«الثقافية» - سارة العمري:
يتنامى حضور الفحوصات الجينية في المجال الاجتماعي، حيث تتجه بعض الأسر والقبائل إلى تحليل الحمض النووي لإثبات الانتماء إلى تحورات وراثية، في محاولة لإعادة تعريف الهوية عبر نتائج مخبرية، ينقل هذا التحول العلم من مجاله المعرفي إلى ساحة الجدل الاجتماعي، ويضعه بين مسارين متباعدين؛ مسار علمي يخدم الإنسان، ومسار اجتماعي يفتح باب التنازع وإعادة تشكيل الانتماءات.
يأتي ذلك في ظل دراسة سعودية حديثة منشورة في مجلة «نيتشر» ضمن مشروع الجينوم السعودي، حللت أكثر من 65 ألف عينة وحددت 7500 متغير وراثي مرتبط بأمراض متعددة، مع استعداد مجتمعي مرتفع لدعم البحث العلمي ضمن أطر تحفظ الخصوصية، ما يفرض إعادة ضبط استخدام هذا المجال، وتوجيهه نحو غايته الأصلية في خدمة الإنسان، وبناء معرفة وطنية تدعم فهم الأمراض وتطوير الوقاية والتشخيص.
وفي هذا السياق يحذر الباحث والمحقق الأستاذ إبراهيم الحقيل من المسار الذي اتجه إليه بعض الأفراد في التعامل مع هذا العلم، قائلاً لـ«الجزيرة الثقافية»: مما يؤسف له أن هذا العلم النافع اتخذ مسارات لا علاقة لها بالمسار الصحيح، فهذا العلم كما في قرار مجمع الفقه الإسلامي جاء لمعالجة مشكلات دقيقة في الأنساب، مثل اختلاط المواليد أو التعرف على الجثث المجهولة، وهي تطبيقات إنسانية وعلمية واضحة، لكنه انتقل فجأة إلى ساحة الجدل المجتمعي والتنازع على منصات التواصل، مضيفاً: «ما يحدث اليوم هو محاولة إسقاط نتائج جينية محدودة على قضايا نسبية معقدة، مع أن هذه النتائج لا تقوم على قواعد بحث علمي مكتملة في هذا الجانب، وإنما هي اجتهادات فردية يتم تضخيمها، ويُبنى عليها خطاب واسع، مما أدى إلى حالة شد وجذب، حيث دخل البعض في مسارات إثبات ونفي، وكأننا أمام معارك نسبية جديدة، في حين أن هذا العلم لم يُنشأ لهذا الغرض».
ويؤكد الحقيل أن أخطر ما في هذا التحول هو؛ إحياء النزعات القبلية والأسرية بصيغة جديدة، مشيراً إلى أن: «العنصرية التي نهى عنها الإسلام بدأت تعود من خلال هذه القراءات الجينية، حيث يتم استخدام النتائج لإعادة ترتيب الانتماءات أو التشكيك فيها، وهذا مسار خطير على التماسك الاجتماعي»، كما يلفت الباحث إلى بُعد آخر أكثر حساسية، بقوله: «تسفير العينات الجينية إلى خارج البلاد ومنح شركات دولية القدرة على بناء قواعد بيانات عن الجين السعودي يمثل خطراً استراتيجياً، لأن الصراعات لم تعد تقليدية، وهناك أشكال جديدة من الحروب قد تستهدف الإنسان في صحته وتركيبته البيولوجية».
ويختتم الحقيل تصريحه بالتأكيد على أن هذا العلم يجب أن يبقى في مساره الصحيح وهو خدمة الإنسان، من خلال الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية، ودعم الفحوصات الوقائية مثل فحص ما قبل الزواج، والمساهمة في تطوير الطب، أما إخراجه إلى مسارات اجتماعية متوترة فإنه يفقد قيمته، ويتحول إلى أداة ضرر بدلاً من أن يكون أداة نفع.