الثقافية - كُتب:
صدر عن دار النشر أكورا بطنجة المملكة المغربية كتاب «البصمة الأسلوبية؛ مقاربات في التراث النقدي العربي والدراسات البينية الحديثة» (2026) للناقد والأكاديمي الدكتور عبدالرحمن إكيدر، ويُعد الكتاب دراسة نقدية تبحث في مفهوم (البصمة الأسلوبية) وفي تطبيقاتها الإجرائية.
يؤكد المؤلف أن فكرة البصمة الأسلوبية كانت حاضرة بقوة في عدد من مقولات النقاد العرب القدامى، وذلك على الرغم من عدم تصريحهم بهذه الفكرة، حيث وردت متناثرة وبشكل ضمني في دراستهم لعدد من القضايا والمفاهيم النقدية، مثل: الطبع والصنعة، والانتحال والسرقات، واللفظ والمعنى، والموازنات الشعرية، وطبقات الشعراء، وغيرها من القضايا والمفاهيم. وهذا يُظهر أن هذا النقد استحضر بشكل جلي الخصائص التعبيرية والفنية التي يتفرد بها كل مبدع والتي تجعله متميزاً عن غيره. ويبين الباحث أن تتبع فكرة البصمة الأسلوبية في هذه القضايا يبرز مدى أهمية هذا التراث الذي يحفل بالعديد من الأفكار والرؤى والتصورات التي تفتح باب الاجتهاد لارتياد آفاق بحثية جديدة؛ تربط بين الماضي والحاضر قصد إبراز وجوه الاستمرار والتجديد، إذ يظل هذا التراث زاخراً بإمكانات معرفية وجمالية لم تُكتشف بعدُ كل جوانب ثرائه.
أما في الدراسات النقدية الحديثة، فيكشف الباحث أن انفتاح الدرس الأسلوبي على الدراسات البينية - ولاسيما اللسانيات الإحصائية - قد أسهم في تطوير الأسلوبية الإحصائية التي كان من بين مجالات اشتغالها تحديد البصمة الأسلوبية، بوصفها أداة كاشفة ومعينة في تحديد أسلوب كل منشئ بما يتميز به من سمات أسلوبية تميزه عن غيره، وذلك بالاعتماد على التحليل الرياضي الإحصائي الذي يهدف إلى تشخيص الأسلوب في النصوص بطريقة علمية ودقيقة بعيداً عن الذوق والحدس. وقد تم استثمار فاعلية هذه البصمة في عدد من المجالات؛ من قبيل السرقات الأدبية والانتحال والوضع ومعرفة الدخيل من النصوص ومظاهر التصحيف والتحريف في تحقيق المخطوطات والنصوص التراثية، إضافة إلى فاعليتها في التحقيقات الجنائية، وكشف الأساليب المولدة آلياً عن طريق تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
يقول الدكتور سعيد العوادي في تقديمه لهذا الإصدار: «إن انتباه الباحث إلى قضية (البصمة الأسلوبية) في الخطابين التراثي والحديث يضع الأصبع على أحد أهم مقاصد الدراسة النقدية، وهو القدرة على تمييز مستويات الجيد في النصوص الفنية والوظيفية، مما يرتقي بالممارسة النقدية من مجرد تمييز الجيد من الرديء إلى التمييز داخل سُلَّمية الجيد، من خلال الوقوف على الخواص الفنية والسمات الدلالية التي تجعل من الجودة النصية مقامات ورتباً».
ويضيف الدكتور العوادي: «لقد أبدع د. عبد الرحمان إكيدر عندما أدخل (البصمة الأسلوبية) إلى مجال تحقيق النصوص التراثية، مبرزاً أن المحقق بما هو باحث يطلب الحقيقة في بحثه عن النص الأصلي أثناء مقابلته بين المخطوطات، إنما هو يتكئ إلى نَفَس المؤلِّف وبصمته التي تميزه. ويبدو أننا بحاجة ماسة إلى تطوير ما تقدم به الباحث في أفق إنشاء فرع علمي جديد يهتم بآليات البحث عن البصمة الأسلوبية للمخطوطات.