الفراغ والملل اللذان نشعر بدوامتهما في الإجازات -ومنها إجازة رمضان التي انتهت قبل أيام- فرصة لتحويلهما، بعد مراجعة الذات وإعادة ترتيبها وتشجيع أنفسنا والنظر إليهما على أنهما فرصة، إلى قوة دافعة نحو الإبداع والأفكار المبتكرة المتحرِّرة من قيود الانشغال؛ فيبدأ العقل، في بعده عن الضجيج والتشويش والانشغال المستمر، في إنتاج الأفكار الجديدة.
ومما نجد فيه ظهور الإبداع وقت الفراغ حين كتابة رسائل الماجستير والدكتوراه؛ حين يتوقف العقل عن العمل لشدة الإرهاق والتركيز والضغط النفسي الذي يمنع الباحث من الشعور بالهدوء، فيعجز عن إعادة صياغة فقرة يدرك ضرورتها، وعن التفكير رغم امتلائه بالأفكار. هذه اللحظة يمكن أن تكون نقطة التحول إذا بحث عن طرق مختلفة لرؤية المشكلة، وأفكار كان يمنعه التركيز الشديد عن استحضارها، وذكََّر نفسه بأن الإنجاز لا يأتي دفعة واحدة، بل بخطوات صغيرة، وكافأ نفسه ولو بأشياء صغيرة تعيد شحن ذهنه: كاستراحة قصيرة، أو لحظة هادئة مع فنجان قهوة، أو نزهة صغيرة، أو سفرة قصيرة، أو زيارة سريعة لصديق، أو حتى قراءة صفحة من كتاب يحبه.
ولعلّ من أهم ما يجعل الفراغ يتحوّل إلى طاقة خفية هو أنه يتيح لنا فرصة نادرة للإنصات إلى أنفسنا. ففي زحمة الأيام، تضيع الأصوات الداخلية التي تحمل بذور الأفكار الأولى، ولا نكاد نسمع إلا ضجيج المهام المتراكمة. أما حين نهدأ، يبدأ العقل في إعادة ترتيب أولوياته، ويستعيد قدرته على الربط بين الأشياء التي بدت متباعدة، فينشأ الإبداع من هذا التلاقي غير المتوقع. إن لحظات السكون -مهما بدت بسيطة- قد تكون الشرارة التي تُعيد للباحث أو الكاتب شغفه، وتفتح أمامه مسارًا جديدًا لم يكن ليراه وهو غارق في دوامة العمل المتواصل.
هذه العلاقة بين الفكر والإبداع ليست جديدة؛ تحدث عنها الأدباء: فدستوفسكي كتب بعض أعماله في لحظات عزلة خانقة، ونجيب محفوظ كان يتخذ المشي الطويل بلا هدف وسيلة لفتح أبواب جديدة للروايات، وباسكال قال إن مشكلات الإنسان تأتي من عجزه عن الجلوس وحده في غرفة هادئة؛ لأن العقل في هذه الحالة يبدأ في العمل بطريقة مختلفة فتظهر الأفكار المختبئة. وطه حسين كان يرى أن العقل -إذا انهمك ساعات طويلة في العمل الأكاديمي- يحتاج إلى التحلّل منه بقراءة الشعر ليعود إليه بروح جديدة تنشط للعمل والإبداع، وهو ما يحتاجه الباحث أيضًا. ونختم بالمتنبي تعبيره عن ضجره من السفر والترحال، وكأنه يشير إلى أن التجربة العميقة -بما فيها من ملل وضجر- هي التي تكشف المعاني الحقيقية وتفتح بابًا لفهم جديد، بقوله:
وما الخَيْلُ إِلاَّ كالصَّدِيْقِ قَلِيْلَةٌ
وإِنْ كَثُرَتْ في عَيْنِ مَنْ لا يُجَرَّبُ
في الختام: الإبداع يحتاج -كي يتشكَّل- إلى قدر من الضغط، ويحتاج -كي ينمو- إلى قدر من الفراغ. والملل الذي يصاحب العمل الطويل -رغم إيلامه- قد يدفع العقل للبحث عن حلول جديدة، والفراغ يصنع أفكارًا حين نريد منه أن يصنعها ونعدّه مرحلة ضرورية وطبيعية في البحث والإبداع.
الإبداع ليس لحظة إلهام مفاجئة، بل نتيجة صبر طويل وتحمل ملل وفراغ يتحولان -بذكاء- إلى فرصة.
** **
د.نورة بنت عبد الله العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055