ليست الغاية من هذه القراءة الوقوف عند قصة الملك الحميري التي اتخذها سعيد السريحي مادةً لكتابه “ما لم يقله الشاهد”، ولا إعادة تحليل تفاصيلها أو تتبع رواياتها المختلفة.
فالقصة في هذا السياق لا تمثل موضوع المقال بقدر ما تمثل ميدانًا طبّق عليه السريحي منهجه في تحليل الخطاب.
أما المقصود هنا فهو وضع اليد على الأدوات المفاهيمية والمنهجية التي مهّد بها السريحي لهذا التحليل، كما تتجلى في الفصل المعنون بـ“في تحليل الخطاب.” ففي هذا الفصل يؤسس السريحي الإطار النظري الذي ينطلق منه، ويعيد النظر في وظيفة الشاهد في التراث، وينقل الاهتمام من الشاهد بوصفه دليلًا يُستدعى لإثبات قول، إلى الشاهد بوصفه نصًا يمكن استنطاقه وكشف ما يتوارى فيه من دلالات، ومن خلال الوقوف على هذه الأدوات والمفاهيم يمكن فهم الطريقة التي بنى بها السريحي قراءته للقصة، والمنهج الذي أتاح له الانتقال من الاستشهاد إلى تحليل الخطاب.
ينطلق السريحي في الفصل المعنون بـ«في تحليل الخطاب» في كتاب «ما لم يقله الشاهد» من ملاحظة تتعلق بطريقة تعامل كتب التراث مع الشواهد. حيث يرى انه جرى استدعاء النصوص بوصفها شواهد تثبت القول وتدعمه، حتى في المسائل التي لا تحتاج إلى إقامة شاهد عليها حيث يغدو في هذه المواضع عنصرًا زائدًا، إذ يُستدعى لإسناد قضية لا يثور حولها خلاف.
ويمضي السريحي خطوة أخرى في نقد هذا الاستعمال، فيشير إلى أن الشاهد يُستعمل في كثير من الأحيان استعمالًا يرسخه في موضع الدليل دون أن يخضع للفحص الذي تقتضيه طبيعة الشهادة نفسها، وخاصة حين تشتمل الرواية موضوع الشهادة على احتمالات متعددة أو مواضع لبس.
ويترتب على ذلك بحسب السريحي تثبيت الشاهد في موقع الاستدلال مع إهمال ما يمكن أن يكشفه من دلالات تتجاوز الغرض الذي استُدعي من أجله. ومن هنا يبدا السريحي منهجه التحليلي من منطلق ان هذا الاستدعاء لا يجب أن يقف في موضع من يلقي بشهادته ثم ينصرف، بل يجب أن يكون موضوع السؤال نفسه؛ أن يُستدعى ليُستجوب، وأن تُفكك لغته، وأن يُعاد إدخاله في السياق الذي أُخرج منه؛ فالشاهد عنده لا يؤدي وظيفة الإثبات، بل يتحول إلى مادة للتحليل، وإلى نصّ يكشف ما يتوارى خلفه من دلالات.
ويؤسس السريحي بعد ذلك لأهمية تحليل الخطاب حيث يرى فيه ما يمكن ان يفتح الطريق إلى كشف البنية العليا التي تتشكل داخلها المقولات وتستمد منها معناها وقوتها. فالخطاب لا يقتصر على نقل الوقائع أو رواية الأحداث، بل يكشف عن شبكة من الاتجاهات الفكرية والثقافية التي تمثل روح العصر وتؤطر طرائق التفكير فيه.
ومن خلال تحليل اللغة والحكايات والروايات المتداولة يمكن الوقوف على تلك البنية التي تنتج الحقائق وتمنحها مشروعيتها، وتحدد ما يستقر في الوعي الجمعي بوصفه قولًا مقبولًا أو حقيقة متداولة. وفي هذا المستوى يغدو الخطاب مجالًا تتداخل فيه اللغة والسلطة والثقافة، فتتكشف من خلاله القوى التي تشكل الوعي وتعيد إنتاجه داخل المجتمع.
يشير السريحي الى أن التمييز بين ما تتفق عليه الروايات وما تختلف فيه يكتسب أهمية خاصة؛ إذ يدل الاتفاق بين الروايات على النواة الدلالية التي استقرت في الوعي الذي تداول القصة ونقلها، ويكشف عن العناصر التي ترسخت في الذاكرة الثقافية للجماعة بوصفها الصورة المقبولة للحدث.
أما الاختلاف بين الروايات فيفتح مجالًا لفهم الطريقة التي أُعيد بها تشكيل الحدث داخل الخطاب، حيث يكشف هذا الاختلاف عن زوايا النظر التي تبناها الرواة وعن تموضعهم من الحدث الذي يروونه، كما يتيح الوقوف على التصورات الثقافية والفكرية التي وجّهت بناء الرواية وصياغتها. وبهذا المعنى يصبح الشاهد عند السريحي نصًا يمكن من خلاله الكشف عنما استقر في الوعي الجمعي من جهة، وعن طرائق تأويل الحدث وإعادة صياغته داخل الخطاب من جهة أخرى.
ومن هذا المدخل ينتقل السريحي إلى قصة الملك الحميري التي تدور حول رجل من العرب حضر مجلس أحد ملوك حمير، فأمره الملك بكلمة قصد بها معنى الوقوف في لغته، ففهمها الرجل على معناها في العربية فوثب من مكانه، فانتهى الأمر إلى مقتله.
يذكر السريحي أن قصة الملك الحميري وردت في مواضع متعددة من كتب التراث؛ فقد استشهد بها أصحاب المعاجم في مواد لغوية مختلفة، واستعملها اللغويون في بيان اختلاف اللغة الحميرية عن العربية، كما استخرج منها أصحاب معاجم البلدان دلالات تتصل بالمواضع الجغرافية، واستحضرتها كتب الأمثال والمؤرخون في سياقات تتصل بملوك حمير وبلاد اليمن. وأدى هذا التداول كما يرى السريحي إلى تثبيت القصة في مواضع الاستشهاد المختلفة، فغدت شاهدًا يُستدعى لتفسير لفظ أو بيان اختلاف لهجة أو الإشارة إلى موضع، حيث توقف استخدامها عند هذه الوظيفة دون الالتفات إلى ما يمكن أن تحمله الرواية نفسها من دلالات أخرى.
عند هذه النقطة يقوم السريحي بانتزاع القصة من هذه المواضع التي استقرت فيها داخل كتب اللغة والأدب والتاريخ، ليعيد النظر فيها من خلال أدوات تحليل الخطاب لتصبح القصة في هذا الإطار نصًا سرديًا يكشف عن شبكة من العلاقات والمعاني التي تتجاوز موضع الاستشهاد.
كما يلفت السريحي النظر إلى أن استخدام القصة كشاهد صرف النظر عن عدد من الدلالات التي يحملها النص. فقد حجب الاستشهاد ما يمكن أن يُقرأ في القصة من ضغينة كامنة في نفس الملك الحميري تجاه العربية، وما تعكسه الحادثة من خشية تتصل بتأثر لهجة الجنوب بلهجة الشمال. كما غض الطرف عن صورة الطاعة العمياء التي أبداها الأعرابي حين امتثل للأمر دون تردد، وعن فداحة المصير الذي انتهى إليه حين سقط قتيلًا في مجلس الملك.
ويمثل ما يورده السريحي في الفصل «الظرف التاريخي» تطبيقًا عمليًا لهذا المنهج التحليلي. ففي هذا الفصل يقدّم مثالين مختلفين لرواية القصة نفسها، ويستثمر الاختلاف بينهما للكشف عن الدلالات التي يصنعها الخطاب التاريخي، من خلال ما يُذكر في الرواية وما يُغفل ذكره فيها.
ففي رواية ابن منظور يلاحظ السريحي غياب اسم الملك الحميري واسم الرجل الذي دخل عليه، إذ يكتفي النص بقولـه «ملك من ملوك حمير» و»رجل من العرب». ويحمل هذا الغياب دلالة في بناء الخطاب، إذ يتجاوز الحدث حدود واقعة بين شخصين محددين ليفتحه على علاقة أوسع بين مملكة حمير والعرب. ولهذا تحضر حمير بوصفها نظامًا سياسيًا مستقرًا له عاصمة وسلطة، ويُذكر الملك بوصفه «ملك ظفار»، بما تشير إليه ظفار من مركز للسلطة في جنوب الجزيرة العربية، في حين يحضر الرجل بصفته «رجلًا من العرب» دون تحديد اسمه أو قبيلته، فيغدو ممثلًا لجماعات العرب المتفرقة في شمال الجزيرة.
وفي المقابل، حين ينتقل السريحي إلى رواية السيوطي يلاحظ تحولًا في بناء الخطاب؛ إذ يظهر اسم الرجل العربي صريحًا بعد أن كان مجرد «رجل من العرب». ويرى السريحي أن ذكر الاسم يتناغم مع المقصد الذي صيغت الرواية في إطاره؛ فالرواية تبرز إصرار الرجل على التحدث بالعربية رغم علمه بما قد يجرّه ذلك عليه من مصير، فيغدو ذكر اسمه جزءًا من إبراز هذا الموقف وإثبات فخره بلغته. كما يتعزز هذا المعنى بما يرد في الرواية من وصف قدومه على الملك بالوفادة، إذ تحمل كلمة «وفد» في سياقها دلالة على قدوم يليق بمكانة الوافد واستقبال ينسجم مع مقام عربي يدخل مجلس الملك.
وبذلك يظهر الرجل في الرواية بوصفه شخصية محددة يُذكر اسمها ويُستعاد موقفها في سياق خطاب يبرز الاعتزاز بالعربية ويجعل من الإصرار عليها موقفًا جديرًا بالذكر. ومن هنا يكشف اختلاف الروايتين عن اختلاف في المقصد الخطابي؛ فالرواية الأولى تفتح الحدث على دلالة تتصل بعلاقة مملكة حمير بالعرب، في حين تعيد الثانية صياغة الحدث عبر إبراز شخصية الرجل العربي وتسميته داخل الرواية.
وينطلق الكتاب من هذا الفهم لمنهج تحليل الخطاب نحو الكشف عن تجليات أوسع لما يمكن أن يفضي إليه هذا المنهج في قراءة النصوص التراثية.
فالقصة لا تبقى عند حدود حادثة لغوية أو رواية تاريخية، بل تتحول إلى مدخل يكشف من خلاله السريحي شبكة من العلاقات الثقافية والسياسية التي أحاطت بالنص وأسهمت في تشكيله. ومن خلال تتبع مواضع الرواية في كتب اللغة والأدب والتاريخ، ومقارنة صيغها المختلفة، يتسع مجال التحليل ليطال البنية الخطابية التي أنتجت هذه الروايات، والطرائق التي صيغ بها الحدث، والدلالات التي حملتها اللغة في سياق الصراع بين السلطة واللغة والهوية. وبذلك يغدو تحليل الخطاب أداة تكشف ما يتوارى خلف ظاهر النص، وتفتح المجال لقراءة التراث بوصفه خطابًا يعكس تصورات عصره ويعيد إنتاجها.
** **
- إقبال بن سعيد السريحي