكرة داخل نسيجه الحضاري، لا خارجه. فكتابات الجاحظ، على سبيل المثال، تمثِّل وعيًا نقديًا ساخرًا، يفكك السلوك الاجتماعي ويعيد قراءته بعينٍ عقلية نافذة، دون أن ينفصل عن الإطار الثقافي العام. وهنا يتجلَّى الفرق الجوهري: فالتنوير الأوروبي قام على صدامٍ مع الموروث، بينما تشكَّل الوعي النقدي العربي في سياق حوارٍ معه.
وفي جانب آخر، لا يحتاج الباحث طويلًا ليجد جذور «الرمزية» في الأدب العربي، خاصة في التجربة الصوفية عند ابن عربي والحلاج، حيث تتحول اللغة إلى إشارات، والمعنى إلى أفقٍ مفتوح يتجاوز ظاهر العبارة. إن ما سيظهر في أوروبا لاحقًا بوصفه هروبًا من الواقع إلى الرمز، كان في التصوف العربي محاولة للنفاذ إلى عمق الوجود نفسه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الأدب العربي الحديث تأثر بعمق بالأدب الأوروبي، خاصة في أشكاله السردية، كما في أعمال نجيب محفوظ التي استوعبت الواقعية وقدّمتها في سياق اجتماعي عربي خاص. غير أن هذا التأثر لا يلغي حقيقة أن البنية العميقة للتجربة الأدبية العربية كانت تحمل، في كثير من وجوهها، بذور تلك التحولات قبل أن تُصاغ نظريًا في الغرب.
إن الفارق بين الأدبين، في جوهره، ليس فارق سبقٍ أو تأخر، بل فارق في طريقة الوعي: فالأدب الفرنسي يميل إلى تحويل التجربة إلى نظرية، وإلى الانتقال عبر مدارس فكرية واضحة المعالم، بينما يحتفظ الأدب العربي بطابعه التجريبي، حيث تتجلَّى التحولات داخل النصوص دون أن تُعلن نفسها بوصفها «مشروعًا فكريًا» مستقلاً.
وهكذا، يمكن القول إن الأدب العربي لم يكن خارج مسار الحداثة، بل كان يسير فيه بطريقته الخاصة؛ طريقٍ لا يبدأ بالسؤال النظري، بل بالتجربة، ولا ينتهي إلى القطيعة، بل إلى إعادة التأويل. ومن هنا، فإن المقارنة بين الأدبين لا ينبغي أن تُبنى على معيار الزمن أو السبق، بل على فهم الاختلاف في كيفية تمثّل إنسان لذاته: بين أدبٍ يفكّر ليكتب، وآخر يَحيا ثم يقول.
*** *** ***
* هذا المقال من دفاتر سنوات البعثة في باريس، حيث تداخلت التجربة بالتأمل.
** **
- د. فايز الكفافي الشهري