الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
يتناول هذا اللقاء كتاب «طقوس الروائيين» بوصفه تجربة تقترب من عالم الكتابة من الداخل، عبر تتبّع العادات والتفاصيل التي ترافق الروائي أثناء إنتاج نصه، وما يحيط بذلك من ظروف نفسية ويومية تسهم في تشكّل العمل الأدبي.
ويكشف الحوار مع الكاتب عبدالله بن ناصر الداود رحلة جمع شهادات الروائيين، وما واجهه من تحديات في الوصول إليهم والتعامل مع تحفظهم، إلى جانب تنوّع طقوس الكتابة بين العزلة والانضباط والحالات الشعورية المصاحبة للعمل الإبداعي، مع طرح تساؤلات حول طبيعة هذه الطقوس ودورها في تشكيل النص.
طقوس الروائيين
انطلقت فكرة كتاب طقوس الروائيين من ملاحظة شح المادة العربية في هذا الجانب، إلى أي حد يمكن اعتبار هذا النقص انعكاسا لثقافة تحفظية لدى المبدع العربي تجاه حياته الخاصة، وليس مجرد فجوة بحثية؟
تعود ندرة هذه المؤلفات في فضاء الأدب العربي في جوهرها إلى سطوة المنهج السياقي الذي انصبَّ تاريخياً على تشريح الجماليات اللغوية، مُقصياً كواليس الصناعة إلى هامشٍ ثانوي. يُضاف إلى ما سبق ذلك السياج من الخصوصية الذاتية الذي يحيط به المبدع العربي طقوسه، معتبراً إياها أسراراً مقدسة لا تقبل التدوين. لذا، يأتي هذا الكتاب لردم فجوة بحثية واضحة، محولاً فعل الكتابة من ممارسة غامضة حبيسة الغرف المغلقة إلى مادة توثيقية تستنطق الظروف الحياتية والنفسية التي تُولد فيها النصوص، ليربط بذلك بين حيوات الروائيين ونتاجهم الإبداعي في سياق معرفي واحد.
التواصل مع الروائيين
اعتمدت في مشروعك على التواصل المباشر مع الروائيين وهو خيار منهجي محفوف بعدم الاستجابة والتقلبات، كيف قيمت موثوقية هذه الشهادات في ظل تفاوت المزاج الإبداعي والإنساني لدى الكُتاب؟
لقد كان التواصل مع القامات الروائية العالمية بمثابة اختبارٍ للصبر والدبلوماسية؛ فخلف كل اسمٍ كبير «جدار برليني» من الوكلاء والقيود الزمنية. لم يكن التحدي في «الوصول» فحسب، بل في إقناعهم بجدوى المشاركة في مشروع يدوّن الأنثروبولوجيا الإبداعية، خاصة وأنا أخوض هذه المغامرة ككاتبٍ «غير معروف» يسعى إلى صناعة جسور الثقة مع عالمٍ مطبوعٍ بالتحفظ. لقد تعاملتُ مع كل إجابة تصلني كـلبنة جوهرية في بناء هذا الصرح التوثيقي، مؤمناً بأن كل نجاح في استمالة روائي هو تزكية معنوية للمشروع، وكل إخفاق أو تمنّع ليس فشلاً بل هو حافز إلى مواصلة السير. في نهاية المطاف، ذابت كل تلك الصعوبات والمراسلات التي استمرت لسنوات أمام قيمة هذه الشهادات التي تحولت من مجرد إجابات عابرة إلى وثيقة تاريخية تؤرشف لحظات الخلق الأدبي بصدق وندرة».
المواقف وردود أفعال
تذكر أنك واجهت مواقف صادمة منها ردود فعل حادة من بعض الروائيين، فهل تكشف هذه التجارب جانبا خفيا من شخصية المبدع أم أنها استثناءات لا يجوز تعميمها على الوسط الأدبي؟
إنَّ تلك الردود الحادة والمواقف الصادمة التي واجهتني لم تكن مجرد عوائق، بل كانت نافذةً كاشفة للجزء المظلم أو «الخفي» من شخصية المبدع؛ فخلف النصوص الأنيقة تكمن أحياناً شخصيات قلقة ومحملة بـأعباء العزلة والتحفظ. لم أنظر إلى تلك الحدّة بوصفها استثناءات عابرة، بل كجزءٍ أصيل من سيكولوجية الكاتب الذي يرى في السؤال عن طقوسه انتهاكاً لحرمة خلوته أو «محرابه» الإبداعي. هذه التجارب أكدت لي أن الروائي ليس مجرد منتج للجمال، بل هو إنسان يحمي عالمه الخاص بسياج من القسوة أحياناً؛ لذا لم أسعَ لتعميمها كقاعدة على الوسط الأدبي، بقدر ما اعتبرتها شهادة حية على أن «الطقس» ليس دائماً حالة من السكينة، بل قد يكون حالة من التوتر والصدام مع الآخر.
تجارب محلية
اقتصارك في الجزء الأول على تجربة محلية واحدة يثير سؤال التمثيل، فهل كان ذلك نتيجة لصعوبة الوصول، أم أن هناك فجوة حقيقية في وعي الروائي السعودي بأهمية توثيق تجربته الإبداعية؟
إن قلة حضور الروائي السعودي في الجزء الأول لم تكن تهميشاً، بل كانت انعكاساً لـطبيعة المرحلة التأسيسية للمشروع؛ فقد كان الرهان في البداية على استنطاق تجارب عربية وعالمية ذات مسارات زمنية طويلة لترسيخ النموذج البحثي للكتاب. لقد تعاملتُ مع الجزء الأول بوصفه «مختبراً استكشافياً» لقياس مدى استجابة المبدعين لفكرة كشف طقوسهم، وحينها كان التواصل مع الروائي السعودي يسير في مسارٍ متأنٍ لضمان تقديم تجارب ناضجة ومكتملة الملامح. هذا القصور العددي في البداية تحول إلى حافزٍ جوهري ليكون الجزء الثاني وما يليه احتفاء خاص بالرواية السعودية، إيماناً مني بأن المشهد المحلي يمتلك اليوم خصوصية مذهلة في طقوسه وكواليسه تستحق إفراد مساحات أوسع تليق بتطورها المتسارع.
قراءات نقدية
تجنبت إدخال قراءة نقدية أو تحليل أكاديمي للطقوس تاركا ذلك للقارئ ألا ترى أن هذا الخيار قد يحد من القيمة المعرفية للعمل لصالح البعد السردي التوثيقي؟
إنَّ انحيازي للبعد السردي التوثيقي على حساب التحليل الأكاديمي كان خياراً واعياً يهدف إلى صون جمال الشهادة الأدبية؛ فإقحام القراءات النقدية الجاهزة قد يفرض «وصاية ذهنية» على القارئ ويقيده بتفسيرات محددة. لقد أردتُ لهذا الكتاب أن يكون مصدراً خاماً يتيح لكل باحث أو قارئ استنباط دلالاته الخاصة وفق زاويته ورؤيته. إن القيمة المعرفية هنا لا تكمن في تقديم «إجابات معلبة»، بل في توفير المادة الأولية التي غابت عن المكتبة العربية، تاركاً لـ «القارئ الفطن» متعة الاكتشاف، ولـ «الناقد المتخصص» فرصة بناء نظرياته على وقائع حيّة ومباشرة، وبذلك يتحول العمل من مجرد كتاب يُقرأ إلى مرجعٍ مفتوح للتأويل.
الروائيون العالميون
في ظل تباين الطقوس بين الروائيين عالميا وعربيا، هل لاحظت سمات مشتركة يمكن اعتبارها «بنية خفية» لعملية الكتابة، أم أن التجربة الإبداعية تظل فردية بالكامل؟
على الرغم من التباين الظاهري في التفاصيل، إلا أنني لمستُ بنية خفية عابرة للجغرافيا والثقافات، تتمثل في «قدسية العزلة» و»الانضباط الصارم». فالكتابة في جوهرها ليست فعلاً عفوياً، بل هي عملية طقسية تهدف إلى استحضار حالة من «الانفصال عن الواقع» للغوص في عوالم النص. وجدتُ أن الروائيين، سواء كانوا عرباً أم عالميين، يشتركون في بناء حواجز نفسية ومادية تحميهم من العالم الخارجي، وكأن الطقس هو «المفتاح» الذي يفتح باب المخيلة. ومع ذلك، تظل التجربة فردية بامتياز في تفاصيلها الصغرى؛ فالطقس هو «البصمة الروحية» لكل كاتب، والوسيلة التي يروض بها قلقه الوجودي ليحوله إلى سطرٍ أدبي. إنها وحدة في الجوهر، وتعدد هائل في التجليات، مع تفرد الكاتب الأجنبي بصرامته في انضباطه في الكتابة كونها مصدر رزق لكثيرين منهم.
عالم نجيب محفوظ
علاقتك مع أسماء مثل نجيب محفوظ والطيب صالح في سياق الكتاب تبدو مركزية، كيف أثرت رمزية هذه الأسماء على تشكيل تصورك العام عن طقوس الكتابة؟
إنَّ رمزية نجيب محفوظ والطيب صالح في سياق هذا العمل تمثل «النموذج الإرشادي» الذي تشكّل من خلاله تصوري العام؛ فمحفوظ يجسد الرهبنة الإبداعية والانضباط الوظيفي الصارم الذي حوّل الكتابة إلى طقسٍ يومي لا يقبل التفاوض، بينما يمثل الطيب صالح القلق الجمالي والمكابدة التي تسبق ولادة النص. هذه المركزية علّمتني أن الطقس ليس مجرد «عادة»، بل هو فلسفة وجودية تضبط إيقاع المبدع مع زمنه ومكانه. لقد أثرت هذه الأسماء في رؤيتي لطقوس الآخرين، فكنت أبحث دائماً عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين استقرار الطقس وعظمة الناتج الأدبي، وكأنني أحاول اكتشاف الكيمياء السرية التي جعلت من عاداتهم اليومية البسيطة نصوصاً خالدة تتجاوز حدود الزمن».
طقوس إبداعية
تشير إلى أن بعض الروائيين يربطون الكتابة بحالات نفسية وجسدية خاصة، إلى أي مدى يمكن اعتبار الطقس جزءا من الإبداع نفسه، وليس مجرد إطار خارجي له؟
في يقيني، الطقس ليس مجرد إطار خارجي أو ديكور يحيط بالكاتب، بل هو الرحم الفسيولوجي والنفسي الذي يتخلق فيه النص. إن حالات القلق، العزلة، أو حتى الأوجاع الجسدية التي تصاحب الكتابة، ليست أعراضاً جانبية، بل هي جزء من شيفرة الإبداع ذاته؛ فالمبدع لا يكتب «في» طقس، بل يكتب «به». الطقس هو الجسر الذي يعبره الروائي من ضجيج الواقع إلى صفاء المتخيل، وهو الوسيلة التي يروض بها عقله الباطن ليستجيب لفعل الخلق. لذا، فإن انفصال الطقس عن النص هو انفصال الروح عن الجسد؛ فكل طقس هو بصمة جينية تترك أثرها في إيقاع الجملة، وحرارة السرد، وعمق الشخصيات، مما يجعل من فعل الكتابة تجربة وجودية شاملة لا مجرد تدوين لغوي.
غياب التجارب المحلية
رغم ثراء الساحة الروائية السعودية وتعدد تجاربها، اقتصر حضور الروائيين المحليين في كتابكم على نموذج واحد فقط، كيف تفسر هذا الغياب شبه الكامل، وهل يعود ذلك إلى ضعف تجاوب الُكتّاب مع التوثيق؟
لم يكن هذا الغياب نتاج قصدية مسبقة أو تهميش متعمد، بل هو انعكاس لواقع التجربة الميدانية في جمع الشهادات؛ فقد راسلتُ الكثير من الروائيين السعوديين، إلا أن الاستجابة جاءت من نمط معين وضمن سياق زمني محدد حال دون تمثيل كافة الأطياف. إنَّ مشروعاً بهذا الحجم يواجه دائماً تحدي الاستيعاب الشامل، فمن الصعوبة بمكان أن يحيط كتاب واحد بكافة النماذج والمشارب الروائية في مشهدنا المحلي الثري. لقد كان هدفي الأساسي، بعيداً عن لغة الأرقام، هو تقديم وجبة معرفية ماتعة وشائقة للقارئ العربي في موضوع يتسم بالندرة والجدة، معتبراً أن النموذج الحاضر هو بمثابة إضاءة رمزية تفتح الباب ولا تغلقه، وتؤسس لأعمال قادمة تستوفي حق بقية المبدعين الذين نعتز بتجاربهم.
** **
@ali_s_alq